الرؤية السردية والقناعات الفكرية في تجربة نجيب محفوظ (رؤية كلية)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-01-31 20:33:03

د. مصطفى عطية جمعة

أكاديمي، وناقد أدبي

إذا نظرنا إلى تجربة نجيب محفوظ وفق مفهوم العالم السردي، سنجد أننا يمكن تناولها من زوايا عديدة، تعبر عن أبعاد التجربة بعمقها الزماني الممتد إلى أكثر من سبعين عامًا، فقد بدأ أولى أعماله عام 1932م، بترجمة فصول من كتاب "مصر القديمة"، ثم بدأت أعماله السردية في العام التالي 1933م بخمس روايات تاريخية عن الحقبة الفرعونية من مثل: عبث الأقدار، كفاح شعب طيبة، رادوبيس، وقد تمثّل "محفوظ" خلالها بتجربة الكاتب الإنجليزي "والتر سكوت" الذي كتب تاريخ بريطانيا في أربعين رواية، وبالفعل أخرج محفوظ من التاريخ الفرعوني أربعين موضوعًا، وأراد أن يؤرخ لمصر الفرعونية بها. لابد أن نشير هنا إلى القناعة الفكرية التي أطّرت فكر "محفوظ"، وهو إيمانه بمفهوم الأمة المصرية الذي يجعل الانتماء في أولياته وأسسه مقتصرًا على مصر: المكان والتاريخ والشعب، اتساقًا مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، القائمة على شعب متجانس له حدود معروفة وتاريخ عميق، فأراد أن يوثق ذلك، وتكون جهوده تغنّيا بالتاريخ المصري الفرعوني الضارب في أعماق التاريخ، فيتوقف عند البطولات والأبطال فيه وهو في مرحلته التاريخية لم يتجه مثلاً إلى العصر القبطي أو الإسلامي، وربما يكون إيمانا منه بأن الجذور الأساسية لمصر (الوطن والأمة والشعب) تعود إلى الفراعنة في الأساس، وما دخل عليها بعد ذلك إنما هو حادث على التكوين.

وجدير بالذكر، أن تلك القناعة كانت ملازمة لمحفوظ طيلة حياته، حتى مع إيمانه بالاشتراكية العلمية (الماركسية)، فلم يجد تعارضًا بينهما، فمفهوم الأمة المصرية انتماء مكاني وشعبي وتاريخي، والاشتراكية العلمية رؤية سياسية اقتصادية سادت في جيل المثقفين متأثرين بانتشار هذا الفكر عالميًا.

وفي الوقت نفسه، فإنه لم يتحمس كثيرًا أو قليلاً لحقبة القومية العربية، وشعاراتها العديدة، وإن لم يجاهر بذلك إلا في عهد السادات، ولكنه لزم الصمت في عهد عبدالناصر حتى وفاته عام 1970، حيث انضم إلى توفيق الحكيم في معارضته للتجربة الناصرية واعتباره أنها كانت مرحلة غيبة عن الوعي، تحت إعلام أحادي، يروج لفكر واحد وزعيم واحد وحزب واحد، بغض النظر طبعًا عمّا يُقال عن رغبة توفيق الحكيم نفسه في الاقتراب من سلطة الحكم الجديدة والممثلة في عهد السادات، فالقضية في النهاية أن هذا الجيل تربى في حقبة ليبرالية أيام الملكية.

ثم تأتي المرحلة الثانية ممثلة في رواياته ومجموعاته القصصية الواقعية من مثل: القاهرة 30، بداية ونهاية، زقاق المدق، خان الخليلي ومجموعاته القصصية: همس الجنون، والسراب، ثم ثلاثيته الشهيرة: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، ونلاحظ اعتناءه الشديد بالتفاصيل المكانية والتأريخ الزمني للأحداث السياسية بدءًا من ثورة 1919م وانتهاء بأحداث 1952م، منتصرًا لفكره الاشتراكي في التغيير المجتمعي، كما هو واضح في إيمان بطل الثلاثية بالثورة واشتراكيتها.

