إشكاليات الفكر والرؤى في شعرية الحداثةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-05-31 21:27:53

د. مصطفى عطية جمعة

أكاديمي، وناقد أدبي

كثيرٌ هو الجدل الذي أحدثته حركة الحداثة الشعرية العربية في الثلث الأخير من القرن العشرين وإلى يومنا، وربما يعود السبب الأساسي لهذا الجدل إلى تعدد مفاهيمها، والتباساتها المعرفية والفلسفية؛ ناهيك عن الفهم المغلوط للحداثة نفسها فيحملها جلّ مصائب ونكبات حياتنا الفكرية، وأيضًا الفهم المعاكس الذي ينظر لها باعتبارها كفرا بواحًا، تخالف الدين والقيم والتقاليد، بجانب الغموض الذي صاحب نصوصها الشعرية، وأدّى– وفق معارضيها – إلى انصراف المتلقي عن الشعر برمته.

  والأدهى، أننا نجد لكل مبدع تعريفه الخاص بالحداثة، والذي يعلن من خلاله مفهومه للحداثة، النابع من واقع تجربته الإبداعية، فإذا ذهبت إليه مستفسرًا عن جوهر الحداثة، وجدت أقوالا شتى، وتعريفات هي خليط من فلسفات.

وتتبدى المشكلة الأساسية في تغييب المفاهيم المؤسسة للحداثة، وسيادة مفاهيم ثانوية متفرعة، وبعبارة أخرى: غياب التأسيس واشتداد الجدال حول التفريع.

ولأننا معنيون هنا بالعلاقة بين الحداثة والرؤيا الشعرية، فإنه يتوجب علينا النظر في ماهية الحداثة، والعودة إلى سياقاتها التاريخية والفكرية، ومن ثم الأدبية.

 ارتبطت الحداثة Modernism بحركة التحديث في الغرب، ومن ثم بدأت في التميز بوصفها حركة فكرية/فلسفية/أدبية، وذلك إبان ظرف تاريخي معين، يتعلق بالتمرد ضد سلطة الكنيسة ودكتاتوريتها، وتطورت لتصبح ثورة ضد التجربة الشعرية المتحجرة، كما رفضت الوضع الرأسمالي الصناعي والتجاري والزراعي في الغرب، والذي جعل الإنسان ترسا في آلاته العملاقة، ومن هنا تمرد الشاعر الغربي ضد هذه الأوضاع، وتغلفت ذاته بالانطوائية والاغتراب(1) .

فالحداثة ثورة وتمرد ضد: الاستبداد الكنسي الديني، القيود والتقاليد الاجتماعية والفكرية والثقافية السائدة، وضد وضعية الإنسان الغربي الاقتصادية بكل ما فيها من امتهان لإنسانيته، والحض من قيمته. وبالطبع فإن الحداثة ليست بمعزل عن حركة الفكر الغربي، والممثلة في العلمانية الجزئية والشاملة، والتي تحمل في جوهرها تمردًا واضحًا ضد أوضاع العالم الغربي الكهنوتية والاجتماعية. فالعلمانية الشاملة ذات بعد معرفي كلي ونهائي، تحمل رؤية عقلانية مادية، تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية، التي ترى أن مركزية الكون في الكون نفسه، وليس فيما وراء الطبيعة، وأن الكون وما فيه من عناصر في حالة حركة دائبة، ويتفرع عنها رؤى أخلاقية وتاريخية واجتماعية ومعرفية، محورها ذات الإنسان التي يمكن أن تكون منطلقًا لفهم العالم وتفسيره وتحليله في ضوء المعطيات المادية حوله (2).

    ولعل الجانب الأهم الذي رسخته العلمانية الغربية هو الاحتفاء بالإنسان، وتبيان دوره في الكون والحياة، ومن هنا ظهرت نزعة الإنسانوية، التي تعلي من عقلانية الإنسان وقدرته على حل مشكلات دنياه ومجتمعه، وقهر الطبيعة.

