كامو وسارتر الصَّديقان اللَّدودانالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-10-01 14:21:38

نبيل موميد

أستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية، مركز أقسام تحضير شهادة التقني العالي - أغادير – المغرب

بقلم: ميشيل وينوك

ترجمة وتقديم: نبيل موميد

 

تقديم:

لا يختلف اثنان في أن "جون بول سارتر " 1905 - 1980، و"ألبير كامو"1913 - 1960 بصما بقوة تاريخ الفكر الإنساني؛ بمواقفهما من القضايا الحارقة التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين، وكذلك بنتاجهما الأدبي والفلسفي والصحفي الذي انصب أساسًا، رغم تنوعه واختلافه، على التفكير في الإنسان وفي مصيره.

ورغم أن متانة العلاقة بين المفكرَين كانت تبشِّر بميلاد نموذج فكري جديد، يعيد التفكير في المصير الإنساني، ويؤسس لما يسمى بـ "الطريق الثالث"، في زمن كان العالم فيه منقسمًا بين المعسكرين الشرقي الشيوعي والغربي الرأسمالي، (رغم كل هذا) إلا أن السُّبل تفرقت بهما، بل إنها أدت إلى قطيعة بينهما على جميع المستويات: الشخصية، والفكرية، والوجودية. لقد اختار "سارتر" التخندق في الأطروحة الشيوعية والاشتغال من داخلها، في حين فضل "كامو" الاستمرار في البحث عن طريقه الثالث، رافضًا بقوة المساس بحياة الإنسان أو بحقه في حرية التفكير والقول، مؤسسًا بذلك لمفهوم جديد آنذاك؛ مفهوم "الإنسان المتمرد".

"كامو"، "سارتر"، مفكران أساسيان راهِنِيَان، لاسيما أن القضايا التي ناقشاها لا تزال محور سجال ونقاش وبحث وتنقيح، في ظل عالم متغير لا يستقر على حال.

يتناول هذا المقال(1)، من منطور مُقارِن، مختلف التغيرات والتحولات التي طبعت العلاقة بين المفكرَين، مؤكدًا في النهاية أن المستفيد الوحيد من كل هذا الزَّخَم الفكري يبقى هو الإنسان.

نص الترجمة:

غداة الاستقلال، عرفت فرنسا صعود نجم علمين بارزين في سماء الأدب: الأربعيني "جان بول سارتر"، و"ألبير كامو" الذي يصغره بثمانية أعوام. أما الأول فقد عُرِف قبل الحرب [العالمية الثانية] بروايته الغثيان La Nausée، وبمجموعته القصصية الجدار Le Mur. وأما الثاني فقد فرض وجوده سنة 1942 بدراسته أسطورة سيزيف Le Mythe de Sisyphe، وروايته ذائعة الصيت "الغريب L’Etranger". حصل التعارف بينهما خلال العرض الأول لـ [مسرحية] "سارتر" "الذباب Les Mouches" في الثاني من يونيو 1943، ليتحول بعد ذلك إلى صداقة [عميقة] ومشهورة.

فما الذي جمع بينهما؟ قطعًا هوسهما بالكتابة، وفي أجناس مختلفة: الرواية، والمسرح، والدراسة الفلسفية، والمقالة الصحفية. كما أنهما يتقاسمان رؤية للعالم تتأسس على فكرة البحث عن إعطاء معنى جديد للحياة. ومن منطلق أنهما كاتبان ملتزمان، فقد انخرطا معًا ـــ لا غُبار على ذلك ـــ في مقاومة [المستعمر الألماني إبان الحرب العالمية الثانية]، ولكن بدون بطولات ميدانية تُذكر، بل من خلال الكتابة في جرائد سرية تابعة للجنة الوطنية للكتاب (CNE)، وأيضًا في نشرتها الأدبية "الرسائل الفرنسية Les Lettres Françaises".

