صلاح ستيتية: وداعًا يا «شاعر الضفتين» الفرانكوفوني!الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-10-01 14:01:00

د. محمد منصور الهدوي

الهند

فقدت الساحة الأدبية الفرنسية والعربية أحد أعلامها بوفاة الأديب اللبناني صلاح ستيتيه عن عمر ناهز 91 عامًا، ليختتم مسيرة حياتية حافلة قضاها بين "جنون" الشعر و"رزانة" الدبلوماسية، أحد كبار الشعراء العرب الذين كتبوا بالفرنسية، إلى جانب الشاعر اللبناني الآخر العظيم جورج شحادة والمصريتين أندري شِديد وجويس منصور، والمغاربيين البارزين من أمثال محمد خير الدين، مالك حداد، عبد اللطيف اللعبي، الطاهر بن جلون، مصطفى النيسابوري، محمد الواكيرة على سبيل المثال لا الحصر.

شاعر عربي ومثقف كبير، عميق وحقيقي بخلفية فكرية ومعرفية قوية، خصوصًا في كل ما يتعلق بجذور الثقافة الشرقية وضمنها الحضارة العربية الإسلامية، شعرًا وآدابًا وتاريخًا وثقافةً وتصوفًا. وكان أفقه الشعري والجمالي كونيا، وللأسف، لم تترجم أعماله الشعرية والفكرية كاملة إلى العربية.

"شاعر الضفتين" بل "شاعر المنهلين"

الأديب اللبناني، وإن كتب جميع قصائده باللغة الفرنسية، فهو ذو ثقافة عربية وإسلامية واسعة بدأ بتكوينها باكرًا على يد والده في بيروت، ثم في باريس بالذات، حيث اكتشف أثناء دراسته في جامعة السوربون و"كولّيج دو فرانس" أسماء التصوّف الإسلامي الكبرى، إلى جانب شعر بيار جان جوف وإيف بونفوا وأندريه بيار دو مانديارغ الذين تحوّلوا بسرعة إلى أصدقاء له.  ومنذ ذلك الحين، ما برح يسعى بلا كلل إلى ربط ضفتي المتوسّط وإلى كشف حوارهما الثابت والخصب على مر التاريخ. تقفز هذه الملاحظة سريعا لمخيلة أي قارئ لكتبه، ستيتية -كما يبدو في المعرض- هو فعلاً شاعر الضفّتَين، تنظر كتاباته نحو الغرب بدون أن تتوقّف أبدًا عن الاستضاءة بأنوار الشرق. ففي كتبه، ثمّة شعر يؤدّي دور الواصلة بين عالمين مسائلاً روابطهما الأخوية وانعكاساتهما الواحد على الآخر.

هناك شعر إشراقي يقف على مسافة واحدة من الحداثة التي يضطلع بها ومن التقليد الذي يعيد ابتكاره، ومسكون بجميع أصوات الأدب الفرنسي الكبير -من فييون وحتى السرّياليين وغيرهم، ومهما كتب ستيتية -شعرًا أو نثرًا أو أبحاثًا نقدية- فهو يجمع تحت النظرة الثاقبة نفسها إرادة تفسير العالم وظواهره وفقًا لممارسة لغوية تجعل منه على غرار صموئيل بيكت أو يوجين يونيسكو أو إميل سيوران، أكثر من مجرّد كاتب فرنكوفوني، بل أحد أكبر وجوه أدبنا.

طفولة مع الكلمة والغربة

وُلد صلاح ستيتية في بيروت عام 1929، أدخله والده محمود المدرسة الإنجيلية الفرنسية، منذ نعومة أظفاره، وكان الصبي الأوحد بين تلميذاتها البنات. ويكاد يكون الأوحد أيضًا في بيت كل أفراده من البنات، وهنا يقول شاعرنا نفسه أنه حُرِم من ممارسة هواية اللعب واللهو، التي يمارسها أمثاله من الأطفال الصبية. هذا الحرمان كان يدفعه في كثير من الأحيان إلى الانفراد في حديقة المدرسة، على مدى الأعوام الدراسية، والانفراد يقود الى التفكير والتأمل. وكم عبقرية تفجّرت من حرمان.

