استلهام التاريخ لدى ابن الخطـيب من خلال كتاب: «الإحاطة في أخبار غرناطة»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-01-31 20:24:56

د. محمد سيف الإسلام بوفـلاقـة

كلية الآداب - جامعة عنابة - الجزائر

تمهيد:

يعد كتاب (الإحاطة في أخبار غرناطة) للسان الدين ابن الخطيب من أهم الكتب الأدبية، والتاريخية في الأندلس، وهو من أشهر مؤلفات ابن الخطيب، تناول فيه أخبار هذه المدينة الشهيرة عاصمة بني الأحمر (633-897هـ)، تاريخيًا، وأدبيًا، وجغرافيًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، منذ الفتح الإسلامي لايبيرية (إسبانية والبرتغال حاليًا) سنة: 92هـ، حتى عصر المؤلف (دولة بني الأحمر)، منتهيًا منه إلى عهد السلطان الغني بالله محمد الخامس، ثامن ملوك بني الأحمر، وهو دراسة متميزة لسيرة أعلام غرناطة، ومن وفد عليها، ويتألف  من خمسة عشر سفرًا، أو اثني عشر سفرًا ، كما في ريحانة الكتاب، وهذه الأسفار في مجموعها، تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: «في حلى المعاهد والأماكن والمنازل والمساكن»، وهو الخاص بغرناطة بني الأحمر.

والقسم الثاني: «في حلى الزائر والقاطن، والمتحرك والساكن» وهو لب الكتاب، وفيه تناول تراجم الشعراء والأدباء والملوك، والوزراء، والعلماء، وسواهم، متبعًا الترتيب الهجائي التاريخي، ويرجع تأليف ابن الخطيب للكتاب إلى ما قبل سنة: 760 هــ، ولكنه لم يفرغ منه إلا في أواسط عام 765هــ(1).

إن كتاب: (الإحاطة في أخبار غرناطة) يصف أدق وصف التاريخ السياسي، والأدبي، والاجتماعي لمدينة غرناطة في الحقبة التي عاش فيها لسان الدين بن الخطيب، ويتحدث فيه بإسهاب عن المراحل السابقة، كما يسلط الأضواء على أمور دقيقة تتصل بالطبيعة، والأرض، وسماتها، ومدينة غرناطة، وجنانها، وأنهارها، ويرصد فيه ابن الخطيب تاريخ المدينة، ويصفها وصفًا دقيقًا شافيًا، ووافيًا في بلاغة، وبراعة، فضلاً عن كونه، يحوي ترجمات وافية للأعلام القدامى، والمعاصرين لابن الخطيب، فهو كتاب أدب، وفن، وتاريخ، وسياسة، ولم يخل من تقويمات جغرافية، واقتصادية، واجتماعية، إضافة إلى أنه يعتبر معجمًا من المعاجم النفيسة التي تحوي تراجم ضافية للعلماء من شتى الأصناف.

وقد أجمع عدد كبير من كبار الدارسين، والمؤرخين على أنه كتاب فريد بين كتب التاريخ في موضوعه، وذهبوا إلى أنه أهم كتاب وصل إلينا من مؤلفات ابن الخطيب، وهو لا يقتصر على التأريخ لمدينة غرناطة فحسب، ولكنه «عبارة عن موسوعة شاملة لكل ما يتعلق بهذه المدينة الأندلسية التالدة، من الأخبار، والأوصاف، والمعالم، فهو يتناول وصف جغرافيتها، وخِططها، ومواقعها، وما يحيط بها من المروج، والجبال، ثم يتناول تاريخها منذ نزل بها العرب الأوائل، وأخبار من كان بها، ومن نزلها أو مر بها من الكتّاب، والشعراء، والأدباء، والوزراء، والمتغلبين، كما يتضمن خلاصة لتاريخ الدولة النصرية منذ عصر مؤسسها محمد بن يوسف ابن الأحمر حتى عصر المؤلف. وهذا عدا ما يورده المؤلف خلال موسوعته من تراجم فياضة لملوك الدولة النصرية المتعاقبين»(2).