وعندما ننظر في هاتين المرحلتين، ينبغي ألا نظن أنهما كانتا مكرستين لهذه التوجهات المذكورة، بل الأمر هنا على المجمل، فالروايات التاريخية تخللتها مجموعته القصصية: "همس الجنون" وهي واقعية التوجه، واتجاهه الواقعي لم يقتصر على ذاك التوجه، وإنما شمل الحرص على الفسيفساء الاجتماعية، بمعنى الدقة في عرض تفاصيل الحياة اليومية والمعيشية في أحياء القاهرة القديمة، والتعرض لشخصيات الناس من الطبقة البسيطة والمتوسطة والثرية أيضًا. ولاشك أن "محفوظ" كان بارعًا في سرده، والغوص في أعماق شخصياته ومجتمعه بتياراته الفكرية، مما يجعل أدبه في هذه الحقبة وثيقة سوسيولوجية بامتياز، أي يمكن قراءته ضمن المنهج الاجتماعي في النقد. أيضًا، نجد فرادة في بعض رواياته، مثل رواية "السراب"، وهي رواية نفسية واقعية بامتياز، لأنها مستندة على عقدة "أوديب" حول الولد الذي عشق أمه، وتعلق بها في عقله الباطن فلم يستطع أن يقيم علاقة زوجية ناجحة. غاص السارد في أعماق المجتمع من الطبقة المتوسطة التي عاشت في الأحياء القاهرية الجديدة وقتئذ مثل العباسية ومصر الجديدة، وتعرض لاندماج الأتراك في المجتمع، وامتزاجهم مع المصريين وغير ذلك. ولو نظرنا إلى السمات الأسلوبية في أدب محفوظ في تلك الحقبة، سنجد ثراء قاموسه اللغوي، وبراعته في الوصف المكاني، وبناء الشخصيات، واحتفاله بالبلاغة في صياغته، وحرصه على التفاصيل، مما يشعرنا بالملل وبطء الزمن السردي، وتقليدية بعض الروايات، فرواية زقاق المدق تتحدث عن انحراف بطلتها "دوسة" وتطلعها إلى حياة الثراء، فكانت النتيجة سقوطها في براثن الرذيلة وحياة الليل، وهو نفس ما نجده في رواية بداية ونهاية، ولكن البراعة السردية الممثلة في بناء الشخصيات وتنوّعها، وعرضه لنماذج كثيرة من المجتمع وطبقاته، جعل روايته ميدانا لتلاقي شرائح اجتماعية وفكرية واسعة، ومن ثم تتسع لتكون عباءة سردية (وهذا التعبير لنجيب محفوظ نفسه وهو يصف ألف ليلة وليلة) للمكان والزمان والإنسان والأحداث، بالإضافة إلى الخلفية السياسية التي تفرض حضورها.

المرحلة الثالثة عند "نجيب محفوظ" يمكن أن نصفها بالواقعية النقدية، وفيها يتخلى عن التبشير بالواقعية الاشتراكية، بعدما شاهد تطبيقها في التجربة الناصرية، وعاصر مظاهر الخلل والأخطاء والمتمثلة في الاستبداد السياسي وتأليه الفرد والاقتصار على تنظيم سياسي واحد ممثلاً في الاتحاد الاشتراكي، وكذلك الإعلام الموجه، والتضليل الشعبي، ومن ثم هزيمة 1967م، وبالرغم من استفادة "محفوظ" الذاتية في هذه الحقبة بتوليه مناصب عديدة منها رئيس جهاز السينما، ولكنه سجل موقفه الفكري والسياسي في أدبياته، مثلما نرى في رواية "السمان والخريف" المعبرة عن ضياع نخبة حقبة الملكية، ورواية "ميرامار"، ومجموعته القصصية "تحت المظلة"، ثم إدانته الصريحة للنظام السياسي والتعذيب في روايته "الكرنك" ويُحمد لنجيب محفوظ في هذه الأعمال صراحته مع نفسه كمبدع وإنسان، فأدان وشجب على قدر ما وسعه من حيل فنية ورمزية، لتجربةٍ بنى الكثيرون عليها الآمال، وانخدعت بها شرائح عريضة من المصريين والعرب، ولكن سرعان ما تهاوت، بسبب سطوة أجهزة السلطة، والتضليل الإعلامي. رصد محفوظ أوجه الخلل وأسباب الضياع، معلنًا أن القضية ليست شعارات ولا سياسات عليا تتبناها الدولة، بقدر ما هي إعداد للشعب، وإبعاد المنافقين والمتسلقين وأهل الثقة عن صناعة القرار وقيادة الدولة، وتوفير الحريات لكل طوائف الشعب ورفض الإقصاء. ويمكن القول إن "محفوظ" أراد تماهى مع مجتمعه، وكانت عينه الإبداعية متراوحة بين السلطة والشعب، فجهود السلطة ليست في شعاراتها بقدر ما في أثرها على الشعب ذاته، من خلال رفع مستوى معيشته، وتوفير الحياة الكريمة له، وهذا ما أجج عليه الناصريين، الذين أعماهم الزعيم "ناصر" ومشروعه القومي الاشتراكي، عن رؤية الواقع الحقيقي، ولكن الواقع في النهاية فرض نفسه بعد وفاة الزعيم.