ورغم إصابته بمرض السّلّ، التحق "كامو" بأسرة صحيفة "المعركة Combat" (الناطقة بلسان حركة سياسية سرية تحمل نفس الاسم)، شاغلاً منصب رئيس تحريرها؛ حيث أضحت ابتداء من الـ 22 من شهر أغسطس 1942 يومية ذائعة الصيت، لاسيما بافتتاحياتها الشاحذة للهمم الحاملة لتوقيع "كامو". أما بالنسبة إلى "سارتر" فقد أسس مجلته "الأزمنة الحديثة Les Temps Modernes" في أكتوبر 1945. ومرة أخرى، عانقا معًا الشهرة والمجد: سارتر بفضل مسرحية "جلسة سرية Huis Clos" ورواية "دروب الحرية Les Chemins de la Liberté"، وكامو بفضل رواية "الطاعون La Peste" سنة 1947. وقد طبقت شهرتهما الآفاق حتى إنها جاوزت الأطلنطي؛ حيث خُصِّصت لهما هناك مقالات تقريضية بوصفهما رائدي المقاومة الفرنسية.

توطدت عرى الصداقة بين الرفيقين، وقد تركت لنا رفيقة "سارتر" "سيمون دوبوفوار Simone de Beauvoir" في مذكراتها قصتهما وإرادتهما المشتركة في إعادة تشكيل العالم وذلك في حواراتهما على مقاعد مقهى "فلور Flore":

"لقد تواعدنا على أن نتحالف إلى الأبد ضد الأنظمة والأفكار والرجال الذين نُدينهم، كنا متأكدين أن ساعتهم قد دقت؛ لذلك كان المستقبل يبدو لنا بأكمله ملك يميننا لنعيد تشكيله سياسيًا، ربما، بيْد أنه كان علينا على المستوى الفكري أن نقدم إيديولوجيا جديدة لحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية".

في نهاية سنة 1947، مع بدايات الحرب الباردة، كانت العلاقة لا تزال قوية بين الرفيقين؛ فقد أدانا معًا الرأسمالية الأمريكية، غير أنهما رفضا أيضًا أن يصطفا وراء الاتحاد السوفياتي. كان "سارتر" يُسيِّر رفقة "دافيد روسي David Rousset " التجمع الديموقراطي الثوري (RDR) الذي أنشأه "جورج ألتمان Georges Altman" سنة 1948، والذي كان يدافع عن الحياد. أما عن رأي "كامو" في انخراط رفيقه في هذا الحزب، فقد كان إيجابيًا، خاصة أنه كان يتشاطر معه عددًا من أفكاره؛ لأنه كان رفقة كل من "سارتر" والآخرين يبحثون عن "طريق ثالث"؛ طريق الاشتراكية الديمقراطية البعيدة كل البعد عن أمريكا الدولار وروسيا ستالين.

غير أنه في السنوات القليلة اللاحقة، ستبدأ معالم شرخ ترتسم على صفحة العلاقة بين الرفيقين؛ فعلى غرار كل المثقفين، آنذاك، ناقشا مسألة معسكرات العمل في الاتحاد السوفياتي، وذلك بعد محاكمة "كرافشينكو Kravchenko" مؤَلِّف "اخترت الحرية J’ai choisi la liberté"، والذي أبان عن السيطرة الساحقة للنظام الديكتاتوري في الاتحاد السوفياتي. ففي سنة 1950، عبَّر "سارتر" بكل وضوح عن موقفه قائلاً: "بِغَض النَّظر عن طبيعة المجتمع السوفياتي الحالي، فإن روسيا تأخذ، بصفة عامة، بِيَد المجتمعات المناضلة ضد أشكال الاستغلال (...). ونحن لا نخلص من خلال هذا المعطى إلى وجوب إبداء بعض التعاطف مع الشيوعية، بَيْد أننا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نُطبِّع مع أعدائها". هذا الموقف عُدَّ بمثابة قبول "سارتر" مبدئيًا بالشيوعية؛ وهو ما لم يستسغه "كامو" البتة.

عملاقان فرقهما موقفهما من احترام الذات الإنسانية

يؤكد "سارتر" أهمية التضامن مع الطبقة البروليتارية، في حين يرفض "كامو" تحويلها إلى ذريعة من الذرائع التي نعلق عليها كل شيء. ومن هذا المنطلق، سجلت "دوبوفوار" في مذكراتها أن التواصل بين الرفيقين أصبح عسيرًا؛ حيث اعترفت أنها و"سارتر" أصبحا يلمسان بشكل واضح البَوْن الشاسع بين أفكارهما وأفكار "كامو". وستأتي سنة 1951-1952 لتعلن الطلاق الرسمي بين الرفيقين، مع إصدار "كامو" لدراسته "الرجل المتمرد L’Homme Révolté".

