قراءة في رواية الغرق (حكايات القهر والونس)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-02-01 09:02:54

د. داليا حمامي

الولايات المتحدة الأمريكية

الكتاب: "الغرق، حكايات القهر والونس" 

المؤلف:  حمور زيادة

الناشر: دار العين للنشر

 عدد الصفحات: 266  صفحة

تاريخ النشر: 2018م

هي ثاني قراءاتي لحمور زيادة بعد رواية شوق الدرويش، ونفس الإحساس في المرتين، غيمة سوداء تتلبسني وترافقني لعدة أيام، حالما أنهيها يراودني شعور بعدم الاقتناع، شيء ما في الرواية غامض ولم يقنعني، إن أحب رجل امرأة لا تقنعني لغة الكاتب بهذا الحب ولا بأسبابه، إن تبادل اثنان الكراهية في الرواية لا تقنعني المفردات المستخدمة بهذه الكراهية، لكن بعد عدة أيام.. أجد نفسي حزينة بعمق، حساسة لأبسط المشاهد الإنسانية، وأبكي بلا سبب واضح، أبحث في دواخلي جيدًا، فأدرك أن السبب، هو الجمل ذاتها التي لم تقنعني في الرواية، تعابير ومفردات وتراكيب من بلاغتها تصدمك، وكأنك قد اصطدمت بمئة حائط من الإسمنت والفولاذ، جمل لشدة إقناعها تمنحك الشعور المعاكس، لعمق إنسانيتها تهبك إحساس السطحية، كما يحدث حين تحب أحدهم لدرجة أن تكرهه وتنفر منه، لخوفك الشديد من هذا الحب ونتائجه، أو أن تتعلق بعادةٍ ما، لا تقدر على الفكاك منها، فتبغضها لتعلّقك المرضي بها، وسيطرتها عليك، هي ذات الدرجة من الحب تجاه روايات حمور زيادة.. حب حتى البغض، ولا شفاء منه.

تجري أحداث رواية الغرق، في قرية سودانية اسمها حجر نارتي، في الفترة الممتدة بين عشرينيات وسبعينيات القرن الماضي، وتطرح عدة قضايا هامة وحساسة، كقضية المرأة، والعبودية، والخلاف السياسي بين أبناء البلد الواحد، وسيطرة الأعراف والتقاليد على القرية، بشكل يجعل حتى الأحرار عبيدًا وإماء.

السرد في منتهى العذوبة والسلاسة، والمفردات والتراكيب مخيفة الجمال، إذ يوضّح لنا الكاتب مكان أحداث روايته، بافتتاحية بليغة تهز وترًا حساسًا في دواخل أبناء المنطقة:

(تبدو البلاد كما لو صنعت في صدفة ما، بلا خطة واضحة، وعلى عجل، ولمحبة مجهولة، أو اختيار ما، منحتها السماء نهرًا من الجنة أسمته النيل.)

ثم يتابع وصف القرية النائمة على كتف النهر الخالد، فيخلق لنا عالمًا ساحرًا، تغرق فيه بتلذذ حالما تبدأ القراءة، و يا له من غرق!

 وصف جميل دقيق، يجعلك ترى القرية ببيوتها وبساتينها، ونخلها وشخصيات أهلها، فتتعلق بهم جميعًا وكأنك تعرفهم منذ زمن بعيد. معظم الشخصيات نسائية، منهن الإماء، اللواتي تم تحريرهن بموجب القانون، وألزمهن بمناداة أسيادهم السابقين بلقب (خالي أو الخال)، لكنهن بقين إماء بنظر كل رجال ونساء القرية، وبقيت مهمتهن الوحيدة هي الخدمة وإشباع رغبات الرجال:

(إلغاء الرق لا يجعلها حرة، هي فقط لم تعد أمة رسمية.)

(كل اللائي يعانقنني يضمرن لي احتقارًا، نحن المتناسلون من اللامكان في قرية تتفاخر بالأنساب.)

يجد القارئ نفسه متضامنًا مع الإماء ومع أطفالهن، فعليهن تقع المسؤولية كاملة، بينما الرجل لا يلقَ إليه أحد بالاً، ولا يهتم أحد بنتاج فعلته.. كما حصل مع المساعد الطبي، الغريب عن القرية "أحمد"، مع الأمة "عبير": 

(لم يُظهر أحد غضبًا عليه، مأزقه مزحة عندهم، فهو لم ينتهك حرمة أسرة، إنما فقط، جعل صبية من نسل الرقيق حبلى).

ومنهن نسوة أحرار، اللواتي وإن كن أحرارًا بمعنى أنهن لسن إماء، لكنهن عبيدًا للأسرة وعاداتها وتقاليدها:

(متى كانت النساء تعرف أزواجهن؟

 إنما الزواج مصاهرة بين الرجال.)

ومع تتابع الأحداث، نلاحظ أنه حتى أسياد القرية من الرجال، هم عبيد لإرث العائلة المادي والمعنوي، ويفعلون ما تمليه عليهم مصلحة الأسرة فقط:

«جعلوه عمدة فكان..