ويصف الباحث محمد الشريف قاهر الكتاب بأنه موسوعة جامعة لكل ما يتصل بغرناطة تاريخيًا، وجغرافيًا، واقتصاديًا، وإنتاجًا فكريًا، منذ الفتح الإسلامي إلى عصر ابن الخطيب، ويعتني بصفة خاصة بترجمة أكابر العلماء، والشعراء من المعاصرين له في الأندلس، والمغرب، ويلتزم الترتيب الأبجدي لأصحاب التراجم(3).

وقد تحدث المقري عن المكانة التي تحتلها الإحاطة في النفوس، ولاسيما لدى علماء المشرق فقال: «وأما كتاب الإحاطة، فهو الطائر الصيت بالمشرق، والمغرب، والمشارقة أشد إعجابًا به من المغاربة، وأكثر لهجًا بذكره، مع قلته في هذه البلاد المشرقية، وقد اعتنى باختصاره الأديب الشهير »البشتكي» محمد بن إبراهيم الدمشقي المتوفى عام: 830هـ، وسماه (مركز الإحاطة في أدباء غرناطة)»، ويقع اختصاره في سفرين، اطلع المقري على السفر الثاني منهما، و»نص على كون البشتكي اختصر أربعة أسفار من أصل الإحاطة في سفرٍ، أي أن الكتاب فقد ثلاثة أرباعه، وهذه المواصفات لا تتماشى مع مواصفات هذا السفر أنه من حيث المادة التي يحتويها يزيد حتى على النص المطبوع بأكثر من الضعف، ولعل مختصر البشتكي لا يتجاوز نصف النص المطبوع من الإحاطة»( 4).

مصادر ابن الخطيب وأثرها على منهجه

1 - مصادره:

اعتمد ابن الخطيب في سبيل تأليفه، لموسوعته الضخمة الموسومة بـ«الإحاطة في أخبار غرناطة» على عدد كبير من المصادر الثمينة، وقد ذكر أهمها في المقدمة(5)، وهي تنقسم إلى قسمين: مصادر كتابية، ومصادر شفوية.

فأما المصادر الكتابية فمنها: تاريخ ابن القوطية، والمقتبس لابن حيان، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، والبيان المغرب لابن عذاري المراكشي، وقلائد العقيان للفتح بن خاقان، وتاريخ مالقة لابن عسكر، وتاريخ ابن الصيرفي الموسوم »بالأنوار الجلية في تاريخ الدولة المرابطية»، ثم إن ابن الخطيب قد نقل كثيرًا، فيما يتعلق بالتراجم من كتاب «علماء إلبيرة» لأبي القاسم الغافقي، ومن كتاب »تاريخ ابن مسعدة» الموسوم بـ«تاريخ قومه»، وكتاب «القدح المعلى في التاريخ المحلى».

كما استعان أيضًا بكتاب «الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد» لأبي الحسن علي بن سعيد الأندلسي، وكتاب «الحلة السيراء» لابن الأبار، وكتاب »الصلة» لابن بشكوال، و«الذيل والتكملة» لعبد الملك المراكشي، و«صلة الصلة» لابن الزبير، وغيرها.

وأما المصادر الشفوية، فتتعلق بمعاصريه، وهم الكثرة الغالبة في كتاب «الإحاطة»، من شيوخه، وتلامذته، وأصدقائه، وغيرهم. وكان يتحصل على المعلومات من الأشخاص أنفسهم، أو من ذويهم، ومعارفهم، وعول ابن الخطيب فيما يتعلق بسلاطين الدولة النصرية، ووزرائها على الوثائق، والرسائل الديوانية.

