التمييز بين المجال الدنيوي والحكم المدني (من هيغل إلى مارسيل غوشيه)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-10-01 18:50:38

جيهان نجيب

الدار البيضاء - المغرب

يقيم هيغل مماثلة بارزة بين دور كل من الدين والدولة، من خلال رفعه من قيمة الدولة ووصفه إياها بالدولة الإلهية، إذ يعتقد أنه من المستطاع تحديد العلاقة بين الدين والدولة دون الإحالة إلى تصور الدين نفسه، ما دام مضمون الدين حسب هيغل هو (حقيقة الروح المطلقة)، وتبعا لذلك يرى أن الشكل الأسمى لوضع الروح ينتسب إليه.

 إن الدين بوصفه عيانًا وجدانيًا وشعورًا، ومعرفة على شكل امتثال موضوعة هو الله بوصفه المبدأ والعلة اللانهائية التي عليها يتوقف كل شيء، مؤكدًا إن "الدين يقتضي أن ينظر إلى كل شيء من هذه الناحية ومنها يستمد صيغه، وتبريره ويقينه، والدولة والقوانين والواجبات تستمد من هذه العلاقة (مع الله)، الضمان الأسمى والالتزام الأعلى للوعي، لأن الدولة هي نفسها والقوانين والواجبات هي في حقيقتها شيء معين ينقل إلى مجال أسمى ويجد فيه أساسه، كذلك الدين على المكان الذي يحتفظ بالشعور بالثبات وبالحرية وبالرضا الأسمى، على الرغم من كل التغيرات ومن فقدان الأهداف والمصالح والخواص الواقعية". 

فإذا كان الدين إذن يكون الأساس الذي يحتوي على العنصر الأخلاقي بوجه عام وخصوصًا طبيعة الدولة من حيث هي إرادة إلهية، فإنه مع ذلك ليس إلا أساسًا فحسب، وهاهنا ينفصل المجالات الدولة والدين. ذلك أن الدولة هي الإرادة الإلهية مأخوذة بوصفها روحًا حاضرة بالفعل تنمو وتتجلى لتصبح الشكل الواقعي والتنظيم للعالم. 

يلخص هيغل أن الدين الصحيح، بشكله الصحيح، إذا كان يعترف بالدولة ولا يتخذ منها موقفًا سلبيًا فإنه، سيكون له حينئذ موقف خاص به، ونظام خارجي، يقول هيغل "يخدم الدين أغراض النظام الأخلاقي والسياسي، غير أن الدين والتكوين السياسي لابد أن يكون في تناغم وانسجام، ما دام ما يصوره الإنسان من قوانين ليس له سوى تأثير ضئيل على الضمير الديني، إنها لحماقة حديثة تلك التي تحاول أن تغير نظام أخلاقي فاسد، أو أن تغير الدستور والتشريعات دون أن تغير دينه، أو أن يكون لدى الشعب ثورة دون أن يكون لديه إصلاح ديني، غير أن ضرورة الدين لا تكمن في أنه يزودنا بغرض ما مفترض مسبقًا، ذلك لأن الدين يحدد ما هو هام بالنسبة لنا، وما هي أغراضنا، ولا ينبغي أن يحكم عليه ما هو خارجي عنه. 

فارتباط الدولة والقوانين والواجبات بالدين على هذا النحو يكسبها جميعًا أمام الوعي، للتأكيد الأسمى والالتزام الأعلى، ذلك لأنه حتى الدولة والقوانين والواجبات هي في واقعها الفعلي  شيء  متعين وينتقل إلى الدائرة الأعلى وهي بذلك تنتقل إلى ذلك الذي يتأسس عليه، ولهذا السبب يوجد في الدين مكان يتأكد فيه الانسان أنه عثر على الوعي الثابت وإذا كان الدين على هذا النحو هو الأرض التي  تشمل المجال الأخلاقي بصفة عامة والطبيعة الأساسية للدولة بصفة خاصة التي هي الإرادة الإلهية.