وقد تجلت الحداثة بوصفها مذهبًا فنيًا وأدبيًا في مطلع القرن العشرين، مع زيادة نزعات التمرد، والتقائها مع الفكر الماركسي، ثم انتعشت بقوة إبان وبعد الحرب العالمية الأولى، كثورة ثقافية ضد الأوضاع السياسية والاجتماعية التي أدت إلى كارثة الحرب العالمية وموت عشرات الملايين من البشر، وسيادة نزعة عبثية الحياة، ومناداة كثير من الفلاسفة بالقطيعة مع الماضي بكل ما يحمله من ضغائن.

فيمكن القول إن المفاهيم المؤسسة للحداثة هي: التمرد، والقطيعة مع الماضي وإعادة النظر في التراث الإنساني، والاعتداد بذات الإنسان وعقلانيته وفرادته.

وهو ما صاغته الحداثة العربية، كما نجد في تنظيرات أدونيس الذي يحدد ثلاثة مبادئ تنطلق منها الحداثة كما فهمها وهي: الحرية الإبداعية دون قيد، لانهائية المعرفة ولا نهائية الكشف، التغاير والاختلاف والتعدد (3).

 وهي مبادئ عامة، تشمل الإبداع في كل العصور بل في كل ثقافة ولغة، فأدونيس يرتكز في أطروحته "الثابت والمتحول" على فكرة التمرد الحداثية، ويسعى إلى تطبيقها، على البنية الذهنية في الثقافة العربية الإسلامية وعلى إبداعاتها، التي يهيمن عليها الدين عقيدة وشريعة وثقافة وحضارة، غير ناظر إلى أن الثقافة العربية الإسلامية صنعت حضارتها وإبداعاتها الخاصة بها، شأنها شأن كل الحضارات التي يحتل الدين الصدارة فيها، بل إن الحضارة الإسلامية تنعت بأنها حضارة "نص مقدس"، وهو القرآن الكريم والعلوم التي نشأت حوله، ومن ثم تمددت حتى استوت حضاريًا ومعرفيًا وفكريًا وإبداعيًا، وتلك إشكالية أدونيس وغيره من الحداثيين، ينطلقون من فكر غربي علماني، يحاول أن يقرأ به حضارة دينية، وهو على النقيض يتيه فخرًا بجماليات الإبداع في التراث العربي، والرصيد الهائل من الإبداع الشعري والسردي والفكري فيه، وهو ما جعله يقول مسوغًا لمشروعه: "آثرت أن أضع ثقافتنا وتراثنا في مناخ الأسئلة والتساؤلات، من زاوية اهتماماتي، من أجل فهم المعاني والكشف عنها.. والغاية من هذه الأسئلة أن أفهم من داخل الرؤية العربية الإسلامية معنى هذه الثقافة ودلالتها"(4). وهي رؤية في جوهرها تشتمل على إعجاب كبير بالتراث العربي، الذي يحفل بكثير من النصوص والنتاجات المتناسبة مع بنيته الثقافية، وأيضًا يحمل نتاجات متضاربة ومتضادة مع هذه البنية، وذلك محور أطروحته عن الثابت/السائد، والمتحول/كل إبداع متجدد. إن إدونيس - شأن مبدعي الحداثة الغربية -  يدعم كل أشكال التمرد الإبداعي، وتعزز الاختلاف عما هو سائد، وترنو إلى التغاير عن المطروح، وتجعل المبدع في حالة دائمة من البحث عن الجديد.

ومن هنا تتأسس الرؤيا الشعرية، التي تجعل المبدع متمردًا مختلفًا مغايرًا، لا يكون نسخًا جديدًا لإبداع قديم، وإنما يرنو دائمًا إلى التمايز، ويظل في حالة من القلق، تجعله يتطلع معرفيًا وفكريًا وفلسفيًا، من خلال طرح الأسئلة على ذاته وعلى الوجود وعلى الحياة وعلى المجتمع وعلى الوطن نفسه وموقفه النهضوي.

