روجيه غرينييه مهندس دار غاليمار للنشر يتنزه في قصر الكتب!الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-10-02 00:53:01

شيار شيخو

أربيل – العراق

الكتاب: "قصر الكتب" 

المؤلف: روجر جرينير

المترجم: زياد الخاشوق

الناشر: دار المدى

عدد الصفحات: 183 صفحة

تاريخ النشر: 2018

«يكتب المرء لكي يكون محبوبًا، ويقرأ دون أن يحصل على ذلك الحب».

 بهذه الجملة المستفزّة للناقد رولان بارت يشرع روجيه غرينييه في كتابة أحد مقالاته الملفتة بعنوان: «لكي تكون محبوبًا»، المُدرَج ضمن مؤلَّفه الشيِّق الذي شيَّده بخبرته الكبيرة في عالم الكتب باسم «قصر الكتب». لكن هل سيحصل روجيه على الحب أم لا عندما تقرأ أعماله؟ لا شكَّ أنَّ الإجابة على هذا السؤال سيحدِّدها أولاً وأخيرًا القارئُ الذي يحاولُ المؤلِّفُ الوصولَ إلى قلبه وعقله، عبر هذا الكتاب الملهِم متعدِّد الهويّة الذي يساهم من خلاله غرينييه في تغذية هذا النوع الجديد الشيِّق من الكتب، كتب القرّاء أو خبراء القرّاء أو تجارب القراءة، سمّوها ما شئتم، هذه الفكرة الجمالية التي باتت تخترق الأعمال الأدبية بقوَّة في التاريخ المعاصر للكتّاب. إلا أنّه وبالرغم من حداثته وعدم تصنيفه يُعَدُّ من حيث الفكرة شكلاً قديمًا بقِدم عادة القراءة ذاتها، فمنذ أن بدأ البشر الدخولَ إلى عالَم القراءة أخذوا يحتفظون بتجاربهم مع الكتب سواء كان ذلك عبر التوثيق أو الاحتفاظ بالكتب كما هي مع تحديد بصمات لذكرى قراءتها، أخذت هذه العادة بالتطور على نحو أوسع حيث خرجت القراءات المؤرشفة من خزائنها ودفاترها لتحيا من جديد عبر النشر في كتبٍ تجمع أكثر من كتاب ومؤلف وقصَّة وفكرة ضمن كتابٍ واحدٍ أو اثنَين لعكس تجارب الحياة على قرّاء آخرين. تتميّز هذه الأنواع من الكتب بأسلوبها الشيِّق وتمتّعها بالتنوُّع ومصارعة الملل بالإضافة لغزارة المعلومات، في أعمال أدبية سِيَريَّة متنوعة باتت تشدّ القراء إليها على نحو واسع، ولا سيَّما تلك الكتب التي يخطُّها عُشّاق القراءة ومريدوها أمثال ألبرتو مانغويل الذي يلقَّب بالرجل المكتبة وصاحب كتابنا هذا روجيه غرينييه. هذه النوعية الجديدة من الكتب تضيفُ لقيم الثقافة الإنسانية ثقلاً معرفيًا مكثَّفًا خادمًا لفكرِ ولُبِّ كلِّ مُطَّلِع.