ومن هذه المصادر أيضًا كتب ابن الخطيب السابقة التي صنفها من قبل ككتاب «اللمحة البدرية في الدولة النصرية»، وكتاب «نفاضة الجراب في علالة الاغتراب»، وكتاب «الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» وسواها(6).

ونظرًا إلى الأهمية البالغة التي تكتسيها المصادر التي اعتمد عليها لسان الدين ابن الخطيب في كتاب: «الإحاطة في أخبار غرناطة»، والتي تنعكس لا محالة على منهجه، فإننا نقدم لمحة موجزة عن أهمها: 

1 - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي:

يعد كتاب (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، واحدًا من أعرق الكتب التراثية القديمة، وقد ألفه البغدادي المتوفى سنة: 462هـ/1072م، والكتاب» وإن حمل اسم (تاريخ بغداد) فهو كتاب تراجم لرجال بغداد، ولمن اتصلوا بها منذ عهد إنشائها حتى أيام المؤلف، أكثر منه تاريخًا للمدينة نفسها. وقد تحدث المؤلف عن المدينة، وعن بنائها، وخططها حديثًا موجزًا، ثم تحدث بتفصيل، وإسهاب عن الرجال الذين اتصلوا ببغداد سواءً أكانوا من أعيان أهلها، أم من كبراء الواردين عليها...، وبلغ عدد الذين ترجم لهم البغدادي في هذا الكتاب واحدًا وثلاثين وثمان مائة وسبعة آلاف ترجمة. وقد رتبت مواد التراجم فيه ترتيبًا معجميًا، رُوعي فيه تسلسل حروف اسم العلم، واسم الأب، وأول من ترجم لهم المحمدون تبركًا باسم النبي العربي محمد (صلى الله عليه وسلم)...، ووقع الكتاب في أربعة عشر جزءًا، طُبع بتحقيق محمد حامد الفقي بالقاهرة عام:1931م بمكتبة الخانجي، وطبع مصورًا بدار الكتاب العربي ببيروت عام:1969م.(7)

2 - الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام:

وأما كتاب الذخيرة فهو أحد أهم الكتب التي رصدت التاريخ الأدبي للأندلس، فقد ألفه ابن بسام المتوفى عام:542هــ بعد امتعاضه مما يلقاه أدباء الأندلس من إهمال، وإعراض من قبل مواطنيهم، فقرر وضع هذا السفر لرفع الضيم عنهم، ولفت الأنظار إلى قيمتهم، والاجتهاد في تدوين أخبارهم، وجمع العيون من مقطوعاتهم الشعرية، والنثرية، وهو يعد موسوعة أدبية جليلة فيها من أنباء الأندلس، وسير ملوكها، ووزرائها، وأخبار شعرائها، وكتابها ما أتاح لأجيال من المؤرخين، والكتاب الذين تناولوا شتى مناحي الحياة الفكرية، والاجتماعية في الأندلس أن يفيدوا منه، ويجدوا فيه من المعلومات ما لا مثيل له في أي كتاب أندلسي آخر، ولاسيما فيما يتصل بالفترة التي تسمى بعصر ملوك الطوائف، وبداية دولة المرابطين.(8)

ويقع كتاب الذخيرة في ثمانية أجزاء، وقد«انتهج المؤلف فيه منهج الثعالبي في يتيمته، وتأثر به، وقسمه إلى أربعة أقسام، ثلاثة من مناطق متفرقة في الأندلس، وخص الرابع بالوافدين على الأندلس من المغرب، والمشرق من أهل عصره. ويتضح من مقدمة ابن بسام غيرته على الأندلس، وحبه لأهلها».(9)

3 - المقتبس من أنباء أهل الأندلس لابن حيان القرطبي:

وكتاب» المقتبس» لابن حيان، وموضوعه تاريخ الأندلس منذ الفتح العربي لها سنة:91هـ (711م)، حتى قريب من عصر المؤلف الذي عاش ما بين: (377-422هـ)/ (987-1031م)، وكما يذكر الباحث محمود علي مكي محقق الكتاب فهو ينتهي في الواقع بنهاية خلافة الحكم المستنصر على وجه التقريب، وقد وصفه الفقيه أبو محمد بن حزم في رسالته في فضل الأندلس بأنه كتاب تاريخ كبير» في أخبار أهل الأندلس تأليف أبي مروان بن حيان نحو عشرة أسفار، من أجل كتاب ألف في هذا المعنى، وهو في الحياة بعد، لم يتجاوز الاكتهال»(10).

