الأدب في العالم الافتراضيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-06-01 00:45:15

ممدوح الشيخ

مدير المركز الدولي للدراسات والاستشارات والتوثيق (مصر)

يروي أفلاطون أنه عندما قَّدم هرميس (الذي يقال إنه اخترع الكتابة)، هذا الاختراع إلى الفرعون أثنى الفرعون على هذا الأسلوب غير المسبوق الذي يسمح للإنسان بتذكر ما قد ينساه إذا لم يتم تسجيله كتابة. لكن كان هناك من يرى أن الذاكرة هبة عظيمة يجب المحافظة عليها بالتدريب المستمر، وأن هذا الاختراع سيجعل الناس غير مضطرين لتدريب ذاكرتهم بعد الآن!

ووفقًا لرأي هؤلاء فإن الكتابة، كأي اختراع تكنولوجي جديد، يمكن أن تؤدي إلى تقليص القدرة البشرية التي يبدو أنها تدعمها!

في العام 2007 أصدرت مكتبة الإسكندرية كتابًا ممتعًا عنوانه: "وعاء المعرفة من الحجر إلى النشر الفوري"... ليؤرخ لتدوين المعرفة من عصور ما قبل التاريخ إلى ظهور الطباعة. كان تدوين المعرفة قبل ظهور الطباعة، عملاً لا يخلو من مشقة، فكتب على الجدران والمسلات وجلود الحيوانات وعظامها، وصولاً إلى جدران الكهوف. وبتوصل الإنسان إلى الكتابة بدأت كل حضارة في اختيار الوسيلة المادية المناسبة لها للتعبير. فالحضارة المصرية القديمة فضلت "البردي" فيما فضل سكان بلاد الرافدين الألواح أو الأرقام الطينية، واستخدم الفينيقيون الألواح الخشبية، ثم ظهر الاختراع الذهبي الذي نقله المسلمون من الصين إلى العالم: الورق.

والرسوم الكهوف كانت تعبر، (بحسب اجتهادات المعاصرين) إما عن شكل من أشكال الرسوم السحرية والمعتقدات الدينية التي مارسها الإنسان الأول، أو رغبة في التعبير أو استخدام شكل بدائي من الكتابة التصويرية. ومثَّل اختراع الصينيين، للورق كشفًا مهمًا في مسيرة التاريخ. ومع تطور صناعة الورق وازدياد حركة نسخ الكتب ظهر اختراع الطباعة على يد يوهانس جوتنبرج (1447)، فأسهمت الطباعة في التحولات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها كل المجتمعات، بل إليها يرجع الفضل في ما وصل إليه إنسان العصر الحديث من تقدُّم. وانتشر اختراع جوتنبرج في ألمانيا ومنها إلى أوروبا، ثم في إيطاليا، طُبعت – لأول مرة – كتب عربية بالحروف المعدنية المنفصلة.

ومن الحقائق المثيرة المرتبطة بتأثيرات الطباعة في أوروبا (وبالتالي في العالم لاحقًا)، ما يرويه دكتور بيل كوفاريك، أستاذ الاتصالات بجامعة رادفورد بفيرجينيا في كتابه: "ثورات في مجال الاتصالات: تاريخ الإعلام من غوتنبرغ إلى العصر الرقمي"، إن مدينة ماينز الألمانية كانت في العصور الوسطى، مقرًا لإحدى أهم الكاتدرائيات في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، حيث كانت الكنيسة مركز النفوذ والسلطة السياسية. وكان إنتاج الكتب يكاد يكون عملاً كنسيًا، وكانت الطاقة الإنتاجية تقاس بقدرة الراهب الواحد على نسخ مخطوطة، ما كان يستغرق عادةً يوم عمل كاملاً، وزادت مطبعة غوتنبرغ طاقة الراهب بنحو 200 ضعف. وبينما يشار إلى نشأة الكتابة بأنها: "أول ثورة تواصل في التاريخ البشري"، فإن مطبعة غوتنبرغ كانت نقطة انطلاق لثورة الاتصال الجماهيري في العصر الحديث. وما لبثت الكلمة المطبوعة أن أثبتت قدرتها على إحداث الفرقة وإثارة الخلافات. انتشرت الطباعة في أرجاء أوروبا، ومع حلول سبعينيات القرن الخامس عشر، كانت كل دولة أوروبية تمتلك شركات للطباعة، وفي مطلع القرن السادس عشر، وصل عدد الكتب المطبوعة والمبيعة إلى أربعة ملايين كتاب. وانتشار الطباعة أفسح المجال لذيوع أفكار جديدة كان أكثرها معارضًا للأفكار السائدة، مثل وثيقة مارتن لوثر كينغ، ويقال إنه علقها على باب كنيسة غوتنبرغ في أكتوبر 1517.