العم روجيه غرينييه، مَن غيرُه يستحقّ هذا اللقب المبجَّل؟ الذي يُطلَق عادةً على شخصٍ خَبِرَ الحياةَ لا بسنين عمره وحسب بل بتجاربه وطريقة تعاطيه مع الحياة بحساسيةٍ مرهَفة وفِكرٍ حاذِق، العم الذي تجوّلت عيناه كثيرًا في الزمن، زمن غير مستقطع لرجلٍ يملؤه الشغف نحو الحَرف واللغة بكل ما تحملانه مِن معانٍ وصدى، يحاول مطاردةَ الحب والوحشة والأشباح والملائكة والبشر والشياطين والآلهة والحقيقة والوهم، وجمعَم في كلٍّ واحدٍ متنوِّعٍ لأجل المساهمة في تحمُّل إشكالية وجودنا المنشطِر بتفريغ هذا الثقل على الورق الذي يفصل ويوصل في آنٍ واحد ما بين الحياة والموت. هذا الشكل المنفرد لأكثر من حياة جسَّدَهُ العم غرينييه عبر الكتابة والقراءة كهواية وحب ومهنة فعطاء، وذلك منذ أن وُلد سنة 1917 إلى أن توقَّف قلبُه عن النبض في 2017 حيث عاش قرنًا كاملاً من الزمن قضى أكثر من نصفه في القراءة والكتابة، ونالَ العديد من الجوائز على مجموعة قيمة من المؤلفات بلغت نحو 50 كتاباً متنوعًا، مكتسبًا الشغف والحب والخبرة ضمن عمله كعضو في لجنة القراءة لدى دار غاليمار الفرنسية للنشر منذ عام 1964، هذه الدار الشهيرة التي تأسست في باريس عام 1911 على يد غاستون غاليمار تحت اسم دار نشر المجلة الفرنسية الجديدة بالتعاون مع الكاتب الفرنسي المرموق أندريه جِيد، لذا ليس من الغريب أو الصدفة لدى خبير القراءة العم غرينييه مخزونُه المعرفي الهائل المتراكم في عقله ولاشعوره، الجاري في دمه كحبرٍ لا ينبض على الورق، أن تكونَ مساحتُه المفضَّلةُ للرَّقص في الحياة هي عبر قراءة آلاف الكتب لدار نشر بأكملها، بالإضافة إلى منشورات بعض الدور الأخرى مشيدًا بذلك قصرًا من الكتب، وهو عنوان الكتاب الذي ترجمه زياد خاشوق من إصدارات دار المدى كإضافة مميزة إلى المكتبة العربية التي يقلُّ فيها وجودُ مثل هذه النوعية غير المألوفة من الكتب إلى حدٍّ ما لدى القرّاء باللغة العربية. يجمع الكتاب في عدد صفحاته القليلة حَيواتٍ فكرية وأدبية عظيمة من خلال نزهات مشوِّقة لروجيه في عالم القراءة مع فتح نافذة على شتى ميادين الحياة، يطلِّ من خلالها أبطالُ القرون الوسطى وفرسان الملاحم ونسَّاجوا الفكر والرؤى من أشهر الكُتَّاب والمفكرين، حيث ينقل إلينا المؤلِّف بحنكته تأثيرَ هؤلاء الكُتّاب عليه بنظراتهم ومواقفهم ونقدهم تجاه أشكال وأحداث الحياة، ويحاول أن يقارن بين أوجه نظر كبار الأدباء في أفكار معينة بطريقة مبتكرة تُدغدِغُ الفكر الحسَّاس للقارئ عبر مجموعة مقالات سبق وأن نشر البعض منها في مجلة التحليل النفسي الجديدة ومجلة العلوم الإنسانية، ويضيف المترجم زياد الخاشوق حول هذا الكتاب أنه حصيلة قراءات طويلة ومتنوعة قام بها الكاتب وجمع من خلالها العديد من الملاحظات والاقتباسات ممّا قرأ.

لا شكَّ أنّ من بين الأمور التي تميِّز هذا الكتاب هو الأسلوب المرن والذكي الذي يتمتع به المؤلف ويتَّبعه في جذب نظر القارئ بكلّيتَيه الشاعِرة والمفكِّرة، فبمجرَّد أنْ تشرع بالاطِّلاع على عناوين مقالات الكتاب ستأخذك الدهشة لما تحتويه من كلماتٍ ومَعَانٍ مكثَّفة موضوعة كسقفٍ مفتوح على السماء فوق أحداث وأفكار متحركة تستدعي التأمل طويلاً، مثل: (موطن الشعراء، الانتظار والأبدية، الرحيل، الحياة الخاصة، نصف ساعة عند طبيب الأسنان، اللامكتمل، لكي تكون محبوبًا). كذلك بعض العناوين الفرعية، ومنها: (الرواية والذاكرة، أنا نحن هو، مذكرات واعترافات، المفاتيح). ويتمثَّلُ سرُّ جاذبية هذه العناوين في كونها محرِّضة على التفكير، وتظلُّ عالقةً في الذهن طيلة قراءة المقال، وسابحةً في كل كلمة ومعنى من الفكرة التي يرمي إليها الكاتب، حيث نجده في مقاله الأول بعنوان «موطن الشعراء» يتحدث عن كيفية التأثير المهمّ لحادثةٍ أو حوادِث على الكُتّاب من أمثال ديستويفسكي وستاندال وغيرهم، أولئك الكُتَّاب الذين استخدموا هذه الآلية في كتاباتهم، لِما للحوادث من تشابهٍ بآلية السَّرد والجمهور، فالحدث الصحفي يحتاج كما الأعمال الأدبية إلى بداية ومنتصف ونهاية. ولتوضيح هذه الفكرة يأتينا غرينييه بأمثلةٍ عِدَّة كمثال «حادثة أوديب»، القصّة التي ألهمت العالِم النفسي فرويد الذي بسط قصةً لم تكن في الأصل لتخلو من التعقيد وذلك بعد أن أخضعها إلى شيء من الترتيب. ويضيف غرينييه أن مقالات الصحف ورواية الحوادث تعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها الأدب، فعند سرده لقصة جيدة الحبكة يضفي شيئًا من الترتيب على العالم وهو ما يؤكِّده بول فاليري بقوله: «إنه يستحيل حصر جريمة ما في لحظة معينة»، كما ويشير روجيه إلى أهمية فكرة عدم تغيير طريقة تفكيرنا من الأسطورة الإغريقية إلى سرد الحادثة، إذْ لم يتطوَّر سوى طُرق التعبير.