وباعتباره صاحب مجلة "الأزمنة الحديثة"، كلَّف "سارتر" "فرانسيس جونسون Francis Jeanson" بإنجاز دراسة نقدية لكتاب "كامو" الجديد؛ حيث نشرها في شهر مايو سنة 1952. كانت الدراسة ـــ المكونة من عشرين صفحة ـــ تُبرز بما لا يدع مجالاً للشك عمق الخلاف الفكري بين العملاقين "سارتر" و"كامو".

وتحت وقع صدمة ما قرأه من شتائم وإهانات موجهة لشخصه في هذه الدراسة، عقَّب "كامو" عليها، دون أن يشير إلى كاتبها بالاسم، ولكن بافتتاح كلامه بعبارة "إلى السيِّد المدير". فرد عليه "سارتر" بخبث يقطر سُمًّا: "ماذا لو أن كتابك يشي بكل بساطة بعجزك الفلسفي؟". وفي الحقيقة فقد كان "سارتر" قد انتهى، بعد زمن من انفتاحه على الفكر الشيوعي، إلى الاقتناع التام بضرورة تبنيه بوصفه إيديولوجيا، حتى إنه أصبح في نفس تلك السنة التي عرفت الفراق الفكري الصريح بين المفكرَيْن، من أشد المنافحين عن الشيوعية؛ حيث كتب مقالاً شهيرًا حول المسألة، نشرته مجلته المذكورة خلال أشهر يوليو وأكتوبر ونوفمبر من سنة 1952.

أبانت هذه القطيعة عن عمق الخلافات في المواقف الفكرية بين هذين العَلَمين البارزين؛ فقد كان "سارتر" يقدم نفسه باعتباره الفيلسوف السياسي للراديكالية؛ حيث يقول: "لطالما كانت الراديكالية بالنسبة إليَّ عنصرًا محوريًا في الاتجاه اليساري". وعلى العكس من هذا، اعتُبِر "كامو" مفكر النسبية؛ مؤمنًا أن الثقة الزائدة بمثابة عدو يسقط صاحبها في التعصب، لا شك في ذلك. وقد كتب ابتداء من سنة 1948:

"ليست الديمقراطية أفضل الأنظمة السياسية، بل هي الأقل سوءًا (...). فلا يمكن أن نتصور هذا النظام، أو أن ننشئه، أو أن ندافع عنه إلا على يد رجال يعرفون أنهم لا يعرفون كل شيء، بل إنهم يرفضون قبول حال الطبقة البروليتارية، ولا يتكيفون أبدًا مع بؤس الآخرين، غير أنهم يرفضون تأزيم هذا البؤس باسم نظرية أو دوغمائية عمياء".

 أين يكمن حجر الزاوية في هذا التعارض بين الصديقين اللدودين؟ قطعًا في تصور احترام الذات الإنسانية؛ فأما بالنسبة إلى الراديكالية السارترية، فقد كانت تقبل شرعية القتل، إيمانًا بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة؛ وقد عبر "سارتر" صراحة في تقديمه لكتاب "فرانز فانون Frantz Fanon" "معذبو الأرض Damnés de la Terre" عن ضرورة القتل: "عندما تقتل أوروبيًا فأنت تضرب عصفورين بحجر واحد؛ أي أنك تزيل من الوجود في نفس الآن كلا من الظالم والمظلوم". وأما بالنسبة إلى "كامو"، فهو لم يذخر جهدًا طيلة حياته في المطالبة بإلغاء أحكام الإعدام، مناضلاً ضد كل من تُسوِّل له نفسه شرعنة عمليات القتل.

ورغم أن أفكار "كامو" كانت أقل جاذبية، خلال هذه الفترة، من نقيضتها الراديكالية، إلا أن إنسانية "كامو" ستبقى إلى الأبد مرجعية مثالية للمنهجية السياسية: "لا ضحية، لا جلَّاد".

 

1- مصدر النص المترجَم:

Michel Winock, «Albert, Jean-Paul et les autres», in L’EXPRESS, n° 3573-3574, Janvier 2020, pp: 37- 38.


عدد القراء: 96

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-