وتمثل المرحلة الرابعة التي بدأت في عقد السبعينيات من القرن العشرين مرحلة النضج الفني، خاصة أن "محفوظ" أحيل للتقاعد، وتفرغ للكتابة، كما في رائعته ملحمة "الحرافيش"، ثم تتابع أعماله: حضرة المحترم، أمام العرش، التنظيم السري، ليالي ألف ليلة، الباقي من الزمن ساعة، قشتمر، أصداء السيرة الذاتية.

الشاهد في هذه المرحلة أن محفوظ صفت لغته فتخلص كثيرًا من البلاغة التقليدية، واقتصر أسلوبه على وصف الحدث ورسم الشخصيات، لذا، صغرت حجم الروايات، واتسعت رموزه، وتعددت رسائل العمل الفكرية والشخصية، وقد احتلت روح الحكمة وتقييم حركة المجتمع ومآلاته، والتخلي عن التبشير بالاشتراكية العلمية، ومحاولته الاقتراب – بعض الشيء من التغييرات الاجتماعية التي شهدتها مصر في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وغير ذلك.

***

تلك رؤية طولية إجمالية، ولكن لو أعدنا النظر فيها بشكل عرضي سنجد أن هناك تقاطعات كثيرة معها، تتمثل في تنقل محفوظ بين أبنية روائية عديدة، فمن البناء التقليدي الذي يبدأ بمقدمات ثم تصاعد الأحداث إلى الذروة ومن ثم الانفراجة فيما يسمى البنية الأرسطية المتوارثة المكونة من عقدة وحل، كما نرى في رواياته الأولى حتى الصادرة في عقد الستينيات، ثم تحوّله إلى أبنية متعددة للشكل الروائي مثل الأصوات المتعددة كما في رواية "حكايات حارتنا"، فالرواة للحدث متعددون، والحدث يكاد يكون واحدًا، والبناء الملحمي في أجيال متتابعة كما نجد في "الحرافيش"، وما يمكن نسميه السرد الشفاف، الذي يقدم الحكمة بحوار مكثف مثل عمله "أصداء السيرة الذاتية"، وإن كان قد حافظ على الشكل التقليدي في روايته حضرة المحترم، التي بدأت بهدف للموظف الصغير بطلها وهو أن يكون رئيسًا لمجلس الإدارة أي شخص يطلق عليه "حضرة المحترم" وبالفعل يصل إلى ما أراد بعدما عاش أعزب بخيلاً، حالمًا بالكرسي، مرافقًا للعاهرات، ثم يصل إلى هدفه ولا يجد أمامه إلا صديقته المومس ليتزوجها، محاولاً إسعاد نفسه قبل فوات الأوان. والتجربة الأجمل في رأيي هي رواية ليالي ألف ليلة، لأنها تمثل منحى مختلفًا، حيث وظّف محفوظ فيها النص السردي الأشهر في التراث العربي وهو ألف ليلة وليلة، بادئا من زواج شهريار بشهرزاد وإنجابه منها، ومن ثم جمع أبرز شخصيات الليالي في مقهى واحد، مثل السندباد والإسكافي والصباغ وغيرهم، واستحضار الجن، وإظهار حثالة النفوس، وتطلعات البشر الشهوانية، ببناء سردي جديد، وإن كان قد تم بلغة روائية حديثة، ولم يتناص مع أسلوب سرد ألف ليلة وليلة، بحيث ينقلنا لأجواء النص المتوارث. وقد تماهى نجيب محفوظ في هذه الرواية مع الاتجاه السائد في الحقبة السبعينية والثمانينية من القرن العشرين والمتمثل في توظيف التراث، واتخاذه قناعًا للتعبير عن حاجات فنية، ورسائل فكرية.

