فان غوخ يحلم بغدٍ أفضلالباب: فنون

نشر بتاريخ: 2015-06-08 17:35:00

عبدالإله بوبشير

الجزائر

(سطح مقهى في المساء) هو عنوان لوحة من بين لوحات الفنان الهولندي (فان غوخ), رُسمت بألوان زيتية على قماش بين 9 و 16 سبتمبر/أيلول 1888 ذات أمسية صيفية هادئة بمدينة آرل الفرنسية.

المقهى الذي مازال موجودًا ليومنا هذا، كان يحمل اسم (لا تيراس)، تم تغيير اسمه في وقت لاحق إلى مقـهى (فان غوخ). فرسم هذه اللوحة ليلاً ومباشرة من زاوية رؤية جانبية, ليسمح له بأن يرى عمق المشهد بصورة جيدة ويكون قادر على إدراج الكثير من التفاصيل لإثراء لوحته. أرضية الشارع الحجرية تعـكس العديد من اللمسات الزرقاء، الصفراء، الـوردية والبنفـسجية. السماء صافية هي ليلة نجوم فوق نهر الرون.

التباين بين الأصفر والبرتقالي على الجدران مصدره مصباح الإضاءة وأزرق السماء والواجهات هو تباين بين اللـون الأساسي والمكمل, خاصة وإن فان غوخ يحب المبالغة في اللون, هذا يضفي نوع من السريالية والعبث تقريبًا على اللوحة.

إذ يقودنا هذا لعمق المشهد تسوده ظلمة يأتي مباشرة خلف الشخصيات المرسومة, خط الأفق هو منخفض نسبيًّا، أما السماء فتحتل جزءًا كبيرًا من المساحة التصويرية.

المقهى في اليسار نجد الأصفر في الغالب يطغى عليه السماء ومجموعة من المارة يقعان على اليمين، حيث اللون السائد هو الأزرق. هناك تناقض بين الألوان أو ما يعرف  بتضاد المساحات.  فنرى انقسام اللوحة إلى عدة مناطق لونية التي تتعارض  بعنف و يتباين قوي. هذا يعطي الانطباع بأن الفنان يسعى لتمثيل عالم موجود في بعد آخر أو بعبارة أخرى ما وراء الواقع , إنه فان غوخ سيد التناقض.

أرضية ذات حجر منحوت مجرد لمسات متعددة من الألوان. إنها تعكس الضوء القادم من المقهى والسماء الزرقاء ذلك وكأنك تمشي بين الحزن والنشوة, الولادة والموت, داخل لغز محير غير واضح لنا هذه الأحجار المحاطة بالأسود تقنية سوف تستعمل لاحقًا في الفن التجريدي فنجدها في لوحة من لوحات بول كيلي, ولإضفاء حركة على العمل رسمت شخصيات بطريقة غير دقيقة فلقد اعتدنا رؤيتها في أعماله.

في الخلفية كانت النجوم عبارة عن نقاط ذهبية على سماء صافية, كما لو كانت من زهور, هذا الأسلوب في تبسيط رسم النجوم  ساعد على إضفاء هيبة ومثالية للسماء, وكأنه يتضرع لخالقه, كل ذلك تحت سطوة ضوء  يأتي أساسًا من مصباح الغاز في المقهى هو ليس مجرد ضوء عادي يستنير به الجالسون هناك بل نور يبحث عنه فان غوخ لدرب حياته المسود. إنها حياة خليط بين المرض والحزن والعوز أحيانًا وسعيد بأموال أخيه ثيودور التي يرسلها له أحيانًا  ... أما الآن فبقيت له الألوان ليشعر بها كما لم يشعر  بها من قبل فلقد كانت تضاد بين الألوان الأساسية و المكملة, تضاد حياته التي يعيشها.

المشهد في حقيقته هادئ وعادي من الحياة اليومية, ولكن في نفس الوقت هو أيضًا متغير إلى حد بعيد, هنا كما لو أن فان غوخ وصل إلى مستوى من الإدراك غير معروف.  يتم  تفسيره  على أن الفنان  بلغ ذروة النشوة العاطفية والإحساس بالمكان, حيث قال في أحد الأيام: «الوقت الوحيد الذي أحس فيه أنني حي هو عندما أرسم».                                                                                                                                           نزهة في الليل وأحمل معك الشوفالييه والألوان أو آلة التصوير وأذهب هناك لن ترى أبدًا مقهى في الطريق بهذه الألوان. إذن من أين أتت هذه الألوان؟ وهل تمثل فعلاً الفنان؟ تقودنا هذه التساؤلات إلى البحث في حياة رسام هرب من الواقع المزري الذي كان يعيشه وحالته النفسية الصعبة  لقد  ترجمها إلى انفعالات لونية وحركات تجعله «حيًّا» كما قال.

في النهاية فان غوخ لم يقدم لنا مقهى، أراد أن يظهر لنا، دهشة رائعة، أمل بداخله لصباح أفضل بعد هذا الليل. أنت حي في قلوب الملايين لقد رحلت فقيرًا نحيلاً مرميًا في مستشفى المجانين محتاجًا لرغيف من الخبز, ولكن تركت ورائك فنًّا لا يقدر اليوم بثمن, إنها فعلاً لمسة إنسانية نبعت من داخل قاسى الكثير, هي اليوم تُدَرس في المعاهد والجامعات.


عدد القراء: 592

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-