الفراغ في النحت الحديث هنري مور نموذجًاالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-06-01 02:43:09

أ.د. علي الصهبي

أستاذ فن النحت – كلية التربية – جامعة عين شمس

الملخص:

تتناول هذه الدراسة مفهوم الفراغ في النحت الحديث حيث إنه أحد عناصر التشكيل النحتي نظرًا لوظيفته الحيوية في الأشكال المجسمة، وقد تطور ذلك المفهوم حتى أصبح لكل نحات معاصر رؤيته الخاصة للفراغ، وقد تميزت من بين تلك الرؤى رؤية النحات الشهير هنري مور، الذي أحدث نقلة في مفهوم الفراغ وتوظيفه في العمل النحتي.

مقدمة:

يعتبر الفراغ أحد عناصر التشكيل النحتي نظرًا لوظيفته الحيوية في الأشكال المجسمة، من حيث الإحساس بالكتلة، وبالحركة المتجهة داخل العمل من وإلى الفراغات بداخله. ويتأكد لنا ذلك عند فحص قطعة من النحت، فنحن نتأثر بشكلها الممتع الأخاذ، وبلونها وملمسها، وبالحركة تجاه الفراغ(2).

وقد ظل النحاتون على مر العصور في أوروبا ملتزمين بالقواعد التي أرساها فن النحت الإغريقي القديم، فكان اهتمام النحات منصبًا على الشكل الجمالي لكتلة التمثال -المستمدة من التكوين الطبيعي للشكل في الواقع- التي تظهر تكتلها وترابطها وتماسكها في الفراغ، ولم يكن الاهتمام بالفراغ كعنصر تشكيلي في حسبان الفنان القديم بقدر اهتمامه بتنظيم الكتلة. "فلم تلق الفراغات اهتمامًا كبيرًا بأغلب أعمال النحت في الماضي، وكانت بعيدة عن اعتبارها أشكالاً قائمة بذاتها تستحق نفس التفكير والعناية المبذولة في الأشكال المصمتة"(21).

ومع التكعيبيين بدأ الاهتمام بالفراغ كعنصر تشكيلي مؤثر في بناء التمثال وتكوينه فأخذ سطح التمثال يتحدب ويتقعر تمهيدًا لاختراق الكتلة بالفراغ.

وقد ظهرت مع بداية القرن العشرين مفاهيم متعددة للفراغ النحتي حددت أهميته بالنسبة للكتلة النحتية، واختلفت هذه المفاهيم الجديدة مع بعضها البعض تبعًا للأساليب الفنية المتعددة، بل كان لكل نحات مفهومه الخاص للفراغ، الذي بلوره من خلال رؤيته الخاصة والمستقلة نتيجة للتطورات العلمية والتكنولوجية والتعامل مع وسائط تشكيلية لم تكن مألوفة من قبل.

ووسط اختلاف الرؤى المتميزة للفراغ، هناك رؤية خاصة تعد علامة في تطور النظرة للفراغ في النحت الحديث، وتنبع أهميتها من الدور الذي لعبه صاحبها في تطور فن النحت، وهي رؤية النحات "هنري مور" Henry Moore  الذي اهتم بـ "قوة التعبير" أكثر من اهتمامه بـ"جمال التعبير" حيث يرى أن جمال التعبير يستهدف إمتاع الحواس فقط، أما قوة التعبير فلها حيوية الروح التي تعمل على إثارة المشاعر، وتذهب إلى ما هو أعمق من الحواس(19). وبناء على هذه النظرة المهتمة بـ"قوة التعبير" رأى مور أن "الفتحة" لا تضعف الكتلة المصمتة على العكس مما كان يراه أتباع المذهب الأكاديمي(16). 