فالدولة هي الإرادة الإلهية بمعنى أنها الروح الموجودة على الأرض التي تفض نفسها لكي تتخذ الشكل الفعلي المنظم في العالم، غير أن هيغل يوضح مسألة متعلقة بأساس الدين الأصيل، القائم على الحق الأصيل الذي لا يمكن أن يسير في طريق معارضة الدولة بطريقة سلبية أو أخلاقية، بمعنى هو هيغل يتجاوز وصاية الدين الذي نجعل منه أساس نوايانا ومقاصدنا، وأساس ما نثبته وما نقرره، مما يصعب علينا أن نتوجه إليه بالنقد، بل إنه على العكس سوف يعترف بالدولة ويعمل على تثبيت دعائمها وسوف يكون له بالإضافة إلى ذلك وضعه الخاص وتنظيمه الخارجي.

إن أساس العلاقة بين الدولة والكنيسة، وتحديد هذه العلاقة مسألة بسيطة، فمن الطبيعي أن تقوم الدولة بتأدية واجبها عندما توفر الكنيسة كل حماية ومساعدة حتى تحقق غاياتها الدينية، غير أن هذا الأمر لا يعني أن على الدولة أن تفرض على الأفراد الخضوع للكنيسة، بقدر ما يفسح المجال لحرية الأفراد في اعتناق الدين الذي يناسبهم. يقول: "فما دام الدين هو العنصر المتكامل والمعلم للدولة، وهو الذي يغرس الإحساس بالوحدة في أعماق نفوس البشر فإن الدولة في استطاعتها أن تطلب من جميع المواطنين الانضمام إلى الكنيسة، أي كنيسة مهما يكن نوعها، لأنه مادام مضمون إيمان المرء يعتمد على أفكاره الخاصة فإن الدولة لا تستطيع أن تتدخل فيه، إن الدولة التي تكون قوية بسبب نضج تنظيمها تستطيع أن تكون تحررية أكثر في موضوع مضمون الدين هذا، بل إنها لتستطيع أن تتغاضى تمامًا عن تفاصيل الممارسات الدينية المرتبطة به، وهي تستطيع أن تتسامح أيضًا مع نحل أخرى، وإن كان ذلك يتوقف بالطبع على أعضائها، تقوم على أسس دينية مختلفة برفض الاعتراف حتى بواجباتها المباشرة تجاه الدولةّ. وما يبرر الموقف الليبرالي للدولة هنا هو أنها تنقل أعضاء هذه النحل إلى المجتمع المدني وقوانينه، وتقنع إذا ما حققوا واجباتهم المباشرة تجاه الدولة على نحو سلبي وذلك مثلا عن طريق الاستبدال، أي إنجاز خدمة بخدمة أخرى. 

من  خلال ما سبق، تبقى من أهم الأمور التي سلط عليها ماركس نقده بخصوص الفلسفة الهيغيلية، نجد مسألة الدولة والدين في المرتبة الأولى، حيث يناقش ماركس الطروحات الهيغيلية في شخص الفيلسوف  "برونو باور"  (Bruno Bauer) الذي يعد من تلاميذ هيغل، ويرفض طرح الأخير حول أولوية التحرر السياسي على التحرر الديني، ذلك أن "برونو" يرى أن الدولة يمكنها أن تكون حرة دون أن يكون الإنسان حرًا، وبالتالي فإنه من الممكن أن تتحرر الدولة من الدين في حين تظل أغلب الجماهير متدينة فهذه الأخيرة لا تلغي بدينها، لأنها متدينة على مستوى خصوصي.

في مقالة، الصادرة سنة 1843 تحث عنوان حول مسألة اليهودية، سيشرع ماركس فعلاً في نقد الأطروحة التي دافع عنها الفيلسوف "الهيغيلي الشاب" "برونو باور" Bruno Bauer 1809 -1882 والتي مفادها: أن التحرر الديني داخل الدولة البروسية والذي تنادي به بعض الطوارئ اليهودية، لن تقوم له قائمة ما لم يتحقق التحرر السياسي لألمانيا قبل ذلك، والخلاصة أن حجة باور هي أنه مادامت الدولة  البروسية دولة مسيحية، فإنه لا جدوى من الأمل في تحقيق أي تحرر ديني، فالدولة المنتظمة وفق مبادئ دينية لا يمكنها بهذا الخصوص، أن تعترف إلا بحالات استثنائية مادامت لا تستطيع الاعتراف بهذه الحالات إلا لأفراد كذوات دينية وليس كذوات سياسية أو كمواطنين.