4 - تاريخ افتتاح الأندلس لأبي بكر بن القوطية:

وأما كتاب «تاريخ افتتاح الأندلس» لأبي بكر بن القوطية فيمكن اعتباره مصدر المصادر في تاريخ الأندلس كما يذهب إلى ذلك الأستاذ إسماعيل العربي، حيث إننا نلفي «كبار المؤرخين مثل ابن عذاري، وابن خلدون، وابن الأثير يقتبسون مما كتبه ابن حيان (377-469هـ)، الذي ولد بعد عشر سنوات من وفاة ابن القوطية، ويتخذونه دليلاً، وحجة، بينما يستند ابن حيان إلى ابن القوطية، ويستشهد بروايته باعتباره معاصرًا للأحداث التي يكتب عنها»(11)، وقد استفاد من هذا الكتاب الهام عدد كبير من القدماء، والمحدثين.

5 -أعلام مالقة لابن عسكر:

وفيما يتعلق بكتاب «أعلام مالقة»، والذي تعاقب على تأليفه القاضي بن عسكر، وابن أخته أبو بكر بن خميس، فقد جمعت فيه أخبار فقهاء مالقة، وأدبائها، كما اهتم بمن سكن مالقة، ودخلها، أو اجتاز عليها، ولم يغفل التطرق إلى أخبارهم، وسمات أدبهم، ومحاسنهم، ومراسلاتهم، وبلاغتهم، وذكر من أخذوا عنه من فقهاء الأندلس، وغيرهم، وهو كتاب نفيس يتصل بتراجم أعلام حاضرة أندلسية كان لها دور مهم في بناء الحضارة، والثقافة في دولة الإسلام بالأندلس، وهو بمادته الثمينة يكشف عما كانت تعرفه حاضرة مالقة من علم، ونشاط في ممارسته تحصيلاً، وتدريسًا، وتأليفًا، كما أنه يقارب بيئة الأندلس في حواضرها، ومجالس علمائها، وما كان يجري في ساحات الدرس بين طلبتها، وأساتذتها(12).

6 - عنوان الدراية فيمن عُرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية لأبي العباس  الغُبريني:

وبالنسبة إلى كتاب: «عنوان الدراية فيمن عُرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية» لأبي العباس أحمد بن أحمد الغُبريني المتوفى سنة: 704هـ، فهو يحوي بين دفتيه تراجم أعلام تمكننا من استكشاف الحياة التاريخية، والأدبية، والاجتماعية، في القرن السابع الهجري ببجاية، وما قبله بقليل، والباعث على تأليفه هو رغبة الغبريني في التعريف برجال السند، والترجمة لهم حتى تكون صفاتهم، ومزاياهم واضحة للمتلقي، والقارئ، وقد حوى 149 ترجمة، «يمكننا أن نقسمها إلى ما يلي:

1 - تراجم البجائيين، والجزائريين، ومن يتصل بهم.

2 - تراجم الأندلسيين المهاجرين إلى بجاية ونواحيها.

3 - تراجم الغرباء الوافدين عليها من المشرق» (13).