وهو بذلك ينفي أحد مبادئ الحداثة الغربية ألا وهو مبدأ القطيعة مع الماضي، بل على العكس يرتكز في تنظيراته وإبداعه الشعري على إعادة قراءة التراث العربي، والوقوف على ما هو متغير متجدد مخالف فيه.

وبالتالي، لا مجال لأي مفكر حداثي ينادي بأهمية تبني رؤى الحداثة الغربية، بكل مضامينها الفلسفية والثقافية بدعوى الانفتاح على الآخر/الغرب، على اعتبار أن ثقافته ميراث إنساني عالمي ينبغي الأخذ منه. وهذا مردود علينا بأن هذا ليس جديدًا في عصرنا، بل هو إحدى الأسس التي انبنى عليها الفكر العربي الإسلامي قديمًا، في حواره مع الحضارة الغربية في نسختها اليونانية في الماضي(5).

هذا، وتتأسس الرؤيا الشعرية عند أدونيس بشكل واضح من خلال نفيه لخمسة من الأوهام، يقابلها تثبيته لخمسة من اليقينيات، فالوهم الأول هو نفي الزمنية، حيث يرى بعض الشعراء أن القديم كله تقليدي، وهذا خطأ – عند أدونيس- الذي يؤكد على أن الاحتفاء بالجديد والمغاير لا يعرف زمنًا ما، فليس كل حديث جديدًا، وليس كل قديم تقليدًا، وإنما الأساس هو النص وما فيه من فكر تجديدي. وعبر نفي الوهم الأول(6)، واليقين المصاحب له بأن الجديد لا يعرف زمنًا ولا عصرًا ولا مكانًا، والأوهام الأربعة  المتبقية هي: المغايرة بمعناها الإيجابي التي تحمل إضافة إبداعية وفكرية وجمالية مختلفة، ثم المماثلة، برفض أن تكون الحداثة مماثلة لحداثة الغرب ووفق مقاييسه، ويعزز في مقابل ذلك كل حداثة تنبني على التراث الإبداعي العربي. أيضًا، عدم الاحتفاء بالكتابة النثرية بوصفها تمردًا على المنجز الشعري العربي المتوارث، فهذا احتفاء شكلاني، والأساس الجدة هو الطرح الفكري والجماليات وعدم الانسياق وراء البنية اللغوية التقليدية بصورها وتراكيبها(7).

أما مفهوم الرؤيا الشعرية ذاته -عند أدونيس – فيربطه بالكشف، حيث يقول: "والرؤيا في دلالتها الأصيلة، وسيلة للكشف عن الغيب، أو هي علم بالغيب، ولا تحدث الرؤيا إلا في حالة انفصال عن عالم المحسوسات.. ففي الرؤيا ينكشف الغيب للرائي، فيتلقى المعرفة كأنما يتمثل له الغيب، في شخص ينقل إليه المعرفة"(8). وسنلاحظ هنا أن الرؤيا عند أدونيس تتلاقى مع مفهوم الكشف عند الصوفية، بل نجزم بأنها مأخوذة من التراث الصوفي، وقد شغف به أدونيس، فالكشف عند الصوفية هو كشف النفس لما غاب عن الحواس، وإدراكه على وجه يرتفع الريب منه، كما في المرئيات، سواء كان الكشف بفكر أو حدس أو سائح عيني. وهو أيضًا: الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا، وقيل هو الاطلاع على المعاني الغيبية من وراء الحجاب. وهناك كشف عقلي؛ يدركه العقل بجوهره المطلق عن قيود الفكر والمزاج، ومنه ما هو نفساني وهو ما يرتسم في النفوس الخيالية المطلقة(9).