ولكي يتم الاعتراف بالتحرر الديني سياسيًا، يتعين أن تتحرر الدولة نفسها وبالضرورة من كل ديانة كيفما كان نوعها، وسيتمكن هذا التحرر السياسي بالتالي من جعل مطالب هذه الطائفة الدينية أو تلك، مجردة من كل دافع.

سينتقد ماركس هذه الأطروحة من جانبين: أولهما أن "باور" لم يعمق نقده للاستيلاب الديني لأنه جعله محصورًا داخل نطاق النقد السياسي للدين، بمعنى أن اهتمام باور بالنسبة لماركس لتصور سياسي للتحرر من الدين، أغفل مشكلة "التحرر الإنساني". من هذا الشكل من الاستيلاب، ثم ثانيهما، أن نقد كارل ماركس، أقر في الواقع بالتحقق الكامل للدين في الحياة الطبيعية للأشخاص وهو التحقق الذي لا يحتاج إلى ديانة الدولة.

إن ما يرفضه ماركس في شخص "برونو باور" هو أولوية التحرر السياسي على التحرر الديني، ذلك أن برونو يرى أن الدولة يمكنها أن تكون حرة دون أن يكون الإنسان حرًا، وبالتالي فإنه من الممكن أن تتحرر الدولة من الدين في حين تظل أغلبية الجماهير متدينة.  فهذه الأخيرة لا تلغي تدينها، لأنها متدينة على مستوى خصوصي. وعلى هذا الأساس انتقد كارل ماركس هذا الطرح بالسلب ورفضه.

فحينما طالب باور بالتحرر السياسي للدين، فإنه أقر بتمييز واضح بين مجالين (العمومي، والخصوصي)، أي مجال الدولة ومجال المجتمع المدني، ومثل هذا التمييز الذي كان قد سبق أن أكده هيغل وقبله روسو، هو بمثابة قطيعة داخل الوجود والوعي الفرديين، بين الانتماء السياسي والوجود الاجتماعي، وهي القطيعة التي ستكون بمقتضاها الحرية المعترف بها للأول متساوية مع الحرية الفعلية لدى الثاني، وهو ما يرفضه كانط بالقول: "فالاختلاف بين الإنسان المتدين والمواطن هو الاختلاف بين التاجر والمواطن وبين العامل المياوم والمواطن. وسيكون تناقض الإنسان المتدين مع الإنسان السياسي، هو مماثل للتناقض البورجوازي مع المواطن وهو التناقض نفسه الذي يجد فيه عضو المجتمع المدني ذاته مرتديًا زي السياسي المستأسد". 

إن ما تعنيه هذه السلسلة من المعادلات التي تتكرر فيها القطائع، هو بالضبط الاستيلاب الديني المتحقق كليًا والذي لم يعد في حاجة إلى التعبير عن ذاته داخل مضمون ديني، مادام يعلن عن الانقسام وأيضًا عن العلاقة داخل الفرد ذاته، بين الوعي بوجوده الاجتماعي والوعي بوضعه السياسي.

لم يتمكن "باور" من خلال إقراره بهذه القطيعة، من تعميق نقده، مادام لم يعمل في الأخير إلا على ترسيخ موقف ديني تجاه ما هو سياسي.

على هذا الأساس، نفهم المنطلق الذي دفع بماركس لتبني هذا التصور، عائد إلى كون الانسان سيمارس حياة مزدوجة، سماوية وأرضية ليس على مستوى الفكر والوعي بل في الحياة والواقع أيضًا، أي حياته داخل الجماعة السياسية التي يتأكد من خلالها باعتباره كائنًا جماعيًا وحياته داخل المجتمع المدني حيث يتصرف كإنسان خصوصي ويعتبر الآخرين كوسائل وينزل هو نفسه إلى مستوى الوسيلة ويصبح ألعوبة بيد القوى الخارجية. هكذا، تتصرف الدولة السياسية تجاه المجتمع المدني بطريقة روحية شبيهة بتصرف السماء تجاه الأرض. 