كان منزل الشاعر صلاح ستيتية العائلي، ملتقى شعراء العصر. وعن أجواء هذا المنزل يؤكد شاعرنا، أنه عاش طفولته الأولى وهو على صلة مستمرة مع عالم الكلمة، ولكنها تركت تأثيرها على طفولته الأولى.

بعد ذلك نال إجازة في الحقوق من الجامعة اليسوعية، وتتلمذ على المفكّر والأديب الفرنسي غبريال بونور، مدير المعهد العالي للآداب في بيروت.

قصد فرنسا لمتابعة دراساته العليا، فاختلف إلى السوربون، ومعهد الدراسات العليا، وكوليج دي فرانس، ولازم المستشرق المعروف لوي ماسينيون، وتعرّف إلى موريس سايي، وموريس نادو، رئيسي تحرير مجلة "الآداب الحديثة"، وكتب على صفحاتها في نقد الشعر، وزامل كبار الشعراء أمثال: بيار جان جوف، بدأ الكتابة وهو في السادسة أو السابعة من العمر.

في مجال الصحافة والإبداع

أنشأ في بيروت الملحق الأدبي لجريدة "الأوريان" بالفرنسية، بعد عودته من باريس، ثم التحق بالسلك الديبلوماسي عام 1963، فعاد الى باريس وأقام فيها الى حين عيّن سفيرًا للبنان في هولندا عام 1981، ثم نقل الى المغرب عام 1985، ثم عاد الى بيروت ثانية لتسلم منصب مدير الشؤون السياسية والقنصلية في وزارة الخارجية والمغتربين، ثم أصبح أمينًا عامًا بالوكالة للوزارة نفسها. كما أسهم في كبريات المجلات الثقافية الفرنسية، ونشر في أشهر دور النشر.

صلاح ستيتية في شعره وفي نثره، يتقصّى اللغة، والكلمة، والفكرة، والصورة، وهي لا تزال في مهدها بكرًا بعيدة عن الملابسات. بالنسبة إلى الشاعر صلاح ستيتية فإن المرأة هي جوهر شعره، وجميع توجهاته. لقد أبرز دور المرأة في الحياة والموت، يقول ستيتية: "نلاحظ أن جميع الكلمات الوجودية، المعبّرة عن التحام الإنسان بمصيره، في العالم، هي كلمات مؤنثة، ففي اللغة العربية مثلاً هناك: الحياة، الأم، اللغة، الطبيعة، الخصوبة، جميعها كلمات مؤنثة".

إن تجربة الشاعر الفرنكوفوني صلاح ستيتية الأدبية تجربة فذّة. شاعر من لبنان، حكمت عليه الظروف أن يكتب باللغة الفرنسية، فيجعل من تلك اللغة أداة طيّعة للتعبير عن جذوره العربية والمشرقية، وعن عالمه الطبيعي فضلاً عن معالجته لشؤون الأدب العالمي، وبخاصة الأدب الفرنسي، وقد أثبـت ستيـتية في شعـره ونثـره، أن أصداء المعاني الإنسانية الكبرى تتقارب، في العديد منها، وتلتقي، من دون أن يعيق تقاربها والتقاءها أي نوع من أنواع الحدود، مادية كانت أم معنوية.

أما كشاعر فكان معلمه الأول والأخير الشاعر ستيفان مالارمه الذي وضع فيه أكثر من دراسة، عطفًا على تأثره بشعراء آخرين كبار مثل رامبو الذي ألف عنه كتابين، وجان بيار جوف وإيف بونفوا وأندريه بيار دو مانديارغ وسواهم. ولم تغب عنه آثار الشعراء الصوفيين الكبار، مسلمين ومسيحيين، وقد ترجم مختارات من الشعراء الصوفيين العرب وفي مقدمهم رابعة العدوية. وكتب في حقل الحضارة العربية والإسلامية أبحاثًا ودراسات مهمة جدًا، ومنها على سبيل المثل: "فردوس" وهو عن جماليات الحدائق في الإسلام، "نور على نور أو الإسلام الخلاق"، "رابعة النار والدموع"، "عن قلب إسرافيل"، "الواحة بين الرمل والأساطير"... وكان غوصه على التراث الإسلامي، الديني والحضاري، هو الذي رسخ مشروعه الثقافي في كونه شاعر "المنهلين" أو "الضفتين"، ما سمح له بأن يكون مبدعًا متجذرًا في الأدب واللغة الفرنسيتين وفي الأدب الإسلامي والصوفي في آن واحد.