***

من التقاطعات الأفقية أيضًا، التي نلاحظها في تجربة "محفوظ" الاتجاه الصوفي الواضح، والذي جاء على بعدين، والغريب أنهما غير متتابعين بمعنى أنهما يتواجدان في مجمل التجربة، لا ينفي أحدهما الآخر؛ البعد الأول: التعامل مع الدين بوصفه تراثًا صوفيًا متوارثًا، ينحصر في زيارة الأضرحة، وشيوخ الصوفية الغائبين في الملكوت، والمنفصلين عن الحياة اليومية ومشاكل الناس، مكتفين بترديد أشعار صوفية عالية الرمزية، وأحيانا بالفارسية، أو ترديد عبارات غامضة، ويمكن أن نسميه "التمثيل الثقافي الغامض للإسلام" والذي يحصره في طقوس صوفية ومظاهر بدعية، بعيدًا عن لب الإسلام نفسه، وهو ما عاشه نجيب محفوظ نفسه في أحياء القاهرة القديمة في عصره، وهذا أمر متكرر في كثير من رواياته، وتكاد شخصية الولي المغيب أن تكون تيمة أساسية في كل رواية.

 البعد الثاني : الشك ، ونراه في قالب رمزي في رواية " أولاد حارتنا "، على نحو ما هو معروف في شخصية الجبلاوي، أو في البحث عن الرب/الأب كما في رواية قلب الليل، وفي تساؤلات سعيد مهران في روايته اللص والكلاب، ودائمًا كان هذا الهاجس حاضرًا على ألسنة أبطاله، وهم يتوجهون نحو مشايخ الحضرة الصوفية من أجل الحصول على إجابة شافية حول مشكلات الدنيا بفقرائها واستبداد أغنيائها.

أيضًا، هناك ملاحظة واضحة على عالم محفوظ، تتمثل في تمكنه السردي وتجديده في قالب الرواية العربية، بحيث بأننا نؤرخ بمرحلة ما قبل وما بعد محفوظ، وفي نفس الوقت نجد عدم تجديده بالشكل المطلوب في القصة القصيرة، فهناك مجموعات قصصية، صيغت قصصها القصيرة بنفس روائي، كأنها فصل من رواية غير مكتملة، مثل مجموعته "حكاية بلا بداية ولا نهاية"، وكذلك: دنيا الله، والتنظيم السري، وفي الأخيرة، ورغم صدورها في مرحلة متأخرة في حياة محفوظ ولكنها تقليدية الصياغة والفكرة، وإن كان قد تفوق على نفسه في مجموعته القصصية "تحت المظلة"، ففيها قصص قصيرة عالية المستوى مثل شهر العسل.

    أيضًا، هناك ملحوظة نجدها بوضوح في جلّ أعماله السردية، وتتمثل في الحوار ذي المستوى الواحد، بمعنى أن الحوار مصاغ بأسلوب السارد/المؤلف نفسه، لا يعبر عن مستوى ثقافة الشخصيات ولا شريحتها الاجتماعية، فالحوار مثلاً في روايته زقاق المدق واحد في مستواه، فكلمات البطلة "دوسة" تشبه كلمات سائر الشخصيات، كلها على درجة واحدة من الفصاحة، لأن محفوظ أخذ على نفسه عهدًا ألا يصوغ حوارًا إلا بالفصحى، وهذا جيد، ولكن كان ينبغي تنويع مستويات الحوار ليكون قريبًا من مستوى أفكار وألسنة شخصياته، خصوصًا أنه عبر عن شرائح اجتماعية شعبية، جنبًا إلى جنب مع المثقفين والنخبة.

أما عن دائرته المكانية فيمكن أن نقول أنها محصورة في القاهرة المدينة: بأحيائها الشعبية القديمة، وأيضًا ضواحيها الجديدة، لم يتماس مع الريف، وإن كان قد اقترب من شواطئ الإسكندرية بحكم قضائه عطلته الصيفية فيها بشكل ثابت، وإن تماس مع التاريخ فهو يتمسك أيضًا بالعاصمة كما نجد في روايته عبث الأقدار والملك خوفو، باني الهرم الأكبر أو في طيبة العاصمة القديمة.

***

تظل تجربة نجيب محفوظ أساسًا لكل من أراد أن يتعرف على السرد العربي المعاصر، فهو عالم زاخر، أشبه بالبحر المتلاطم، شواطئه معلومة، ولكن أمواجه تحمل جديدًا، في كل مدٍ لها ، ولا يمكن الاستغناء عنها مثلما لا يمكن اختزالها في مرحلة من مراحلها، لأن ثراءها يلزمنا بقراءتها.


عدد القراء: 926

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-