ضد الانتخابات: دفاعًا عن الديمقراطيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-05-31 23:25:53

د. عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

مراجعة: بين مارجليز

ترجمة: د. عمر عثمان جبق

 

الكتاب: "ضد الانتخابات: دفاعًا عن الديمقراطية"  

المؤلف: ديفيد ريبروك 

 الناشر: Seven Stories Press

عدد الصفحات: 208 صفحة.

تاريخ النشر: 17 أبريل 2018.

اللغة: الإنجليزية

الرقم المعياري الدولي للكتاب:

            ISBN-13: 978- 1609808105

إذا كانت الديمقراطية في حالة سيئة يشوبها الشك المزمن، فما هو العلاج إذن؟

يقترح ديفيد ريبروك في كتابه "ضد الانتخابات: دفاعًا عن الديمقراطية" حلاً قديمًا؛ ألا وهو الاختيار بالقرعة، أي اختيار المسؤولين من الشعب من خلال نظام القرعة. بالرغم من أنّ الكتاب يقوم بعمل رائع من خلال مناقشة الانتخابات والديمقراطية والسلطة السياسية باستعراض الأبحاث التاريخية استعراضاً شاملاً، إلا أنّ مًعدّ المراجعة "بين مارجليز" يشك أن حلّ مسألة التمثيل السياسي يكمن في عملية حظ ليس إلاّ!

ضد الاختيار بالقرعة

إن الجوّ العام مليء بالتحليل والعويل إزاء عجز الأحزاب والنخب السياسية الحالية في أوروبا على تمثيل شعوبها ومنتخبيها وأوطانها. يقدم كتاب بيتر مير Peter Mair بعنوان "حُكم الفراغ" Ruling the Void سردًا تاريخيًا رائعًا لهذه المشكلة؛ فقد شهدت نهاية الثورة الصناعية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين المنصرم ضعفًا كبيرًا في بنية الطبقات الاجتماعية الكبيرة، وبالتالي الهويّات التي سمحت للأحزاب بتمثيل جماعات الطبقات الكبيرة أو الجماعات المهنية؛ أي أنّ نهاية الشيوعية وانتصار النيو ليبرالية neoliberalism أو الليبرالية الجديدة تركت للأحزاب الموجودة إيديولوجيةً واحدة فقط للاختيار منها، وأصبحت الأحزاب وكالاتٍ مموَّلة من الدولة يديرها خبراء الإعلام، أو خبراء السياسة، لعدم وجود أساس جماهيري يقدّم موردًا أكبر من القادة؛ لذا فقد تحوّلت إلى "اتحاد" أحزاب و"طبقة" من قادة الأحزاب، يحتقرها الناخبون الغاضبون المزاجيون والمذبذبون المنفصلون عنها انفصالاً كبيرًا. والنتيجة النهائية هي شعبوية (استغلال حقوق الناس العاديين وسلطاتهم من قبل نخبة ذات امتيازات) مقيتة أو غير مسؤولة.

تتطرق هذه المراجعة إلى منهج المؤلف الجديد في حلّ أزمة تمثيل الشعوب. لقد كتب ديفيد فان ريبروك، المفكّر البلجيكي، تاريخًا رائعًا لجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويكرر في أحدث كتاب له بعنوان "ضدّ الانتخابات: دفاعًا عن الديمقراطية" بعضًا من أفكار "مير" المتعلقة بضعف الروابط بين الأحزاب والناخبين. والحل من وجهة نظره هو بالرجوع إلى الاختيار بالقرعة؛ بمعنى اختيار المسؤولين من خلال سحب القُرعة. ولا يعتقد ريبروك أنّ المشكلة في الديمقراطية بقدر ماهي  في "ديمقراطية التمثيل الانتخابي" و "المتعصبين الانتخابيين".

ظلّ الناس يفهون مبدأ الانتخابات على أنه غير ديمقراطي لفترة طويلة من الزمن من وجهة نظر ريبروك الذي يستعرض دستور "بوليس" Polis المدينة اليونانية القديمة، بشيء من التفصيل، ويقول: إنها مارست الانتخابات في مناصب تتطلب خبرات محددة كالمناصب العسكرية؛ في حين أنّ المناصب القضائية كان يتم اختيارها بالقرعة. وأيّد هذا النظام كلٌّ من مونتسكيو Montesquieu وروسو Rousseau، ولكن تخلّى عنه أصحاب الكفاءات البرجوازيون في حقبتي الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية مقابل مبدأ الانتخابات الأكثر أرستقراطية. وتحوّل النظام إلى انتخاب "رجال يمتلكون الحكمة والبصيرة والفضيلة لتحقيق الخير للمجتمع" (جريدة الفيدرالي العدد 57). وفي النهاية أصبحت هذه الآلية جزءًا لا يتجزّأ من نظام أحزاب الجماهير: "تحويل الانتخابات إلى الديمقراطية" التي يشجبها ريبروك بوصفها "عملية زائفة" من خلال إعادة تعريف "الديمقراطية" وربط الاختيار من خلال القرعة بالتجنيد العسكري. 