أولاً: مفهوم الفراغ في النحت الحديث:

تميزت الأعمال النحتية لكبار النحاتين في القرن العشرين بوجود استراتيجية خاصة لكل منهم في التعامل مع عنصر الفراغ. ويعود ذلك إلى ما اتسم به هذا القرن من ظهور حركات إبداعية نشطة تمردت على النحت الأكاديمي، وأنتجت مدارس واتجاهات فنية جعلت لإبداع كل نحات خصوصيته المتفردة، إلى الحد الذي صار معه لكل نحات طرازه النحتي الخاص به وحده. ذلك الطراز الذي يقوم باكتشافه بنفسه، ثم يسعى جاهدًا لتطويره بشكل دائب ومستمر عبر أعماله النحتية.

وكان لا بد وقد أصبح لكل نحات طرازه النحتي الخاص به أن تكون له في المقابل استراتيجياته الخاصة والمتفردة في التعامل مع منحوتاته. وهو ما أدى بدوره إلى ظهور استراتيجيات تختلف من نحات لآخر تجسد خطط كل نحات ومشاريعه واتجاهاته ورؤيته في التعامل مع كل عنصر من عناصر التشكيل النحتي، والتي يعتبر الفراغ من أهمها.

ويقصد بمفهوم الفراغ أنه الحيز الفارغ الذي يوجد بين مكونات الأشكال، والمحيط بها. ويعتبر الفراغ نوعًا من أنواع الشكل. فهو ليس بشيء مختلف عن الشكل، ولكنه شكل أثيري تسهل الحركة فيه(12). وهناك انسجام بين الفراغ والكتلة حيث لا تطغي الكتلة على حيز الفراغ، ولا يضعف الفراغ من قوة الكتلة، مما دعا "جاك برنهام" Jack Burnham  إلى القول:

"إن الفراغ عنصر فعال وإيجابي في قدرته على ربط الحجوم ببعضها البعض كما لو كان قوة رابطة أو حلقة وصل مثل أي مادة صلبة أخرى لها خصائصها وفاعليتها، ولأنه جزء تركيبي للشكل ذاته، فالفراغ ليس مجرد جزء من الفراغ الكوني يحيط بالشكل، فقط، بل إنه مادة في ذاته"(10).

ويرتبط الفراغ بالنحت ارتباطًا وثيقًا، فالفراغ عنصر هام من عناصر التشكيل النحتي، فأحيانًا ينفذ بين الأشكال كما يحيط بها من جميع الجوانب، وأحيانًا أخرى يتخلل الفراغ الشكل نفسه على شكل تجويف يظهر بعض عناصر الشكل.

ويساعد الفراغ في إبداع نوع من الواقع الفني، كما يعمل على إيجاد الواقع المنعكس من عالم الحقيقة، ويوجد الفراغ، أيضًا، كمعنى لتوحيد العمل الفني، ومهما يكن الغرض منه فقد يمكن التعبير به في أساليب مختلفة. والطريقة الوحيدة المبسطة تكون عن طريق تداخل الأشكال كما في أعمال النحت الهندسية والتكعيبية.

وتختلف أشكال الكتل والفراغات في الاتجاه التكعيبي عن غيرها من الاتجاهات الفنية الأخرى، سواء كانت اتجاهات قديمة محاكية للطبيعة، أو اتجاهات أخرى معاصرة، فالفنان التكعيبي يعتمد على الكتل الهندسية والمسطحات المستوية والخطوط الحادة المستقيمة، وبالتالي تأخذ الفراغات المحصورة بين تلك الكتل نظامًا هندسيًّا يتوافق مع هندسة الكتل وبنائها الصرحي.

ويعمد الفنان التكعيبي إلى تأكيد الفراغ بحيث يأخذ كيانًا داخل إطار العمل النحتي ليجذب عين المشاهد، وهذا على عكس الفنون الكلاسيكية التي تعتمد على محاكاة الطبيعة حيث يأتي الفراغ طبيعيًّا.

ونجد الفراغ الدائري والبيضاوي والمربع والمستطيل، ولكن ليس بالضرورة أن يأخذ الفراغ، دائمًا شكلًا هندسيًّا، فأحيانًا نجده قريبًا إلى الشكل الهندسي، وأحيانًا أخرى نجده غير منتظم الشكل، ولكن له كيانًا واضحًا.