7 - الحلة السيراء لابن الأبار:

ويوصف كتاب «الحلة السيراء» لابن الأبار القضاعي المتوفى عام: 658هـ/1260م بأنه أحسن كتبه، وأعظمها فائدة، وهو من عيون ما ألف أهل الأندلس، وأحد المراجع الثمينة التي لا يستغني عنها من يؤرخ له، أو يكتب في أي ناحية من نواحي الحياة فيه، وقد كان صاحب الفضل في اكتشاف القيمة التاريخية، والأدبية لهذا الكتاب المستشرق دوزي، الذي أشاد بقيمته، وخصائص صاحبه، والشعر الموجود فيه ليس كله للأمراء، وقد بدا فيه ابن الأبار مؤرخًا فحلاً واسع الاطلاع، ونافذ النظر، وصادق الحكم (14).

 2 - منهجه:

تحدث ابن الخطيب عن منهجه في كتاب «الإحاطة» فقال: «والترتيب الذي انتهت إليه حيلتي، وصرفت في اختياره مخيلتي هو أنني ذكرت البلدة(15)، حاطها الله، منبها منها على قديمها، وطيب هوائها وأديمها، وإشراق علاها، ومحاسن حلاها، ومن سكنها وتولاها، وأحوال أناسها ومن دال بها من ضروب القبائل، وأجناسها، وأعطيت صورتها وأرخت في الفخر ضرورتها. وذكرت الأسماء على الحروف المبوبة، وفصلت أجناسهم بالتراجم المرتبة: فذكرت الملوك، والأمراء ثم الأعيان، والكبراء ثم الفضلاء، ثم القضاة، ثم المقرئين والعلماء ثم المحدثين، والفقهاء، وسائر الطلبة النجباء ثم الكتاب، والشعراء، ثم العمال والأثراء، ثم الزهاد، والصلحاء، والصوفية والفقراء ليكون الابتداء بالملك، والاختتام بالمسك، ولينظم الجميع انتظام السلك. وكل طبقة تنقسم إلى من سكن المدينة بحكم الأصالة والاستقرار أو طرأ عليها مما يجاورها من الأقطار أو خاض إليها- وهو الغريب- أثباج(16) البحار،  أو ألم بها ولو ساعة من نهار. فإن كثرت الأسماء نوعت وتوسعت، وإن قلت اختصرت وجمعت. وآثرت ترتيب الحروف في الأسماء ثم في الأجداد، والآباء لشرود الوفيات، والمواليد التي رتبها الزمان عن الاستقصاء. وذهبت إلى أن أذكر الرجل ،ونسبه، وأصالته، وحسبه ومولده ،وبلده، ومذاهبه، وأنحاله، والفن الذي دعا إلى ذكره، وحليته، ومشيخته – إن كان ممن قيد علما أو كتبه- ومآثره إن كان ممن وصل الفضل بسببه(17) وشعره إن كان شاعرًا، وأدبه، وتصانيفه إن كان ممن ألف في فن وهذبه، ومحنته إن كان ممن بزه الدهر، وسلبه، ثم وفاته، ومنقلبه إذا استرجع الله من محنته حياته ما وهبه»(18).

وما نلاحظه بالنسبة إلى منهج ابن الخطيب في ترجمته لأعلام غرناطة، أنه قد استفاد من الطرائق التي استخدمها المؤرخون من قبله، كما أنه لم يستخدم منهجًا واحدًا وطبقه على الجميع، حيث إننا نجد تنوعًا في رصده للشخصيات التي يترجم لها، وقد »قسمه إلى أقسام قسم للملوك، والأمراء، وقسم للعمال، وثالث لذوي النباهة كالقضاة، والمتحققين بعلوم القرآن، والمحدثين، والفقهاء، ومن إليهم»(19).

كما أنه كثيرًا ما يكشف النقاب عن الحياة العامة، ويهتم بالأحوال الاجتماعية، والاقتصادية التي وقعت، ويسرد الأحداث بدقة، ويؤرخ للتحولات السياسية، والثقافية، والفكرية، كما يقدم تراجم دقيقة لرجالات الأدب، والفكر، والدولة، وطبقاتهم من وزراء، وحجاب، وقضاة، وكتاب.