فالأسئلة المتعلقة بالدين، تطالعنا حسب "ريمون بودون"، (Raymond boudon) بمسار عقلنة مماثلة تظهر من خلال تزايد الاعتراف جيلاً بعد جيل بعدد من الحقائق هي: "ليس ما يمنع الكائن البشري من أن يطرح على نفسه أسئلة ميتافيزيقية لا تحظى بجواب مقنع منها على سبيل المثال: لماذا هناك وجود لا عدم... إلخ، التي يستحيل البرهنة من خلالها، أن جواب أي من الديانات الكبرى هو أفضل من جواب الديانات الأخرى. إن احترام أنظمة المعتقدات كلها هو المبدأ الوحيد الذي ينسجم مع قيمة جوهرية هي قيمة احترام الآخر حيث ينتج مباشرة من هذه المفاهيم أن فصل السلطتين الروحية والزمنية هو أمر حسن.  

يشير "جورج بالانديه"، أن ما من شيء، حتى الدين، إلا ويتجه أكثر فأكثر نحو الحياة الانسانية، هذا هو الدين الطبيعي، الذي يسعى بعيدًا عن كل التعاليم الرفيعة إلى جعل الناس يعيشون حياة ترضى الله، أو هو الدين الذي يحاول، حين يحافظ على صورته العقائدية الرفيعة أن يفسر مصير البشر بتعاليمه، ويتوخى بلوغ غايات الله في الإنسانية،  ولذلك يعتمد "بودون" برأي "فيبر" في الموضوع ليقول:

"إن أقدار المساهمات في مجال "انفكاك سحر العالم"، هي تلك التي قدمتها الديانة التوحيدية، في النهاية، بهذه العبارة المقتبسة من شيلر، أعلن فيبر بطلان السحر نهائيًا ومن المتعارف عليه عمومًا أن انفكاك السحر الذي يميز الحداثة مرده إلى النجاحات التي حققها العلم بنوع خاص، وإذا كنا لا نخطئ بمثل هذا الاعتقاد، فإن الديانة كانت طليعية في تهيئة هذه الأرضية. لقد كانت الغاية من إطلاق فكرة الإله الواحد الكلي للقدرة مع الديانة اليهودية إبطال الممارسات السحرية، حيث لا يفعل السحر فعله إلا إذا تصورنا الآلهة قابلة للتأثر، ولا يعقل أن تكون تلك هي حال إله كلي القدرة. ذلك ما تؤكده الديانة اليهودية القديمة بتكرارها هذه الصفة الإلهية مرارًا". 

إن الإقرار بأهمية الدين في الحياة المجتمعية، هو ما أكدته العديد من الدراسات الأنثروبولوجية، "حيث لا يمكن إنكار تداخل المقدس والسياسي في هذه الحالات، وهو تداخل بقي ظاهرًا في المجتمعات الحديثة المعلمنة التي لم تكن السلطة فيها أبدًا خالية من محتواها الديني الذي يبقى حاضرًا مختصرًا ومكتومًا، وإذا لم تكن الدولة والكنيسة إلا شيئًا واحدًا، في الأصل، أي عند نشأة المجتمع المدني كما لاحظ "هربرت سبنسر" في كتابه "مبادئ علم الاجتماع"، فإن الدولة قد احتفظت دائمًا بشيء من طابع الكنيسة تقريبًا حتى ولو كانت قد بلغت نهاية مسار طويل من العلمنة، من طبيعة السلطة نفسها أن تحتفظ بشكل ظاهر أو مقنع بدين حقيقي سياسي وبهذا المعنى، ودون أن يكون لقوله بريق المفارقة فقط، يؤكد "لوك دي هوش" (De luck de Heusch) أن علم السياسة تابع لتاريخ الأديان المقارن.

يحاول "آلان ثوران" (Alain Touraine) تقديم وجهة نظر مغايرة، بالقول إنه إذا لم يحدث اندماج المطالب الاجتماعية بخلاف ذلك، إلا على المستوى السياسي فكيف لنا أن نتكلم على ديمقراطية تمثيلية؟ لسوف نقترب في تلك الحال مما هو مضاد للديمقراطية اقترابًا خطيرًا، أي من المجتمع السياسي الجماهيري، فالروابط بين الحياة الاجتماعية والحياة السياسية ليست فقط روابط مباشرة، فهي تمر عبر وسطاء وائتلافات ونواد وصحف ومجلات ومجموعات ثقافية، تقوم بتوجيه الاختيارات السياسية وتساهم بشكل مواز في صياغة ما تعرفه الأحزاب السياسية في ميادين عديدة من الحياة الاجتماعية. 