ويقوم الفنان بتوزيع الفراغات بطريقة جمالية عن طريق علاقاتها المتبادلة مع الكتل بحيث يتخللها الضوء والهواء، ويعمل هذا على تخفيف وزن الكتلة النحتية.

وقد تتعدد الفراغات في كثير من التكوينات النحتية، وتختلف أحجامها وأشكالها بما يتوافق مع الشكل العام للتكوين، وكما نجد فراغات مفتوحة يتخللها الضوء والهواء، نجد أخرى غير مفتوحة، وهي عبارة عن فجوات أو مغارات معتمة، ولكنها تلعب دورًا أساسيًّا بعلاقاتها المتبادلة مع الفراغات المفتوحة والكتل المحيطة بها.

وكما نجد اهتمام الفنان التكعيبي بالتكوينات التي تعتمد على الكتل والفراغات، نجده يهتم، أيضًا، بالتكوينات ذات الكتل المصمتة الخالية من الفراغات. وغالبًا ما تنفذ من خامات حجرية لتناسب التكوين(6).

وقد اتجه النحت الحديث للبحث في الفراغ وعلاقاته بالكتل حيث إنه يمثل ركنًا هامًا في عناصره. وقام بعض فنانيه بتناول هذه القيمة الجديدة. كل يراه بطريقته الخاصة، فمنهم من يراه متحاورًا مع الكتلة، ومنهم من يراه من الأهمية حيث تآكلت الكتلة فيه، وتضاءلت حتى أوشكت على الفناء، وآخرون قد وجدوا فيه "خامة جديدة"، فراحوا يصيغون أعمالهم لتأكيد أهمية الفراغ في مقابل الكتلة، أو لإيجاد معانٍ جديدة، ومفهوم جديد لهذا الفراغ. ومن هنا نشأ واقع جديد لتذوق فن النحت الحديث من حيث تحديد أهمية الفراغ، وبما يتيح للفراغ الوقوف بجوار كتلة التمثال جنبًا إلى جنب، بل ربما في بعض الأعمال وجدت الكتلة لتأكيد الفراغ.

وتجدر الإشارة أن النحات "هنري مور" Henry Moore نحات الثقوب، فثقوبه أو فتحاته التي يفرغها في أشكاله عمومًا تعطي لهذه الأشكال معاني خاصة، وتزيد من قيمتها التعبيرية في: الحجم، والكتلة، والثقل، كما كان على وعي بأن من طبيعة الثقب أن يبرز خصائص الخامة الطبيعية وقيمتها(5).

ثانيًا: الفراغ في نحت هنري مور:

بدأ النحات البريطاني "هنري مور" اهتمامه بالفراغ النحتي خلال الفترة ما بين عامي 1935، 1936م عندما بدأ يهتم في ذلك الوقت بـ "الفتحة" Hole وبـ "عملية الفتح" Opening-Out في أعماله النحتية، وإن كان قد بدأ، ومنذ عام 1929م اهتمامه بتطوير الشكل المفتوح خارجيًّا للكتلة الصلبة(16).

وقد تطور بعد ذلك استعماله للفراغات تطورًا كبيرًا، بحيث يمكننا أن نعتبره من أعظم المثالين الذين أدركوا أهمية الفراغ من الناحية التشكيلية في الكتلة النحتية حتى بات استعماله للفراغ في نحته مؤكدًا للمعنى العضوي والطبيعي والإنساني(3). 

ولكي يمكننا أن نتفهم استراتيجيات "مور" في التعامل مع عنصر الفراغ في تشكيلاته النحتية المجسمة فلا بد، أولاً، أن ندرك استراتيجياته في التعبير عن رؤيته الخاصة للعمل النحتي ككل، وهي الرؤية التي يمكن إيجازها في مناداة أعماله النحتية بأن الجسم كائن حي لانهائي في تعقيده، وأنه قادر على توليد عدد لانهائي من الترجمات والتفسيرات، ولذلك فإن استراتيجياته لتحقيق ذلك اعتمدت على أربعة عناصر أساسية هي:

(1) الشكل Figure المجزأ أفقيًّا.