وبغض النظر عن التجربة الصوفية وما فيها من ممارسات وشعائر وطقوس، فإن أدونيس يرى أن الشاعر يدخل في حالة وجدانية، يتخلى فيها عن ذاته الدنيوية، ويسبح في عالم الخيال. وبالتالي يكون "الغيب" في مفهوم أدونيس مغايرًا للغيب في المفهوم الديني، فالغيب عنده يعني ما غاب عن حواس الشاعر، الذي سيرتقي بذاته ووجدانه، ليتأمل الوجود بشكل كلي. فالرؤيا لديه قفزة خارجة عن المألوف، وهذا لن يتحقق إلا بتغيير نفسية الشاعر وذاته الشاعرة، ليتعامل بشكل مختلف مع الوجود والناس والحياة، مما يلزمه بأن يحيا وجدانيًا وعقليًا بمعزل شكلي.

وتلك هي الإشكالية الأساسية في شعرية الحداثة، التي لن نفهم منطقها الإبداعي إلا بفهم جوهر رؤيتها للوجود، بما يغاير موقف الشاعر التقليدي، الذي يرى الخارج/الوجود/الحياة في موقف، حادث، رؤية مباشرة (حسية)، ذكرى، مناسبة.. إلخ، ومن ثم يصوغ نصه في ضوء هذا التفاعل التقليدي مع الخارج.

فالشاعر الحداثي يعمل وفق ثلاثة مراكز إنتاجية، الأول: منطقة الخارج بكل مكوناتها الواقعية والخيالية. والثاني: منطقة الداخل وهي تمثل منطقة جذب للمركز الأول، حيث يتحقق منهما معا نوع من التفاعل النفسي والذهني، وهو تفاعل غير متوازن تغلب فيه المنطقة الداخلية، والتي ستعيد تشكيل الخارجي ليتوافق معها. والمركز الثالث: يتمثل في ارتداد المنطقتين السابقتين معا إلى الخارج مرة أخرى، في تشكيل صياغي له مواصفاته الجمالية المفارقة للصياغة المألوفة (التقليدية) أو الإخبارية (الوصفية) (10).

فالارتداد للداخل هو الأساس في تكوين رؤيا الشاعر الحداثي، ففي أعماق ذاته الشعرية يعيد صهر العالم وفق رؤيته، ومن ثم يرنو إلى الخارج، وقد استوت نظرته، ليصوغها في نص يحمل الجديد فكرًا وإبداعًا وبناء للعالم.

ولكي نفهم رؤيا الشاعر الحداثي، علينا النظر إلى ثلاثة مستويات: مستوى النظرة أو الرؤيا، مستوى بنية التعبير، مستوى اللغة الشعرية(11), وهذه المستويات تعني النظر إلى مجمل التجربة فكريًا وتعبيريًا وشعريًا، فالرؤيا تعني وجود نسق فكري يعتمده الشاعر مسارًا له، الذي ينظر به إلى العالم، وينعكس في طريقة تعبيره، وفي بناء لغته الشعرية وتكوين جمالياتها وأبعادها.

 

المراجع:

1 - الحداثة في الشعر العربي: أدونيس نموذجًا، سعيد بن زرقة، أبحاث للترجمة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2004، ص29، 30.

2 - العلمانية تحت المجهر، عبد الوهاب المسيري، د. عزيز العظمة، دار الفكر ودار الفكر المعاصر ( بيروت - دمشق )، ط1، 2000م، ص119 – 122.

3 - الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب، أدونيس، دار الساقي، بيروت، ج 1 (الأصول)، ط7، 1994م، ص20.

4 - السابق، ص34.

5 - إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر، عبدالغني باره، الهية المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2005م، ص136، 137.

6 - فاتحة لنهايات القرن، أدونيس، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 1998م، ص239.

7 - السابق، 240 – 242.

8 - الثابت والمتحول، مرجع سابق، ج4 ، ص149.

9 - الكشف والمشاهدة في المعتقد الصوفي، عبد الرحمن عبدالخالق، على موقع المرصد الإسلامي،

http://www.tanseerel.com

10 - مصادر إنتاج الشعرية، د. محمد عبدالمطلب، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، صيف1997م، ص52.

11 - فاتحة لنهايات القرن، ص243.


عدد القراء: 1138

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-