وفيما يتعلق بالخطوط العامة لمنهج ابن الخطيب في الكتابة التاريخية، والأدبية، والترجمة للأعلام فهو في أغلب الحالات يبدأ في عرض الشخصية المترجم لها كالآتي: اسمه، وكنيته، وأوليته (نسبه)، حاله (ثقافته-تخصصه)، نباهته، مشيخته، دخوله غرناطة (إن كان ليس من ساكنيها)، شعره، تصانيفه، محنته (لمن وقعت عليه المحنة)، مولده، وفاته.

وقد جعل ابن الخطيب من نظام الأسفار أساسًا لتبويب الكتاب، وقاعدة لتقسيمه، فهو يحتوي على إثني عشر سفرًا، «يضم مخطوط الإسكوريال منها ستة أسفار، من السفر السابع إلى السفر الثاني عشر، ويلي هذا السفر الأخير ترجمة ابن الخطيب مكتوبة بقلمه. وهذه الأسفار فيما يبدو-عدا السفر الأخير-متقاربة الأحجام، يحتوي كل منها على نحو أربعين ترجمة، وهذا عدا السفر الأخير الذي يضم ثمان تراجم فقط. ومعنى ذلك أن مخطوط الإسكوريال بحجمه، وعدد أسفاره نصف المؤلف الأصلي، وتكون نسخة الإسكوريال هذه مكونة من جزئين كبيرين، وصل إلينا منهما فقط هذا الجزء الثاني، الموسوم فوق صفحته الأولى بأنه (السفر الثاني) من مختصر الإحاطة، وهو من محتويات المكتبة الزيدانية الشهيرة، التي استولى عليها الإسبان في عرض البحر في أوائل القرن السابع عشر، وضمت إلى محتويات المكتبة الملكية بالإسكوريال»(20).

 فذلكة:

لقد اعتمد ابن الخطيب في تصنيفه لكتاب (الإحاطة) على مصادر كتابية، ومصادر شفوية، وكان يذكر هذه المصادر، ويتغاضى عن ذكرها أحيانًا أخرى، وقد أشرنا في المتن إلى أهم مصادره الكتابية، وقدمنا عروضًا موجزة عنها، وأما مصادره الشفوية فتتعلق بمعاصريه، وهم الكثرة الغالبة في كتاب(الإحاطة) من شيوخه، وتلامذته، وأصدقائه، وكان أحيانًا يتحصل على المعلومات من الأشخاص أنفسهم، أو من ذويهم، ومعارفهم، واستعان ابن الخطيب فيما يتعلق بسلاطين الدولة النصرية، ووزرائها بالوثائق، والرسائل الديوانية، كما اعتمد على كتبه التي ألفها من قبل ككتاب: (اللمحة البدرية في الدولة النصرية)، وغيره.

لقد استطاع ابن الخطيب، بسبب تأثره بالمصادر القديمة أن يجعل كل ترجمة مركزًا لدائرة معارف (تاريخية وأدبية) تحوي نسبه، وكنيته، واسمه، وحاله، ومشيخته، وتآليفه، وشعره، ومحنته (إن كان قد تعرض لمحنة في حياته)، ووفاته. وقد رسم ابن الخطيب خطة، ومنهجًا واضحين، رتب عناصرهما ترتيبًا حسنًا، وتغلغل في التفاصيل، وتعمق، ورصد أخبار المترجم له، متابعًا أوليته (نسبه)، وقد تأثر بمنهجه هذا المقري في كتابيه (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب)، و(أزهار الرياض في أخبار عياض).