(2) مقدمة أو افتتاحية لـ"الفراغ" Space الممتد خلال فتحات أنبوبية وعميقة.

(3) التناظر مع "الأشكال" Forms الطبيعية الأخرى.

(4) مزيج من الأجزاء الجسمانية الداخلية والخارجية.

وقد استطاع من خلال التكرار، وبشكل متزايد، لهذه العناصر والأدوات التشكيلية أن يولد نتائج بدت في كل مرة، ومع كل عمل جديد يبدعه مؤثرة في المشاعر وطازجة(17).

وفيما يلي أهم استراتيجيات "هنري مور" لتوظيف الفراغ في تشكيلاته المجسمة، والتي من الملاحظ أنها قد مرت بمراحل تطورية متتابعة:

1 - الفراغ الناشئ عن تطوير الشكل المفتوح خارجيًّا:

بدأ "مور" هذا الاتجاه لتوظيف الفراغ خلال الفترة بين عامي 1929، 1930م، على وجه الخصوص، وكان ذلك عندما بدأ التفكير بوعي في تطوير الشكل المفتوح خارجيًّا للكتلة الصلبة المصمتة، ومن أفضل منحوتاته الدالة على ذلك عمله المسمى "الشكل النصفي" The Half Figure شكل رقم (1)، المصنوع من الأسمنت المصبوب عام 1929م، بفجوة جسمه المفرغة حيث تغطي الحجوم بعضها البعض في شكل يميل إلى أعلى في اتجاه مخروطي، وترتفع الذراع اليمنى القوية للأم إلى أعلى، وكأنها الحائط الحامي أمام وجه الأم، والطفل يعتلي كتفي أمه، ويميل بشدة ناحية جبهة الأم متمسكًا بها، وكل ذلك في حجوم مكعبة تشكل تناقضًا بينها، وبين الحجوم الدائرية العضوية المتمثلة في شكل الأم. 

2 - الفراغ الناشئ عن إظهار التناقض بين البروز والفتحة:

تطورت الفتحة المفرغة بعد ذلك إلى "ثقب" Hole في أعمال مور النحتية، حيث أصبحت "الفتحة" نقيضًا للبروز أو "النتوء" وذلك منذ عام 1933م، كما في عمله الذي قدمه في العام التالي 1934م، تحت اسم "الفتحة والنتوء" Hole and Lump شكل رقم (2). ويلاحظ أنه بدأ في هذا العمل يبتعد تدريجيًّا عن النحت التمثيلي، غير أن هذه "الفتحات" في ذلك الوقت لم يكن لها حضور أساسي مباشر، فقد حفرت حتى تلك الفترة لأسباب نحتية تتعلق بالإبداع النحتي في حد ذاته، أما توظيفه ل "الفتحات" فكان جزءًا من استراتيجيات توظيفه للفراغ النحتي لإظهار التناقض بين البروز والفتحة.

وقد عبر مور عن ذلك خلال حديثه عن عمله "الفتحة والبروز"، قائلاً:

"كنت متعلقًا وبوعي بالعلاقات البسيطة للشكل، فها هنا توجد "الفتحة" التي هي على النقيض من "البروز"، وقد وضعت تأكيدات على هذا الوعي في الشكل بالعمل النحتي، والذي هو ليس تقليدًا للطبيعة"(16).

3 - الفراغ الناشئ عن الأشكال المنفصلة:

ويقصد به الفراغ الذي ينظم الحركة الأولى للربط والتجميع في الأشكال النحتية، ويتوقف على درجة ارتباطها ببعضها البعض مقدار قوة الشد الفراغي الموجود بينها(4).