للبرهنة على أن فصل الدين عن الدولة لا يتعارض مع كليهما، يورد "مارسيل غوشيه" مجموعة من الأدلة: 

فالتردد بحجة الاقتراع العام والتذبذبات التي شهدها نظام المجلس، لن يبعدًا عن الهدف السامي الذي يقضي بحصر السلطة الجماعية في الدولة، بل سيغذيان مذهبها، غير إننا نبقى، هنا في نهاية الأمر ضمن نطاق ما يسمح بفهمه المنطق الصحيح للمبادئ، وقد عرفنا منذ "روسو" التحالف الذي يجمع بين الحكم المطلق للفرد والسيادة المطلقة للكل، وما يثير الدهشة أكثر من ذلك هو أن تحرير الجمهورية أي إعطاء الاستقلالية الذاتية للحقل العام في داخلها على أساس الانضمام الحر، كان بإمكانه المساعدة للوصول إلى النتيجة ذاتها، ومع ذلك هذا ما حصل. إن الاعتراف بمؤسسة تتمتع بالحرية التامّة في تحركاتها خارج نطاق الحقل السياسي لم يؤد إلى زعزعة هيئة الدولة أو إلى خلق مشروع يحد من سلطتها، بل توصل، بخلاف ذلك، إلى إعادة بناء تفوق السلطة العامة والنقابات، وبطريقة أكثر شمولية تكتل المصالح والتنظيم المهني؟

 ألا تؤدي إلى الحاجة الماسة لمن يمثل الصالح العام ويحالم في أمره بعد أن تعبر المصالح الخاصة المشروعة عن ذاتها؟ والأحزاب؟ أو بالأحرى ألا يجعل وجودها اللجوء إلى حكم غير منحاز وإلى من يضمن التواصل المشترك أمرًا ضروريًا؟ 

حثى يوضح "غوشيه" موقفه يضيف: ليس بإمكان تعاويذ من الماضي أن تعيد الحياة إلى قواعد وأصول تذوي وتنهار لأنها نجحت في السابق، إنه موت لا عودة منه، فهو يلغي كل إمكانية للولادة من جديد. لقد أنجزت مهامها إلى درجة أن زوال غريمها يفقدها علة وجودها، ولن يكون باستطاعة شيء أن يعيد الطاقة الروحية القديمة إلى كهنوت المواطن، ولا إلى جلال الدولة الأخلاقي، ولا إلى التضحيات على مذبح الشأن العام. لقد فقدت هذه الأدوات نهائيًا وظيفتها، ولم يعد هناك من حاجة إلى إقامة دولة الإنسان في وجه السماء. نحن الآن بصدد تعلم سياسة الإنسان من دون السماء، ليس مع السماء، وليس مكان السماء، وليس ضد السماء. هذه التجربة لا تكف عن بعث الحيرة في النفوس. 

بما أن أساس المناقشة الفكرية هو الفكر الحر، وبما أن هذا الأخير مستحيل من دون حرية سياسية أيضًا وبما أن هذه الأخيرة شرط مسبق للاستخدام العقلي لكل فرد، فإن "كارل بوبر"، في إطار توضيحه ما فهمه من العقلانية والتنوير، ولماذا تتطلب العقلانية حرية الفكر والحرية الدينية واحترام الآراء الصادقة للآخرين وأخيرًا الحرية السياسية، فهو ينفي أن تكون العقلانية وحدها من تحب الحرية، أو تستطيع تسويغ مطلب الحرية، بل على العكس، فهو يعتقد أن هناك مواقف أخرى، ولا سيما المواقف الدينية، تتطلب حرية الضمير، ومن هذا المطلب وصلت إلى احترام رأي الآخرين وتسويغ مطلب الحرية السياسية ، وعلى هذا الأساس نجد بالمثل عند "كازانوفا" أن الدين غالبًا ما كان ومازال حصنًا بمواجهة "جدلية التنوير" وحاميًا لحقوق الانسان والقيم الانسانية ضد النطاقات العلمانية ومطالبها المطلقة بالاستقلالية الوظيفية الداخلية، والحق يقال إن الدين قد يصلح كذلك حصنًا ضد مزاعم نظرية الأنساق بأن المفهمات الإنسانوية الذاتية المرجعية هي مغالطات نظرية، أي أن الدين قادر على التصدي لكل مقولات ما بعد الإنسانية وما بعد التاريخ. 