إن فكرة الديمقراطية المحددة، وطريقة تنظيم المجتمع الضمنية، والطريقة التي ينبغي تمثيل المجتمع من خلالها تشكّل محوّر تحليل ريبروك وحلوله المقترحة؛ إذ يعتبر ريبروك التمثيل الانتخابي أمرًا أرستقراطيًا بحد ذاته، على الأقل بالنسبة للمناصب التي لا تتطلب معرفة خاصة. "الديمقراطية ليست الحكومة من قبل الأفضل في مجتمعنا لأن مثل هذا الشيء يسمى أرستقراطية بغض النظر عما إن كانت منتخبة أم لا. وتزدهر الديمقراطية في المقابل من خلال السماح بسماع أصوات متنوعة" (ص: 152-153). يريد ريبروك أن يتعامل مع مشكلة الفجوة بين النخبة والناخبين من خلال هدم هذه الفجوة كليًا.

من المؤكد أن كتاب ريبروك هذا يقدّم مساهمة قيّمة في النظرية السياسية والنقاش السياسي أيضًا، وهو بالفعل كاتبٌ وباحثٌ ماهر، ويعدّ استعراضه السريع لطريقة عمل أثينا القديمة أحد أفضل أجزاء الكتاب، فقد استمتعتُ وأنا أراه يضع مهاراته في سرد تاريخ ديمقراطيتها. ومما لا شك فيه أن الكتاب يمثّل مقدمة جيدة في تاريخ الاختيار بالقرعة لعلم السياسة القديم والوسطي والحديث؛ حيث يستخدم أمثلة من أوروبا وأمريكا الشمالية. وسيجد المرء الذي يرغب بتجربة نظريات ريبروك كثيرًا من التوجيه والإرشاد العملي فيه.

إنّ مقترحات ريبروك، على الرغم من كونها مبتكرة وجديدة، تعالج جانبًا واحدًا فقط من الاستياء الحديث، ألا وهو عزلة المصوّتين أو الناخبين عن الأحزاب والسياسيين. وهذا ليس أمرًا بسيطًا، ولكنه أيضًا ليس مشكلة قائمة بذاتها. قد يبدو السياسيون أشبه بمديري حسابات العلاقات العامة لدى الليبرالية الجديدة لسبب بسيط: هو أنّ ليبرالية السوق المفتوحة كانت هي الإيديولوجية الوحيدة المتاحة لحوالي ربع قرنّ مضى لأن رأس المال قد تحرر من الحدود الوطنية ووصل إلى العالمية. تتخطى هذه الضغوطات العالمية الحدود الوطنية، وكذلك تفعل الإيديولوجيات التي تبررها؛ وببساطة يفشل تغيير أسلوب اختيار الدول لمسؤوليها في معالجة المشكلة الأكبر. بإمكان اليونان اختيار حكومة جديدة من خلال سحب قرعة غداً؛ وسيتوجب على تلك الحكومة التعامل مع أسواق السندات. وما يزال نموذج ريبروك يعتمد على الخبراء والمسؤولين للمساعدة في نصح المواطنين الذين يتمّ اختيارهُم بالقرعة، ولا يوجد ما يشير إلى أن هؤلاء المستشارين سيكونون أكثر تنوعًا، من الناحية الإيديولوجية، من التكنوقراط الحاليين الذين يوظفهم صندوق النقد الدولي، أو الاتحاد الأوروبي، أو الوزارات المالية المختلفة. 

هناك مشكلة أخرى في منهج ريبروك تُجاه البنى غير بنية الأحزاب، تلك الموجودة بين المواطنين ودولهم. يُعدُّ التذمر بأنّ "اللوبيات والمفكرين الكبار، وكل أنواع المجموعات ذات المصلحة" لديها وصولاً أكبر لعملية وضع السياسة من المواطنين العاديين (ص. 156) تذمرًا مشروعًا؛ إلا أنّ الكاتب يبدو أنه يفترض أيضًا أنّ أولئك الذين يتم اختيارهم لأدوار وضع السياسات أو المراجعات لن يكونوا أعضاء في أحزاب سياسية، ولن ينخرطوا في "التصويت التكتيكي، أو المزايدة السياسية، أو المصالح أو المحاباة المتبادلة"، ولكنهم سيتخذون قرارات "وفقًا لضمائرهم، و وفقًا لما يشعرون أنه يخدم المصلحة العامة على أفضل وجه على المدى البعيد" (ص. 146).