عالم أعماله الغزيرة 

كتب صلاح ستيتية الكثير، كان مغزارًا بحق، سواء في شعره ونصوصه الإبداعية أم في نقده ودراساته. وله أكثر من ستين كتابًا، تختلف في مقارباتها وحقولها وأحجامها وتتوزع بين الشعر والنقد الأدبي والفني وأدب المدن والتاريخ والصوفية والترجمة. وحصل على الجائزة الكبرى للفرنكوفونية التي تمنحها الأكاديمية الفرنسية،  بما فيها روايته الوحيدة هي "قراءة امرأة" العام 1988 وكانت أحد أعماله الفريدة.

ولعب دورًا كبيرًا في الحياة الأدبية الفرنسية من خلال مساهماته في كُبريات مجلات الإبداع الأدبي في فرنسا. حصل على "جائزة الفرانكفونية الكبرى" سنة 1995، إضافة إلى العديد من الجوائز المهمَّة الأُخرى. من أعماله الشعرية: "الماء البارد المحفوظ" (1972)، "شذرات" (1978)، "انعكاس الشجرة والصمت" (1980)، "الكائن الدمية" (1983)، "القنديل المعتم" (1990)، "حمَّى الأيقونة وشفاؤها" (1996)، "الكائن" (2014).

وله رواية وحيدة بعنوان "قراءة امرأة" (1988). تُرجمت أعماله إلى مختلف اللغات العالمية (ترجم له إلى العربية: كاظم جهاد، رواد طربيه، مصباح الصمد، وآخرون).

وخلف صلاح من ورائه 250 عملاً. وكان اختياره الكتابة باللغة الفرنسية، لم يبعده يومًا عن هويته بما فيها عصبها اللغة العربية. وحاول تفسيره تلك العلاقة الكيميائية التي تربطه بلغة موليير في حوار له مع فرانس24 بالقول إن "الكاتب يأخذ باللغة التي تأخذه"، إلا أن اللغة الأم ظلت المنهل في عطائه الإبداعي، فهو "يأخذ باللغة العربية ليعطي للغة الفرنسية"، وهي من العوامل التي جعلته "جسرًا بين ضفتي المتوسط". وبحسب معارف الراحل، فهو كان عروبيًا وفرانكوفونيًا، باريسيًا وبيروتيًا، صوفيًا وغربيًا، تقليديًا وكونيًا... إنه شاعر الثنائيات...

ومضة من قصائده

قد قام بترجمتها عن الفرنسية إلى العربية هنري زغيب هو الشاعر، الأديب والكاتب الصحافي اللبناني عنوانها " الأَصــابـــع"

أُحَيِّي أَصابعي واحدًا واحدًا

أُحَيِّي كُلَّ واحدٍ منها مع ظِفْره

أُحَيِّي يَدي والذّراع

ذراعي شلحُ كرمةٍ مخلوعٌ

وهي مع ذراعي الأُخرى

خطبةُ يَدَين أَمام انعصار القلب.

أُحَيِّي قَدَمَيَّ وأَصابعَهُما

ونُسْغَ ساقيَّ

تَـحتضنان ضُمَّةَ بنفسجٍ يَسكُنُها الحلم.

أُحَيِّي أَحشائي:

بطنًا، أَمعاءَ، معِدةً، كَبِدًا، رِئَتَيْن.

أُحَيِّي طرقات العُنُق في الاتجاهَين

والأَنفَ والعينَين والأَسنان

أُحَيِّي فمي وصوتَهُ وأُذْنِـيَ الصَدَفةَ

أُحَيِّي الإِسفنجة الـمُشْبَعةً أَعماقًا بَـحْريةً

باعتصارها تنضَحُ صُوَرًا وأَفكارًا

وتنضَحُ آلامًا ونارًا وذكريات!

***

أَتَأَمَّل كُلًّا من أَصابعي

إِنهم أَصدقائي منذ الطفولة

يريدون، قالوا،

أَن يُغادروني واحِدًا فَــواحِدًا

كما بعدَ حلقة نقاشٍ

طويلةٍ… طويلةٍ بلا جدوى.


عدد القراء: 76

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-