فالدين على هذا الأساس، يمكن أن يساهم في تطوير المجال العام إذا احترم معايير خاصة، وهي أن الدين يجب ألا يحصر دوره في حماية حريته الدينية، بل يتعداه لحماية كل الحريات والحقوق الحديثة حيث يدخل الدين النطاق العام لمسائلة الاستقلالية المشروعة المطلقة للنطاقات العلمانية ومطالبها المطلقة بالاستقلالية الوظيفية الداخلية، وادعائها الانتظام وفقًا لمبادئ التمايز الوظيفي، بغض النظر عن الاعتبارات المعنوية أو الأخلاقية الخارجية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية وجب على الدين المشروع التدخل في نطاق حماية الحياة الدنيوية التقليدية من تدخل الدولة، الإداري أو القانوني.

بناءًا على ما سبق، يفسح المجال لإرادة الذوات النقدية العامة والجماعية لأخلاقيات الخطابية الحديثة، حيث يفيد الدين في هذه الحالات في تشكيل نظام سياسي واجتماعي ليبرالي، وفي إظهار حدود النظام السياسي والاجتماعي الليبرالي ونقده ومعارضته لذلك فالعلمنة هنا أنواع وجب الفصل بينهما حسب "كازانوفا" فالعلمنة بصفتها فصلا مؤسسيًا بين الدوائر الدينية والزمنية، والعلمنة باعتبارها، مظهرًا لتراجع وانحسار المعتقدات والممارسات الدينية والعلمنة باعتبارها، انحطاطًا للدين في دائرته الخاصة، وعلى هذا الأساس يقول "كازانوفا": "لا بد كذلك من أن تكون نظرية العلمنة معقدة بما فيه الكفاية لتعليل المصادقة، التاريخية باحتمال وجود أشكال مشروعة للدين، "العام" في العالم الحديث، تضطلع بدور سياسي ليس بالضرورة دور اندماج مجتمعي إيجابي، وباحتمال وجود أشكال من الدين، "العام"، تسمح بخصخصة الدين وبتعدد المعتقدات الدينية الذاتية". 

 

الهوامش:

1 - راجع فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، أورده، "بدوي عبدالرحمن"، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط.1، 1996 ص 174.

2 - نفس الصفحة والمرجع.

3 - أنوود، ميخائيل، "معجم مصطلحات هيجل"، ترجمة وتعليق، إمام عبد الفتاح إمام، المشروع القومي للترجمة، (د، ت)، ص 476.

4 - هيغل، أصول فلسفة الحق، المجلد الثالث، تر: إمام عبدالفتاح إمام، مكتبة مدبولي القاهرة سنة 1996، ص 516.

5 - نفسه ص 519.

6 - عن: بلان، غيوم سيبرتان (sibertin-blanc: Guillaume) "الفلسفة السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ترجمة عز الدين الخطابي، مراجعة جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط 1، 2001، ص 119 - 120.

7 - نفسه ص 120.

8 - مرجع سابق، بلان، غيوم سيبرتان ( sibertin-blanc: Guillaume) "الفلسفة السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين ص 121.

9 - بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، (م. س)، تر، جورج سليمان، مراجعة، سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2010 ص 360.

10 - عبدالرحيم العلام، العلمانية والدولة المدنية، تواريخ الفكرة سياقاتها وتطبيقاتها، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، ط1، 2016م ص 316.

11 - مرجع سابق، بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، ص 185.