بحدوث اللقاء بين "الأدب" و"الحاسوب" كانت الظاهرة في ثالث محطة في تاريخها:

  • في خمسينيات القرن العشرين ظهر الجيل الأول من الحواسيب اقتصر استعمالها على أغراض صناعية. وفي نهاية العقد نفسه جرى أول لقاء بين الأدب والحاسوب، إذ تمَّ إنتاج أول نصوص شعرية بمساعدة الكمبيوتر، في نهاية 1959، في فرنسا وألمانيا وأمريكا.
  • في مستهل سبعينيات القرن نفسه بدأ انتشار الحواسيب الشخصية وبدأت آنذاك أول عملية نقل للأعمال الأدبية من الرفوف الواقعية إلى ا لرفوف الافتراضية، وذلك مع مشروع جوتنبرغ (يوليو 1971).
  • في مستهل تسعينيات القرن الماضي تمَّ إطلاق شبكة الأنترنت، ما أدى لظهور الشبكات والعالم الافتراضي وسائر التحولات التي تغير وجه العالم. وأول لقاء بين الثقافة العربية والحاسوب تمَّ في ستينيات القرن الماضي عبر دراسة مفهومية للقرآن أجريت عام 1963.

ويمكن القول إن غوتنبرغ وضع الركيزة الأساسية التي قامت عليها ثورة الاتصالات التي نشهدها اليوم في مجال الإنترنت والتقنية الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي. يقول دكتور كوفاريك: "كلما انخفضت تكاليف وسائل الإعلام، تشجّع عدد أكبر من الناس على الجهر بآرائهم، وتنوعت الأفكار والآراء في المنابر الإعلامية". ويرى كوفاريك أن ذلك سيؤثر على موازين القوى في المجتمع، وقد يطلق الشرارة الأولى للتغيير الاجتماعي. والمفارقة أن الثورة الرقمية التي نشهدها اليوم هي عودة إلى "عصر ما قبل ظهور الطباعة"، بحسب نظرية وضعها دكتور توماس بيتيت، الأستاذ المشارك بجامعة جنوب الدنمارك، مؤداها أن "عصر ما بعد غوتنبرغ، لم يكن إلا فترة اعتراضية في مسار تطور وسائل الاتصالات". يقول بيتيت إن: "الصحافة المطبوعة تضفي مصداقية للكلمة، إذ كان للكلمات في الكتب سلطان يحتج به الناس، وكانت الصحف المطبوعة تنقل أخبارًا صادقة. لكن اختفاء الصحف المطبوعة أفقد الأخبار مصداقيتها، وعادت إلى ما كانت عليه في العصور الوسطى، مجرد مرادف للشائعات. وقد يتجرأ الآن مروجو الأخبار الزائفة على اتهام الصحف الرسمية الجديرة بالثقة بترويج الأخبار الزائفة، ثم لا يتعرضون للمسائلة". والمكتبات كانت عبر القرون وسيلة مهمة للحفاظ على "الحكمة الجماعية".

ويشهد العالم سيلاً من الكتابات بأنواعها كافة تتحدث عن "موت الكتاب" في مواجهة العالم الافتراضي، كما لو كان لزامًا على الكتب أن تختفي، كألواح الطين والمسلات. ومع ظهور الحاسب الآلي والإنترنت تغيّر العالم ليصبح هناك تدفق بلا حدود للمعلوماتية، وأصبح الإنسان قادرًا على تخزين علومه ومعارفه بجهاز الكمبيوتر إضافة إلى ربط أجهزة الحاسب الآلي ببعضها البعض من خلال شبكة الإنترنت.