تتجلى القيمة العلمية، والأدبية والتاريخية لكتاب: (الإحاطة في أخبار غرناطة)، من حيث إنه يعد أحد المصادر المهمة التي لا يمكن الاستغناء عنها في تاريخ غرناطة الأدبي، والسياسي، والاجتماعي، وهو ينفرد عن الكتب القديمة كونه يكشف النقاب عن الحركة العلمية، والأدبية والتاريخية السائدة، من خلال تقديم تراجم وافية عن أدباء، وعلماء غرناطة من مختلف العصور، كما يكتسي أهمية بالغة كونه يحوي رسائل، ومقطوعات نثرية، وشعرية، الكثير منها غير متوفر  في مصادر أخرى، وفي النهاية، يمكن القول إن ابن الخطيب هو  خير من أعطانا صورة وافية عن التاريخ الأدبي، والسياسي، والاجتماعي لغرناطة عبر عدة عصور من خلال هذا السفر النفيس. 

الهوامش:

(1) ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، أربعة أجزاء، ط:2، مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1393هـ-1973م، مج:1، المقدمة، ص:5 وما بعدها (بتصرف).

(2) ديوان الصّيب والجهام والماضي والكُهام  لابن الخطيب، دراسة وتحقيق:  محمد الشريف قاهر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1973م، ص:95.

(3) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، دار صادر، بيروت، لبنان، 1388هـ-1968م، مج: 09، ص: 308.

(4) عبدالسلام شقور: الإحاطة في أخبار غرناطة، نصوص جديدة لم تنشر، منشورات مؤسسة الكتاب، المغرب الأقصى، 1988م، المقدمة، ص:8 وما بعدها.

(5) ابن الخطيب: الإحاطة، مج: 2، ص: 6 وما بعدها.

(6) سبقت الإشارة إلى بعض هذه المصادر عند حديث ابن الخطيب عن بواعث تأليفه لهذا الكتاب، وذكره لطائفة من المؤرخين الذين أفردوا لوطنهم تاريخًا.

(7) ينظر ابن الخطيب: الإحاطة، مج: 1، ص:4، وما بعدها.

(8) محمد التونجي: المعجم المفصل في الأدب، دار الكتب العلمية، ط: 01، 1993م، بيروت، لبنان، ج: 01، ص:214.

(9) علي بن محمد: ابن بسام الأندلسي وكتاب الذخيرة- دراسة في حياة الرجل وأهم جوانب الكتاب، منشورات المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، د، ت، ص:11.

(10) محمد التونجي: المرجع السابق، ج: 2، ص: 460.

 (11) ابن حيان: المقتبس من أنباء أهل الأندلس، حققه وقدم له وعلق عليه: محمود علي مكي، منشورات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، 2002م، ص:68.

(12) ابن القوطية: تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق وتعليق: إسماعيل العربي، منشورات المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984م، ص:11.

(13) أبو عبدالله بن عسكر وأبي بكر بن خميس: أعلام مالقة، تقديم وتخريج، وتعليق: الدكتور عبدالله المرابط الترغي، منشورات دار الغرب الإسلامي ببيروت، ودار الأمان بالرباط، 1420هــــ- 1999م، ص:73.

(14) أبو العباس الغبرني: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، تحقيق: رابح بونار، منشورات الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981م، ص: 36.

(15) ابن الأبار، الحلة السيراء، حققه وعلق حواشيه: الدكتور حسين مؤنس، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط: 2 ، 1985م، ص :51 وما بعدها.

(16) بالملك (أهل القوة). الاختتام بالمسك (بأهل الصلاح). انتظام السلك (ليكون الكتاب ممثلاً لجميع طبقات المجتمع على الترتيب المخصوص).

(17) الثبج: وسط الشيء (ووسط البحر أيضا).

(18) وصل إلى مكانته في قومه بسبب علمه ( !)

(19) ابن الخطيب:الإحاطة،مج:1، ص:514 وما بعدها.

(20) الحسن بن محمد السائح: منوعات ابن الخطيب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مديرية الشؤون الإسلامية، المملكة المغربية،1398هـ،1978م،ص:49.

 


عدد القراء: 83

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-