12 - وبهذا الصدد أعلنت فلسفة ماركس السياسية عن أبحاث علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وقدمت لها نقطة انطلاق عندما برهنت على وجود ازدواجية في كل مجتمع دولي مشابهة لازدواجية التي تقابل المدنس بالمقدس. "وما يجعل أعضاء الدولة السياسية متدينين، إنما هو ازدواجية بين الحياة الفردية وحياة العامة، بين حياة المجتمع المدني والحياة السياسية.

تحلل فلسفة ماركس السياسية طبيعة عظمة الدولة وتكشف التدين المفرط الذي يغمرها ويرى ماركس أن سلطتي الدولة والدين هما في جوهرهما من طبيعة مشابهة، حتى عندما انفصلت الدولة عن الكنيسة وحاربتها.

يقوم هذا التشابه الجوهري في الواقع على أساس وقوع الدولة، (أو يبدو أنها تقع) على مستوى أعلى من الحياة الواقعية في دائرة يوحي بعدها ببعد الإله أو الآلهة. وهي تنتصر على المجتمع المدني على طريقة انتصار الدين على العالم الدنيوي، يجب أن تكتمل هذه الملاحظات الأولية وتتحقق بتوضيح أكثر اندفاعا لطبيعة السياسي المقدسة وقد جعلته مساحات الأنثروبولوجيا ممكنًا.

 بلانديه، جورج، الأنثروبولوجيا السياسية، ترجمة علي المصري، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط.2، 2007م ص 128-129.

13 - تورين، آلان، ما الديمقراطية؟، ترجمة عبدو كاسوحة، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2000م ص 94.

14 - غوشيه، مارسيل، الدين في الديمقراطية، مسار العلمنة، ترجمة شفيق محسن، مراجعة بسام بركة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط 1، 2007م ص 66.

15 - نفسه ص 87.

16 - مرجع سابق، عبدالرحيم العلام، العلمانية والدولة المدنية، تواريخ الفكرة سياقاتها وتطبيقاتها ص 322

17 - كازانوفا، خوسيه، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط 1، 2005م ص 55.

18 - مرجع سابق، كازانوفا، خوسيه، الأديان العامة في العالم الحديث ص 55-56.

لائحة المصادر والمراجع

- راجع فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، أورده، "بدوي عبدالرحمن"، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط.1 1996

- أنوود، ميخائيل، "معجم مصطلحات هيجل"، ترجمة وتعليق، إما عبد الفتاح إمام، المشروع القومي للترجمة، (د، ت)

- بلان، غيوم سيبرتان (sibertin-blanc: Guillaume) "الفلسفة السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ترجمة عز الدين الخطابي، مراجعة جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط 1، 2001

- بودون، أبحاث في النظرية العامة في العقلانية، (م. س)، تر، جورج سليمان، مراجعة، سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2010

 - عبدالرحيم العلام، العلمانية والدولة المدنية، تواريخ الفكرة سياقاتها وتطبيقاتها، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، ط1، 2016م

- بلانديه، جورج، الأنثروبولوجيا السياسية، ترجمة علي المصري، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط.2، 2007م

- تورين، آلان، ما الديمقراطية؟، ترجمة عبدو كاسوحة، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2000م

- غوشيه، مارسيل، الدين في الديمقراطية، مسار العلمنة، ترجمة شفيق محسن، مراجعة بسام بركة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط 1، 2007م

كازانوفا، خوسيه، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط 1، 2005م

- هيغل، أصول فلسفة الحق، المجلد الأول، الثاني، الثالث، تر: إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي القاهرة سنة 1996


عدد القراء: 266

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة عبد المنعم الكزان من المغرب
    بتاريخ 2020-10-05 23:56:49

    موفقة دكتورة جهان، أجدني سعيد جدا بمجهودك، الفكري، في مقاربة إشكال "العلمانية" من هيغل وماركس....و غوشيه ،هي أفكار تحتاج إلى التبيئة في تربة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، باستحظار ثقافة المجتمع، وإن كانت، الفلسفة هي ثورة عن الثقافة في حد ذاتها، ثورة على الرمز والمعنى والدلالة ،ثورة على اليقينيات والمشهورات، ليجد الإبداع مكانه. إنه نقاش جد مهم في حاضرنا هنا ولأن موفقة مجددا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-