وجديرة بالذكر هنا أن الحاسب الآلي عندما ظهر كان آلة تستطيع فقط أن تقوم بخطوة واحدة تلو أخرى. لكن مخرجات هذا الجهاز ليست مخرجات أفقية، فهي كانفجار ألعاب نارية. وفجأة، دون مقدمات، وجد الكتاب والأدباء والنقاد أنفسهم أمام عالم جديد: "الثورة الرقمية". ولم يكن الأدب ليُستثنى من عواقب "عاصفة الرقمنة". وكما يولد الابن من رحم أمه، أفضت كل مرحلة من مراحل تطور الإنتاج الأدبي إلى مرحلة جديدة. فبداية الوعي الإنساني كانت بداية حالمة، وأول الكتابة كانت الأساطير ومنها ولدت الملاحم: "الإلياذة"، "الأوديسة"، "الشاهنامه" .... وغيرها وكان السردي يختلط بالشعري. وتطورت البشرية فولد العصر الزراعي ومعه تطورت الحكاية وحدث انقسام بين: "السرد" و"الشعر"، وجاءت كتب مثل: "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة"، وشعراء البشرية الكبار. ومع دخول البشرية العصر الصناعي وبروز الطبقة الوسطى تطورت الكتابة فولدت الرواية، ومع العصر التكنولوجي في القرن العشرين ولد أدب "ما بعد الحداثة". وهناك من يرى أن العصر الرقمي يحتاج إلى كتابة جديدة.

واليوم لم يعد الحديث عن مسار "الأدب" (أو مصيره) في عصر التقنية جديدًا، ومع انتشار مصطلح "الثقافة الرقمية" واتخاذه معيارًا لقياس هوّة تفصل "المتقدم" عن سواه. وسؤال مستقبل الأدب بدأ "شفاهيًّا"، وانتقل "كتابيًّا ورقيًّا"، وها هو الآن يتحول لمرحلة "الكتابة الرقمية"، و"الإبداع الرقمي"، والبعض يذهب في حماسه حدَّ ربط مستقبل الثقافة العربية المعاصرة، بـ "النصّ الرقمي".

والزمن يعتبر عنصرًا أساسيًا في الأدب وبخاصة الرواية، بدءًا من جملة: "كان يا ما كان" التي تضع القارئ في أجواء ماضٍ سحيقٍ غامض، إلى الزمن المعاصر الذي تتمحور فيه الأحداث خلال ساعات أو لحظات محدودة من اليوم. وقد ارتبط الزمن في البداية بالأديان. ويعرف أبو الفلسفة الحديثة الألماني إيمانويل كانت الزمن، بأنه صورة حدسية أو الحدس المتفق تمامًا مع حواسنا الداخلية. ويعد الزمن من المفاصل المحورية لـ "أدب الخيال". وفي الشعر والرواية والدراما، يتحول الزمن لواحد من عناصر بنية النص. وحظي الزمن باهتمام الأدباء كعنصر أساسي في "عصر النهضة"، كانعكاس للتغيرات العلمية والتقنية السريعة؛ فأضحت التحولات الموضوع الرئيس في أدب تلك المرحلة. ومع قدوم "عصر الرومانسية" تحول الاهتمام إلى قيمة طبيعة الإنسان وتطوره. واستمر هذا التدفق حتى كسرت "فيرجينيا وولف" ومعاصريها من الكتاب الحداثيين المفهوم السابق، ليتبنوا "الوعي بالزمن". وكان الروائي البريطاني لورنس ستيرن من أوائل من خرقوا هذا التقليد في معالجتهم للزمن. ويدين الأدب الحديث بالكثير لستيرن، فهو الكاتب الأول الذي توسع في اللحظة، من خلال تعمقه في التفاصيل. ومن أشهر من كتب في إشكالية الإنسان مع الزمن الروائي الفرنسي مارسيل بروست.

وتبقى الأسئلة:

هل يمكن، اليوم، الحديث عن بداية تشكل مفهوم جديد للأدب ولمنتجه ومتلقيه؟ ما الأنواع الأدبية الجديدة التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة؟

وما خصائصها؟

هل نحن بحاجة لتسميات جديدة وتقسيم جديد للأجناس الأدبية؟

وما تأثير هذا كله على متلقي الأدب؟

بماذا يختلف قارئ النص الرقمي عن قارئ "النص الورقي"؟

هل يتيح "النص الورقي" لقارئه نفس القدر من التفاعل الذي يتيحه "النص الرقمي"؟

ما مواصفات الكاتب الرقمي؟

هل تكفي الموهبة فقط لإنتاج نص أدبي أم يحتاج لثقافة رقمية إضافية؟

ماذا عن النقد الرقمي؟

ما المعايير الجديدة التي يجب الاستناد إليها في الكتابة النقدية حول "النص الرقمي"؟

هل يمكن الحديث عن "بلاغة رقمية"؟


عدد القراء: 301

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-