لماذا نُقْبِلُ على المحادثات الحميمية الافتراضية؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-10-01 14:31:42

د. فيصل أبو الطُّفَيْل

باحث من المغرب

ترجمة: د. فيصل أبو الطُّفَيْل

لقد صار تقاسم المشروب عن بُعد طقسًا من طقوس الحجر المنزلي، تتيحه مكالمات الفيديو وشبكات التواصل الاجتماعي. وبهذا الصدد، يُدْلِي أربعة فلاسفة بآرائهم لمعرفة ما إذا كانت هذه الممارسة تشكل وقتًا مستحسنًا للترويح عن النفس... أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تمثيلية زائفة.

لبناء فضاء حميمي يَضُم الأصدقاء

أبيقور ÉPICURE

(341-270 قبل الميلاد)

تظهر على الشاشة وجوه مألوفة، فرغم المسافة الفاصلة يتم إعادة تكوين المجموعة التي تعمل كفقاعة تقي أفرادها هواجس اللحظة الآنية. وبعد أن أنشأ أبيقور مدرسته وحديقته، في مكان مغلق، بعيدًا عن صخب أثينا وضجيجها، احتفل هذا الفيلسوف بالصداقة بوصفها أكثر الأشياء قيمة.  حيث تمنحنا شعورًا بـ "الأمن" التام، كما تنصّ على ذلك حِكَمُهُ العظمى. فبفضل أصدقائنا نخمد نيران مخاوفنا ونبلغ درجة الأتاراكسيا (غياب اضطرابات الروح)، وهو ما يُعَدُّ شرطًا للحياة السعيدة. وهكذا، فلا يوجد شيء أفضل من تقاسم المشروب للتخفيف من قلقنا... مع أن أبيقور نفسَه كان يدعو نسبيًّا إلى نمط حياة معتدل.

لإشباع حُبِّنَا للذات

لاروشفوكو LA ROCHEFOUCAULD

(1613-1680)

حَذَارِ مِنَ الأقْنعة الخدَّاعة، فوراء الوُدّ والاهتمام المنتشريْن، تسود الأنانية الفردية في وقت الدردشات الحميمية الافتراضية. فبالنسبة للاروشفوكو، فإن حب الذات هو المعنى المتخفي وراء أفعالنا، أي "حب المرء ذاته، وحب كل شيء من أجل الذات" (كما ورد في كتابه: الحِكَم). فالصداقة لا تكون مجانية بل يُتوخى من ورائها تحقيق مصلحة معينة. "فنحن نمنح أصدقاءنا هذه الصداقة ابتغاء خير نروم الحصول عليه منهم، لا في سبيل خير نريد أن نهديه إليهم". وسواء أتعلق الأمر بالحصول على رموز تشغيل Netflix أم بالحصول على الإعجاب بما نبديه من شجاعة في مواجهة مِحْنَةِ الحجر، فنحن إنما نربط الاتصال بالأصدقاء لِحَلِّ مشاكلنا وخدمة سمعتنا. أوَ لا يتم اللقاء غالبا على شبكات التواصل الاجتماعي مَعْقِلِ النرجسية بامتياز؟

لكي نتخلص من الرتابة

شوبنهاور SCHOPENHAUER

(1788-1860)

الابتسامات مُصْطَنَعة والنِّكاتُ مُبتذلة... وبمجرد أن ينتهي مفعول الجِدَّة، فإن من الممكن للدردشات الحميمية الافتراضية أن تولّد شعورًا بالتكرار يثير الإحباط بعض الشيء. فليست الحياة سوى مرادف للألم والملل، كما يذهب إلى ذلك شوبنهاور.  ولمواجهة الخطر الثاني، وَجَدَ الناس طريقه للتكيف: "إنهم يتجمعون لكي يشعروا بالملل بشكل جماعي" (شوبنهاور- أقوال مأثورة حول حكمة الحياة). ما الفكرة المستفادة إذن؟ هي أن يفر المرء من العزلة، وأن يتخلص من رتابة وعيه الذاتي. ولكن بالنسبة لهذا الفيلسوف ذي النزعة التشاؤمية الأسطورية، فإن الحياة الاجتماعية مثيرة للاشمئزاز في نهاية المطاف. سيكون أمرنا أفضل بكثير إن نحن قدَّرْنَا قيمةَ العزلة: إذ "لا يكون المرء حرًّا إلا عندما يكون وحيدًا"- ومن المستحيل الاجتماع به في المرة القادمة.

لكي نشعر بالفرح

 آلان ALAIN

(1868-1951)

بعد اطلاعنا على آخر أخبار اليوم- والتي لا تكون دائمًا مفرحة- فإننا على استعداد لبذل أي شيء لاستعادة القليل من الفرح. نسارع إذن للبحث عن أسماء، وأرقام هواتف للاتصال! فالترياق الشافي للكآبة هم الآخرون. بالنسبة للفيلسوف آلان فالفرح شبيه بفيروس: إنه شديد "العدوى". إذ "يكفي أن يوفر حضوري لصديقي القليل من الفرح حتى يجعلني مشهد فرحته هذه أشعر بدوري بفرحة" (آلان-خواطر حول السعادة). وهكذا، تنعش الدردشات الحميمية الافتراضية الحناجر والقلوب، لأن الفرح يأتي تكميلاً لوجوده الذي يحس بأنه في صحبة طيبة، وذلك في إطار لعبة المرايا، حيث يتواصل الحماس الذي يتوقف مع ذلك عند قطع الاتصال بالإنترنت.

 

نُشِرَ هذا المقال باللغة الفرنسية في:

Martin Duru, Pourquoi prenons nous des apéros virtuels ? Philosophie magazine, n° 139, Mai- Juin 2020, p. 82.


عدد القراء: 118

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-