«جاك بيرك» للكاتب مصطفى شريفالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-06-01 02:19:56

أ.د. نفيسة دويدة

أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر بالمدرسة العليا للأساتذة بوزريعة الجزائر العاصمة/ الجزائر

الكتاب: "جاك بيرك"  

المؤلف: مصطفى شريف

الناشر: المركز الثقافي للكتاب المغرب

عدد الصفحات: 128  صفحة.

تاريخ النشر: 2019

اللغة: العربية

 

الملخص:

يعتبر كتاب المفكر الجزائري مصطفى شريف عن شخصية المفكر الفرنسي جاك بيرك، والصادر حديثًا كتابًا جديرًا بالمراجعة والاهتمام، ليس فقط لمكانة الرجلين وباعهما الطويل في التنظير لعلاقة الإسلام والمسلمين والغرب، وتبيان تجاذبات تلك العلاقة؛ بل نظرًا لراهنية البحث الجاد والموضوعي الذي نحن بأمس الحاجة إليه اليوم في المجتمع المعاصر، حيث سادت النظرة الضيقة والمسبقة المتجهة من الغرب نحو الشرق، والتي أسست بناءً عليها باقي المجالات.

إن البحث في تاريخ الشخصيات المعاصرة والتعريف بها لا يبدو مهمة يسيرة، وذلك بالنظر لقربها الزمني، وحداثة أفكارها (مواكبة لنا)، وكذا ربما أيضًا لعدم وضوح مختلف الأحكام والرؤى بشأن تصوراتها الفكرية، لكن الكاتب والمفكر الجزائري مصطفى شريف يبدو (في رأيي) وفق في عرض كتابه عن "جاك بيرك"، وفي توثيق مسارات الرجل بحرفية مبهرة، والتزام فكري تام بالحفاظ على الزوايا الخفية في شخصيته، وفي عرض المرجعيات والعناصر المؤسسة لنظرته الاجتماعية والفلسفية والثقافية وحتى الدينية التي ضمنتها حياته ومؤلفاته.

وسنعمد في هذه المقالة لإبراز جانب مما تضمنه الكتاب، حيث أن الكاتب لم يكن مضطرًا في البداية للتعريف  بشخصية جاك بيرك بشكل مفصل، بحكم أعطى نبذة مختصرة عنه ضمنها نشأته، وتعليمه، وجهوده المهنية والفكرية، ثم حاول توصيف بداية العلاقة بين بيرك والمجتمعات الإسلامية، وعرج على مستويات النقد التي وجهها بيرك لمنظومة الغرب في تعاطيها مع المجتمع الإسلامي، وما كان يشوبها من ارتباك وتنازع وتطرف، وأخيرًا عرض فكر بيرك لتقويم مسار المسلمين وفق النص القرآني، وكذا لتحديث هذا الأخير من حيث الوظيفة والأداء وليس من حيث النص والمحتوى.

جاك بيرك: السيرة والمسار:

من المعلوم أن جاك بيرك ولد بالجزائر سنة 1910م لأبوين فرنسيين، وتوفي بفرنسا سنة 1995م، يُعد أحد أبرز المنافحين عن الحضارة الإسلامية وثقافتها، أو كما وصف نفسه أنه همزة الوصل بين الضفتين، استطاع تبني منهج ورؤية منفصلة تمامًا عن والده ومحيطه الكولونيالي المتعصب، ولذلك سرعان ما اختار التوجه الى الدراسات الاجتماعية والثقافية.

  تولى مناصب إدارية هامة للاحتكاك بالمجتمع المسلم، حيث عمل مديرًا تحت منصب المراقب المدني للمحاكم الشرعية بالجزائر، وعين نائبًا بلديًا بمدينة فاس ثم الرباط، بالإضافة لقيامه برئاسة قسم الأبحاث سنة 1947م، إذ أبدى تعاطفًا ملحوظًا مع السكان المغاربة، ورغبته في إصلاح أحوال الإدارة المحلية، لكن الوضع لم يدم طويلاً فاستقال تحت الضغوط.