وهذا يعني وجود تعريف واحد فقط للمصلحة العامة يمكن لأي شخص أن يفهمه فهمًا محايدًا بما يكفي من التفكير العقلاني المنطقي ونية حسنة تتجاهل مسائل الطبقات الاجتماعية، والعرق، والمهن، والقومية الثانوية، وباقي محددات الهوية الأخرى، والمصالح المادية والفلسفية التي نضعها في علم السياسة. كيف لهذا أن يعمل في نظام فيدرالي لا يوجد فيه مصلحة وطنية عامة واحدة وحسب، بل توجد فيه أيضًا مصالح عامة لدول أو مقاطعات عديدة؟ كيف يمكن الحصول على مصلحة عامة توزّع (أو تعيد توزيع) الموارد من وجهة نظر اقتصادية؟

على الرغم من استهجان ريبروك للجمهوريات البرجوازية الأولى في أواخر القرن الثامن عشر، إلا أنه يستعير أفكارها عن السياسة الخالية من الأحزاب. لقد كان ذلك مفيدًا لليبراليين في عصر التنوير؛ إذ كان بمقدورهم التظاهر بوجود مصلحة عامة واحدة لأنّ المنتخَبين يمثلون طبقة اجتماعية واحدة من ملاك رأس المال. ويورد ريبروك أمثلة كثيرة عن كيانات سياسية قبل عصر الحداثة استخدمت طريقة القرعة، ولكن كان المواطنون، في تلك الحالات كلها، مجموعةً متجانسةً من بضعة آلاف من الرجال ذوي الثروات المماثلة.

على أي حال، فإنّ اختيار المحافظ أو الحاكم بالقرعة لا يعني أوتوماتيكياً أن الجمهور سيعتبر ذلك المحافظ ممثلاً لهم؛ فقد يعطي الاختيار بالقرعة مجموعة من صنّاع السياسة تمثيلاً أكثر، ولكنه في الواقع لا يمكّن المواطنين العاديين إلا إذا تم اختيارهم. لم تكن هذه مشكلة في أثينا، التي تعدّ نموذج ريبروك المفضّل، لأن كل مواطن فيها كان جزءًا من التشريع، ولم يكن هناك أكثر من ألف منصب تنفيذي وتشريعي يتم اختيارها بالقرعة؛ فكل مواطن كان بطريقة ما ممكّنًا (وهي مهمة سهلة إذا تم استبعاد معظم السكان من المواطنة)، وكان من المستحيل تجنّب الخدمة في دور تنفيذي. إنّ هذا النوع من المشاركة الجماهيرية غير ممكن في دولة حديثة؛ لذا ففي الغالب قد يترك معظم المواطنين تعليقات على موقع المجلس، أو يصوتون في استفتاءات موسمية. إن الانتخابات ديمقراطية بحتة لأنها تمنح المواطنين الخيار حتى لو كان هذا الخيار مجرّد خيار بين النخب.

وأخيرًا فإنّ نموذج الكتاب لنظام "الديموقراطية المبني على الحظ/الصدفة" معقد جدًا، على الرغم من أنه يتمتع بفكر عميق؛ فهو لا يشمل أكثر من ستة أنواع من المجالس هي: مجلس لوضع جدول الأعمال العام، و"جلسات المصلحة العامة" لاقتراح موضوعات تشريعية محددة، وجلسة مراجعة لتحضير مشروعات القوانين المفصلة و"هيئة السياسة" للتصويت على هذه المشروعات (ولا تتحاور فيها)، ومجلس إشرافي لمعالجة الشكاوي والمراجعة القضائية، ومجلس القوانين لوضع القوانين للأجهزة الأخرى. ومن غير المحتمل حتى للمصوّت الأكثر ثقافة أن يجد آلة روب جولدبيرج Rube Goldberg البسيطة - المعقدة هذه نموذجًا جذابًا. يذكّرني هذا النموذج بوصف أوليفير بيرنير Olivier Bernier للنظام التشريعي في فرنسا أثناء حكم نابوليون؛ إذ يقول: "كان المجلس يتألف من مئة عضو ناقشوا مشروعات القوانين التي أحضرها المجلس التنفيذي، ولكن لم يتمكنوا من التصويت عليها، وكان لدى المجلس التشريعي ثلاثمائة عضو صوتوا على تشريع هذه القوانين، ولكن لم يتمكنوا من مناقشتها" (ص. 65).

يقدم ريبروك للسياسة معروفًا كبيرًا من خلال فتح النقاش حول البنية السياسية والتمثيل السياسي، مشككًا بالأفكار القديمة عن الانتخابات والتمثيل وتقاسم القوى والسلطات، وهذا الأمر، بالإضافة إلى أبحاث ريبروك التاريخية المرموقة التي يقدمها تقديمًا جيدًا، يجعل من هذا الكتاب كتابًا جديرًا بالقراءة. ولكن من الواضح جدًا أننا لا نستطيع ترك شيء محوري، كتمثيل الجماهير للصدفة أو الحظ، في عصر يسوده استياء عميق عند الجماهير. إنّ ترك الأمور لعدالة السوق المفترض أنها مبنية على الصدفة والحظ هو قبل كلّ شيء جزء مما أوصلنا إلى هذه الفوضى.

 

رابط المراجعة باللغة الإنجليزية:

https://blogs.lse.ac.uk/lsereviewofbooks/2016/10/20/book-review-against-elections-the-case-for-democracy-by-david-van-reybrouck/


عدد القراء: 485

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-