حمّلوه السلطة فوضعها على كتفه ورمح..

 انتظروا منه الزواج فتزوج، وانتظروا منه الإنجاب فأنجب».

«مصلحة الجماعة تحدد ما يجب أن تحبه وتحلم به».

نلاحظ في الرواية نفسًا شعريًا واضحًا، ومفردات تنبض بالحياة، و تبث الروح في الشخصيات، كما جاء في وصف شخصية "سُكينة بنت البدري":

«في طفولتها لقبوها بالما شاء الله، لكثرة ما يقولها من يراها، كانت سُكينة صغرى بنات حاج الحسين البدري، لكنها كانت بنت البدر، مكتملة حسنًا، وفائقة لطفًا، تمشي فيزغرد الرمل تحت قدميها الطفلتين، تصفق فيطرب النيل، تضحك فيرقص النخيل».

انتقاء الصور والتراكيب غاية في التفرد، وبعيدة كل البعد عن الصور الممجوجة المكررة، وكأن الكاتب بلل قلمه بالندى قبل أن يخطها:

«كرامة للنهر الآتي من الجنة، ترسل السماء هداياها للغرقى على اليابسة العطشى، المتورطين في هذه البلاد بحكم الميلاد، لم يختاروا أن يكونوا هنا، لكنهم نبتوا على ضفاف نهر الجنة، لم يحملهم الماء، لكنهم غرقى على شطه».

أما عند ذكر الحب، فنقرأ وصفًا فيه ما قرأناه قبلاً:

«لا يحبها لما بها، لكنه يحب ما بها لأنه بها».

«جُنَّ بها، بات درويشًا غارقًا في غمرة الحضرة النبوية، يتطوّح في هواها مرددًا حي! حي! حي! سُكينة! سُكينة! سُكينة!».

لا تعلم وأنت تقرأ عن الشخصية "عبير"، إن كان لها دلالة رمزية عن السودان، أو حتى عن أي وطن، فهي حافية، شعثاء، هزيلة كنعجة عجفاء، لكن وكما يصفها الكاتب: «الصبية نحيلة مخلوقة من رحيق الشغف»، بها شيء يجعلها مرغوبة على حد سواء، من الجاهل والمثقف، الغني والفقير، الحرّ والعبد:

«بها شيء من ليلة القدر، تحسّه ولا تراه، تعلمه ولا تملكه يداك، هو هنا.. لكن ما هو؟»

 أما وأنت تقرأ شخصية "الرضية"، فتدرك أنها رمز للتعصب والتطرف، والمغالاة والقسوة، وكأن معاناتها الشخصية يجب أن تعمم على الجميع.. الكل يجب أن يُقمع كما قُمعت، الكل يجب أن يرضخ كما رضخت، وإلا فما جدوى معاناتها هي:

«يعرف أنها تبحث عن معنى لخضوعها الطويل لأهلها، يقتلها التعلق بشيء ما، يجعل لحياتها قيمة.

 إن لم تقاتل دفاعًا عن ميراث الأجداد، فلأي شيء وهبت حياتها ورضخت لهم؟ لا قيمة لرضوخها إلا برضوخ الآخرين لها».

النص زاخر بحكايات صادمة بواقعيتها، وكذلك بمفرداتها المباشرة أحيانًا، لكنها وُظفت بشكل جيد يخدم الرواية، ومناسب لمستوى الشخصيات الثقافي وجانبها النفسي، كما لم يُغفل الكاتب الجانب السياسي، الذي تم شرحه بطريقة موجزة لكن وافية، عن تلك المرحلة من تاريخ السودان، وربما نجد فيه بعض الإستقراء للواقع، عندما تحدث عن الانقلاب العسكري الذي حصل في الستينيات:

«العساكر هذه المرة سيحكمون إلى القيامة».

أما النهاية.. فلا كلمة تصفها بحق إلا كلمة مفجعة، بمرارتها، ببؤسها، بيأسها، يدرك القارئ من خلالها أنه لا مكان للأمل في واقعنا، مهما ضحك لنا، وأننا، رغم مضي عهد الإماء والعبيد، عبيد لأشياء وحاجات كثيرة في حياتنا، نعم..نحن ما زلنا في عهد العبودية، ولا نهاية سعيدة تنتظرنا.. وربما سنتحول، في يوم ما، إلى واحدة من حكايات القهر والونس.

الكاتب:

ولد في الخرطوم في مدينة أم درمان، و نشأ بها.

اشتغل بالمجتمع المدني لفترة ثم اتجه للعمل العام والكتابة الصحفية، فكتب في عدة صحف منها الجريدة، وأجراس الحرية واليوم التالي، وتولى مسؤولية الملف الثقافي بصحيفة الأخبار السودانية.

من أعماله: سيرة أم درمانية، رواية الكونج، النوم عند قدمي الجبل، شوق الدرويش ونال عنها جائزة نجيب محفوظ لعام 2014.


عدد القراء: 523

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-