ومن بين الأعمال النحتية التي يتضح فيها هذا المفهوم ذلك العمل المسمى "قطعتان" two-forms شكل رقم (3)، حيث نجد فيه أن الكتلتين المنفصلتين الكبرى والصغرى تبدوان مرتبطتين، ومن ثم فإن الفراغ الموجود بينهما يبدو كما لو كان فراغًا واقفًا بين قطبين متجاذبين في مجال مغناطيسي، الأمر الذي نشأ عنه شد فراغي بين كتلتين منفصلتين في سعيهما للالتحام، ويلاحظ أن الحدود الخارجية للكتلتين عند موضع مواجهتهما تتجه إحداهما نحو الداخل، والأخرى تتجه نحو الخارج، وتعطي طبيعة الحدود الخارجية للكتلتين انطباعًا بالتكامل الذي يتأتى نتيجة تطابقهما في حالة التحالهما معًا.

ولأن الكتلة الكبيرة في مواجهة الكتلة الصغيرة المصمتة، والأولى مقعرة والثانية محدبة، فهذا يوحي بأن الكتلة الكبيرة تسعى لاحتضان الكتلة الصغيرة التي تبدو كأنها متقطعة منها أو كأنها جزء منها.

4 - الفراغ الناشئ عن تقوية العمل النحتي وربط جوانبه ببعضها البعض:

قام مور عام 1936م بتطوير استراتيجياته من خرم الكتلة عبر نحته المباشر بالحفر، حيث قام بعمل "فتحة" لربط أحد جوانب العمل بالجانب الآخر منه، وهو ما يوضحه عمله المسمى "شكل مضطجع" Reclining Figure شكل رقم (4). ويظهر في الجسم فراغات، الأول يشغل منطقة الصدر أسفل الثديين مخترقًا الظهر، والثاني محصور بين الطرفين السفليين، وتتخذ إحدى الساقين وضعًا قريبًا من الرأس مع التقاء القدمين، مما ينتج عنه فراغ بين الساقين يجعله أكثر قربًا من فراغ الصدر.

وقد عبر مور بنفسه عما تكسبه الفتحة من قوة للعمل النحتي، قائلاً:

"ممكن أن تكون لقطعة الحجر فتحة من داخلها، ومع ذلك فإن هذه الفتحة لا تضعفها، وهذا بشرط أن تكون "الفتحة" مدروسة من نواحي: الحجم، والشكل، والاتجاه"(16).

5 - الفراغ الناشئ عن تقليل مساحة الفراغ بين أجزاء الشكل:

ويقصد به الفراغ الناتج من تحليل الأسطح وتقسيمها إلى مسافات متساوية لتنقل لنا الإحساس بالزمن من تتابع الأجزاء، وكذلك الإحساس بالفراغ الذي يحتوي امتداد الأجسام فيه.

ومن الأعمال النحتية التي يتضح فيها هذا المفهوم ذلك العمل المسمى "سلة طائر" Bird Basket  شكل رقم (5) حيث تنمو السلة محاطة بخيوط، وتظهر من خلال الخيوط أشكال لكتل رأسية، وتخفف هذه الخيوط المشدودة من ثقل الكتلة، ومن تحدب الأشكال، وتبتكر حاجزًا شفافًا بين الفراغ الموجود خلال هذه الأشكال المقعرة، كما تبتكر هذه الخيوط، أيضًا، نوعًا من الإيقاع المتحرك الذي ينشأ عن حركة العين المتجولة بين الخيوط، خاصة وأن العين تستطيع أن ترى الخيوط من خلال بعضها فيقلل هذا الإيقاع من مساحة الفراغ بين أجزاء الشكل.

فالخيوط تفتح وتغلق وتحصر فراغات، وفي الوقت نفسه فإنها لا تمنع مرور الرؤية خلالها للداخل أو الخارج، وهو ما عبر عنه "دافيد سيلفستر"David Sylvester  عام 1951م بقوله:

"هناك ثلاثة آراء خاصة بشد الخيط أو السلك وبوجوده مع كتلة النحت، وهي:

(1) أن السلك المشدود يتعارض مع الأبعاد الخارجية للكتلة.

(2) أن السلك المشدود يمثل شيئًا يعترض الفراغ المرتبط بكتلة النحت، والفراغ الكبير المحيط بالنحت، وفي هذا يكون بمثابة قفص، وليس حائطًا، ويكون محتويًا للفراغ من جانبه المفتوح، بينما يسمح للفراغ أن يبقى مشاهدًا أو منظورًا.