هل ثمّة كمالٌ في أيّ شكل من أشكال الحياة؟ الجواب المألوف الذي وصل إليه الفكر البشري بتصوراته وتأمّلاته منذ خلقه تجاه المطلق يفيد باستحالة ذلك، يستعين غرينييه بهذه الفكرة القلقة بالإشارة إلى محاكاتها في الأدب ضمن مقال آخر شيِّق من مقالات قصر الكتب تحت مسمى «اللامكتمل»، فيحدد أنّ اللامكتمل في الأدب والفن ينتهي في معظم الأحيان بأن يكون عملاً صادرًا بعد الوفاة، كما في رواية «القصر» لكافكا التي تركها غير منتهية بالفعل، كذلك الأمر بالنسبة لرواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود» التي طُبع جزءٌ منها بعد الوفاة والتي يمكن اعتبارها منتهية أو غير منتهية على غرار الحياة، لكن علينا ألّا نخلط بين غير المنتهي والمهمَل بحسب غرينييه، مثال ذلك رواية «لوسيان لوين» التي أهملها ستاندال عندما علم بعدم إمكانية نشرها، بينما أغلب الأعمال التي قد لا يكون لها نهاية وتأتي غير مكتملة قد تكون مذكرات وسِيَرًا، سواء كان ذلك عن قصد أو ظرف طارئ خاص بهذا الجنس الأدبي، وهو الرحيل عن الحياة وتركُها للموت في المكان الذي توقفت عنده، كما أن هنالك بعض الأعمال الأدبية التي تُترك بشكل مقصود دون اكتمال أو نهايات. وهذا المرض، أي عدم الاكتمال، لا يصيب فقط الفنانَ والمبدع ولكن أيضًا المستهلك، أي القُراءَ والمُطلِّعين، الجمهور الذي قد يترك العرض في أية لحظة دون اكتمال الصورة. ويطرح غرينييه سؤالاً بالِغ الأهمية في نهاية هذه الفكرة قائلاً: ما هو الأسوأ، أن يكون الشيء منتهيًا أم غير منتهٍ؟ في طريق جبلي يشرع كلبٌ غريبٌ بملاحقتك ثم فجأة يعود أدراجَه، لم تَعدْ ذا أهمية بالنسبة له.

لم يُغفلْ غرينييه أيضًا الحديثَ عن أثر الحب وأهميته وقيمته لدى الكتّاب ولا سيّما في الأدب، فالحياة بلا حبّ لا يمكن أن تُطاق، كذلك الأدب من دون الحبّ صعبُ التذوُّق والهضم. كتَبَ عن قيمة الحب في مقالة بعنوان «كتابة الحب، أيضًا...»، حيث يوضح أن الحب ينتمي إلى المجال الحميمي وهذا لا يمنع أن يكون الحب موضوعًا خالدًا من مواضيع الإلهام الأدبي، ويشير إلى استعانة الكتّاب بالحب في العديد من النماذج الأدبية، فيذكر منها أنّ ألكسندر دوماس ومعاونه ماكيه عندما وصلا إلى الفصل الأربعين من رواية «بعد عشرين سنة» لاحظا بشيء من الهلع أنهما لم يُدرِجا فيها قصة حب، في حين أن نجاح الفرسان الثلاثة قد نتج بالنسبة للكثيرين عن قصة الحب بين بوكينغهام وآن دوتريش، ويضيف أنه لا يرى سوى مثالٍ واحد لرواية معاصرة غابت عنها النساء، رواية «الطاعون» لكامو، ويشدِّد غرينييه في ختام هذا المقال بالقول إنّ أفضل ما يمكننا أن نتمناه لكتبنا هو أن تصبح بهذا الشكلِ كلماتِ مرورٍ تبقى وتستمرّ، حتى في حال تعذُّر الخلود، كذخائر ثمينة في ذاكرة العُشّاق.

هذا الكتاب يُلهِم كلَّ قارئٍ يمسّه، ويزوِّده بمعلوماتٍ فَذّة تحرِّض على التفكير وتستعيد نبضَ ذاكرته لأعمالٍ جميلة سبق وأن قرأها، وفي الوقت ذاته يفتح الآفاق بشغفٍ نحو التخطيط لقراءات جديدة... «في كل هذه الكتب يبدو لي أنّ أوّل الأفعال التي لا يمكن فصلُها عن الانتظار هو القراءة، تمضي العينان على امتداد السطور وينتظر الفكر أنْ تتقدَّما وهو متشوِّقٌ لمعرفة ما سيحصل بعد ذلك»، بإمضاء روجيه غرنييه.


عدد القراء: 72

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-