إن تلك الخبرات المهنية الأولى في حياة بيرك، مكنته من الوقوف على آليات التفاعل بين الضفتين الشمالية المهيمنة والجنوبية المهزومة، وتركزت اهتماماته في البحث الانتربولوجي والتاريخ المحلي، وباشر كتابة مقالات في هذا المجال على صفحات "المجلة الإفريقية" وغيرها، وتعلم اللغة العربية المفتاح الذي نفذ من خلاله للقرآن الكريم، وبدا منفتحًا جدًا ثقافيًا ولغويًا على عادات وتقاليد سكان المنطقة المغاربية، وبالمقابل كان متحفظًا تجاه ما كان يصدر من تشريعات وقرارات تنفيذية استعمارية بحق هؤلاء، لكونها في رأيه تسببت في اختلالات جمة لا تصب في صالح المنظومة الكولونيالية نفسها، كما أن الأنساب والرابطة الاجتماعية في المجتمعات البربرية والمسلمة هي الحاسمة للهوية والعلاقات الاقتصادية والثقافية، و أوجد كل ذلك عنده استعدادًا للخوض في القضايا التحررية العادلة وفق نظرة إنسانية محايدة ومتسامحة قاسمها المشترك هو العقل.

جاك بيرك وعلم الإسلام:

  لقد قضى بيرك أزيد من عشرين سنة في بناء علاقات وأواصر سوسيوثقافية مع المجتمعات المغاربية، وعمل على فحص مجالات تعاطيها مع المستعمر، وربط وظيفيًا بين التعليم الأكاديمي النظري وبين الدراسات الميدانية التي تستند إلى مراقبة مختلفة التأثيرات الاجتماعية واللغوية والثقافية المتعلقة بمجالات اهتمامه أي بين النظرية والتطبيق والمعرفة والسلطة.

 والكاتب مصطفى شريف حاول حتمًا التأكيد في كل مرة على أسبقية بيرك، وريادته الفكرية، وجهوده الكبيرة في منحى تطوير البحث الانتروبولوجي، وما تفرع له من ميادين أخرى كعلم الاجتماع المقارن، والتاريخ الاجتماعي، بل انه ركز بالموازاة مع ذلك على الدراسات الإسلامية والاستشراقية الاستشرافية، وما انفك بعدها أن توغل في دراسة الإسلام من الداخل. ويبدو جليًا أنه لم يتورط في خضم ذلك في مساندة رؤى الغرب تجاه الإسلام، واحترز عند التعامل مع القوى الاستعمارية؛ الأمر الذي أهله لكسب تلك المكانة والتقدير لدى الكثيرين.

  إن ثلاثون كتابًا التي ألفها الرجل عن الثقافة الإسلامية، وعن الإسلام والمسلمين والحضارة الإسلامية تعد في رأي الكاتب مرجعية مهمة وقيمة في مجالها مقارنة بجهود باقي العلماء المستشرقين، كما أن مذكراته "مذكرات الضفتين" كانت بمثابة شهادة عميقة على أعماله وخبراته وحضوره.

وقد تلخصت أفكار بيرك عن  علم الإسلام في نقاط أربع هي:

1 - الرؤية العادلة التي تنطلق دومًا من القرآن باعتباره محركًا لفهم الحياة نفسها.

2 - فهم الحضارة الإسلامية والقرآن وإبراز جمالية الوحي الإلهي في تنظيم حياة البشر.

3 - إدراك خط الوسط والصلة بين الإيمان والعقل.

4 - الالتزام الأخلاقي والسياسي، ومراعاة ضوابط العلاقات المتشابكة والمعقدة بين الضفتين، وقبول الآخر وضرورة تنازله أحيانًا. 