(3) أن الخيط يوتر حركة عين المشاهد، وخاصة عندما ترى إحدى مجموعات الخيوط أو تشاهد من خلال الخيوط الأخرى، فإن الخيوط تبتكر نقطًا اعتراضية أو مخالفة أو متعارضة مع الحركة المليئة بالحياة من الفراغ المحيط(20).

6 - فراغ داخلي وخارجي:

على عكس أسلوب الحجم المتماسك فإنه يتم الاعتماد على تحطيم الكتلة وفتح الأحجام المصمتة، ليظهر لنا الحجم الداخلي والخارجي، وبالتالي نجد أن العلاقة بين الكتلة والفراغ في هذه الأشكال تظهر الفراغ الناتج عن الحجم الداخلي، وكذلك الفراغ الناتج عن الحجم الخارجي، ويتكون هذا النوع من النحت من شكلين، شكل خارجي مفرغ بداخله شكل داخلي مصمت.

فإذا نظرنا إلى العمل المسمى "أشكال داخلية وخارجية"  Internal-External Forms شكل رقم (6)، سنجد أن هنري مور قد تناول الفراغات الداخلية، وصياغتها بطريقة تشكيلية جديدة، حيث ابتدع فراغ "الشرنقة" مجموعة من الأعمال التي يتجلى فيها إحساسه بقيم الفراغ الداخلي المحتجز داخل كتلة رئيسية، كما يوضح تكوينًا لشخص من كتلة خارجية تحوي كتلة داخلية، فمن الفراغ الداخلي للتمثال ينمو جسم آخر في طريقه للخروج إلى الفراغ العام المحيط بالكتلة الكبرى. ومن خلال تلك العمليات (الاحتضان-الخروج) التي تجري في التكوين العام للتمثال، تبدو لنا حيويته.

فالشكل عند مور ليس شفافًا، ولكنه يسمح، فقط، بنظرة خاطفة إلى الشكل الداخلي الذي لا يحطم ظهوره الجزئي ذلك الترابط الكلي لمحيط الشكل الخارجي الذي يحتوي الشكل الداخلي في الفراغ. والشكل الداخلي بدوره يتكون من عناصر موجبة، ومصمتة وسالبة مفرغة، كما أن العلاقة المتبادلة بين الشكلين الخارجي والداخلي، بين الكتلة والفراغ، تظل متوازنة ومتكافئة، فيصبح أمام أعيننا شكلًا مثيرًا للحس والجذب والفراغ والامتلاء، وكان هذا نتيجة للتناول الحر المنطلق لمفهوم الفراغ، والبحث فيه لاستخراج حلول جديدة متناسبة مع مفاهيم العصر.

7 - الفراغ الخارجي:

يقصد بالفراغ الخارجي ذلك الفراغ الذي يحيط بكتل الأشكال النحتية وسطوحها، وهذا الفراغ الخارجي يرتبط بالبيئة المحيطة بالشكل النحتي.

ففي العمل المسمى "أشكال رأسية"  Vertical forms، شكل رقم (7) نجد أنه قد اهتم بالفراغ الخارجي المحيط بالشكل، وقد أظهر لنا من شكله النحتي تحريفًا يبدو من الوهلة الأولى أنه تجريد لإنسان، وهنري مور يجري تحريفاته وتعديلاته للشكل بعد دراسته وتفهمه له من الناحية العضوية، حيث يقوم بالحذف والدمج ومعالجة السطح على أقصى درجة من شحن المعنى، فتبدو النتوءات والامتدادات كتحريف ضروري يعمل على تأكيد المعنى في التكوين، من حيث النمو والاستقرار.

8 - الفراغ الداخلي:

يقصد بالفراغ الداخلي ذلك الفراغ الذي يفصل بين الكتل النحتية وسطوحها، ويحيط بها من الداخل مما دعا جاك برنهام إلى القول:

"إننا نمثل الفراغ داخل الشكل النحتي كعنصر ذي خواص جديدة مستقلة"(10).