جاك بيرك والحداثة بالإسلام:

  كتب بيرك في كتابه "الإسلام في زمن العالم" ما يلي: "يجب أن تكون الشعوب قادرة على تأكيد نفسها كما تشعر وتريد، وشعوب الإسلام مثل الشعوب الأخرى"، فالحوار بين ضفتي المتوسط -في رأيه- لابد له أن يكون متعدد الأشكال والمستويات، وأن الحق في الاختلاف ضروري لبناء حضارة إنسانية مشتركة ينبذ فيها العنف والتطرف الديني والتعصب الاثني والرغبة القوية في الهيمنة، حيث قال عن ذلك: "هناك استحالة تاريخية لضمان الهيمنة الكلية لكل من القوة والتفوق التكنولوجي"، فالرجل ترك لغيره "التسهيلات الباطلة والأحكام القيمية"، وعارض بشراسة الدعاية لفكرة صدام الحضارات.

  وبالمقابل لم يلبث بيرك أن وضح الفروق غير البينة بين "إسلام التنوير" و"إسلام الظلامية"، ودافع لبناء علاقات قابلة للبقاء ودائمة، ولكنه في الوقت نفسه لم يتجنب ضرورة النقد الحاد والصريح عن الموضوع، فعمد بسلاسة مفقودة إلى الحديث مع وعن المسلمين كما لم يفعل غيره، ومن الواضح أنه أراد المحافظة على استمرارية فكر الإسلام وعلى اتخاذه نبراسًا منيرًا للحياة من خلال التمييز والمعرفة المتبادلة والتعلق بالتفتح والتزام خط الوسط والتعايش، أي "اكتشاف الإسلام من جديد". كما أنه وضح فكرة مهمة عن كون الغرب رسموا فكرة نمطية عن الإسلام جعلتهم ينفضون عن التحاور معه، ولذلك رأى ضرورة العودة إلى المراجع الموثوقة والموضوعية والعادلة القادرة على تزويدنا بتعليماته، ودعا للابتعاد في كل مرة عن العداء الذي سببته المراحل السابقة والتراكمات التاريخية.

ختامـًا:

إن مراجعة هذا الكتاب الشيق ضرورة قصوى في تصوري؛ لأنها تعيد استحضار أفكار ومقاربات بيرك بالنسبة لعلاقة الإسلام بالمتغيرين المتعارضين على الدوام وهما المسلمين والغرب، والتي ظلت تؤكد على إمكانية إعادة النظر في أولوية توظيف المعطى النظري المرتبط بالنص الديني (الإلهي) وتفعيله على الإنسان دونما تفريق، والوصول به عبر سياق التعايش والوسطية لبناء حضارة إنسانية يسودها السلم بدل التدافع والصراع.

ولاشك أن حرص المثقف اليوم كبيرًا عند معالجة المواضيع والإشكاليات البحثية ذات التشنجات والمناحي الكثيرة في تفكيك علاقة الإسلام بدائرته المحيطة شرقًا وغربًا، وهذا نظرًا للحساسيات والتضييق الإيديولوجي والسياسي الذي بات يلقي بضلاله في المجتمع الدولي متى تم التطرق لأية مواضيع راهنية ترتبط بالإسلام، وتصنف إجمالاً في إطار مصطلح الإسلاموفوبيا، وما حمله من فضاءات عنصرية وتطرف.

  ولذلك فإن إعادة النظر في موضوع هذا الكتاب والتمعن في فكر صاحبه وكاتبه على السواء؛ من شأنه إيجاد زوايا أخرى متجددة لاستقراء أفكارهما، وبالتالي تقدير أهمية مراجعة هذا الكتاب الحديث والمتجدد في موضوعه ونظرة صاحبه، إذ أن الكتاب تتقاطع فيه ركائز عدة؛ فأهمية شخصية وأفكار جاك بيرك راهنية، كما أن شخصية مصطفى شريف الباحث المتضلع في شؤون الاستشراق "الإيجابي" تجذب إليها القارئ حتمًا بحكم رصانة الطرح والمكانة العلمية، ثم إن العلاقة التي ربطت الرجلين لمدة طويلة من الزمن برزت جلية جوانبها في ثنايا صفحات الكتاب، وأضفت هالة غير مصطنعة، ونقلت إلينا تأثيراتها من خلال النفاذ إلى عقل جاك بيرك، وعبر مناقشة أفكاره وطروحاته.


عدد القراء: 416

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-