وإذا طالعنا العمل المسمى "أم مستلقية وطفلها" Reclining Mother and Child Reclining شكل رقم (8)، فإننا نجد أنه قد اهتم بالفراغ الذي تحتضنه الكتلة، والفراغ هنا قد أحدث ثقبًا كبيرًا في كتلة التمثال، أو أن الكتلة قد احتوت بحدودها حيزًا متوسطًا من الفراغ لتحيط به كتلة أخرى أصغر منها، وفي هذا العمل يتبين إلى أي حد نجح الفنان في تأكيد أهمية الفراغ الذي يكسب العمل الفني معناه، فتشكيل الكتلة على هذا النحو قد أبرز معنى الاحتضان بين الكتلة والفراغ.

 

المراجع:

أولا العربية المترجمة:

1 - أحمد عبدالعزيز عباس: "الإبداع في فن النحت الحديث بين الحرية والإلزام" رسالة دكتواره، كلية الفنون الجميلة، جامعة حلوان، القاهرة، 1987.

2 - برنارد مايرز: الفنون التشكيلية، وكيف نتذوقها؟". ترجمة: سعد المنصوري، محمد القاضي. دار النهضة المصرية، القاهرة، 1966م، ص 9.

3 - جمال عبدالحليم أحمد سالم: "هنري مور-مصادر تأثره وأثره في فن النحت المعاصر". رسالة ماجستير، كلية الفنون الجميلة، جامعة حلوان، القاهرة، 1980م، ص 63.

4 - روبرت جيلام سكوت:"أسس التصميم". ترجمة عبد الباقي إبراهيم، محمد يوسف. دار النضهة المصرية، القاهرة، 1980م، ص 31.

5 - محمد جلال حسن شحاتة: "القيم الجمالية في فن النحت". رسالة ماجستير، كلية الفنون الجميلة، جامعة حلوان، القاهرة، 1991م، ص 179.

6 - محمد زكريا طه: "أثر التكعيبية في فن النحت"، رسالة دكتواره، كلية الفنون الجميلة، جامعة حلوان، القاهرة، 1990م، من ص 13 إلى 15.

7 - هربرت ريد: "النحت الحديث تاريخ موجز". ترجمة فخري خليل، دار الفارس، بيروت، 1944م.

المراجع الأجنبية:

8  - Arnason, H.H, "History of Modern Art Painting, Sculpture, Architecture", Thames and Hudson, London, 1977.

9  - Berthoud, Roger, "The Life Of Henry Moore", London, 1987.

10  - Burnham, Jack, "Beyond Modern Sculpture", Allan Lane The Penguin, London, 1987, p. 150, p. 14.

11  - Chilvers, Ian and Osborne, Harold, "The Oxford Dictionary of Art", Oxford, New York, 1988.

12  - Ghrom, E, "Form and Space Vision", New York. 1963, p. 37.

13  - Knobler, Nathan, "The Visual Dialogue", Third Edition, New York, 1980.

14  - Maillard, Robert, "New Dictionary of Modern Sculpture", New York, 1971

15  - Mitchinson, David, "Henry Moore Sculpture" London, 1981.

16  - Mitchinson, David and Stallabrass, Julian, Henry Moore", United States of America, 1992, p.11- 12 .

17  - Nash, Steven A, "A Century of Modern Sculpture The Patsymond Nasher Collection", New York, 1987, p. 76.

18  - Osborne, Harold, "The Oxford Companion to Twentieth-Century Art", Oxford, New York. 1981.

19  - Read, Herbert, "Philosophy of Modern Sculpture", London, 1969, p.207.

20  - Read, Herbert, "Henry Moore", A Study of His Life and Work, Thames and Hudson, London, 1965, p. 121- 122 .

21 - Rogers, L. R, "Sculpture The Appreciation of Art Part2", Oxford, N. Y, 1969, p. 226.


عدد القراء: 236

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-