الاحتلال الإيراني لسورية: الممارسات والمواجهةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2020-10-02 00:58:25

د.ياسين عبد الله جمّول

سوريا

الكتاب: "الاحتلال الإيراني لسورية الممارسات والمواجهة "

المؤلف: مطيع البطين

الناشر: مكتبة الأسرة العربية – إسطنبول

تاريخ النشر: 2020

عدد الصفحات: 184 صفحة

مع امتداد الثورة السورية وافتضاح التدخل الإيراني إلى جانب نظام الأسد ضد الشعب، ومع التدقيق في حجم النشاط الإيراني داخل سورية؛ يتبيّن للمتابع حقيقة المشروع الإيراني الاحتلالي في سورية؛ فمع مصادرة إيران قرار النظام السوري السياسي دخلت عبر أدوات كثيرة مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، بما يؤكد سعي إيران لتغيير الهوية السورية بما يتوافق مع مشروعها التوسّعي في المنطقة. ومع انكشاف المشروع الإيراني الذي يتجاوز التدخل العسكري إلى جانب قوات الأسد ضد المعارضة السورية الوطنية أخذت مراكز ومواقع سورية معارضة في نشر أبحاث ودراسات عن التغلغل الإيراني داخل سورية؛ لكن الكتاب الذي صدر في نهاية شهر حزيران/2020 بعنوان: (الاحتلال الإيراني لسورية: الممارسات والمواجهة) للمهندس مطيع البطين كان الأشد وضوحًا وجرأةً في وصف التدخل الإيراني بـ"الاحتلال".

وقد جاء الكتاب في ثلاثة فصول بعد مقدمة جاءت موجزة أقرب للإنشاء منها إلى الموضوعية، ثم أفرد بعدها للباعث على تأليفه الكتاب فأوجزها بخطورة التغييرات التي يُحدثها الاحتلال الإيراني في سورية وتفرّق الكتابات في الموضوع وأهمية الدراسات التي تبيّن سبل المواجهة.

وكان الفصل الأول: حقيقة المشروع الإيراني، وفيه: الاستيطان (التهيجير القسري)، وتغيير الهوية، ونشر الطائفية والعدوانية، ونشر التشيع. ثم أهمية سورية في المخطط الإيراني، وفيه: مسألة المظلومية ومشروع إيران الجيوسياسي والهلال الشيعي، ودور المرجعيات الشيعية في تشييع سورية، وأهم المدن السورية المستهدفة في المخطط الإيراني، وهي دمشق ثم حلب ثم حمص وريفها. وجاء الفصل الثاني: الأساليب التي تتبعها إيران لتنفيذ مخططها في سورية، وفيه: الأساليب الإعلامية، والأساليب الثقافية، وأساليب الإغراء بالمال والمساعدات، والأساليب الاقتصادية، والاستثمار في شخصيات النظام الحاكم، وأساليب الخداع والتستر بالشعارات، والأساليب العسكرية، والأساليب التربوية والتعليمية، وأسلوب التغيير الديموغرافي، والأساليب الاجتماعية. وفي آخره أبرز نشطاء ودعاة التشيع في سورية. والفصل الثالث بعنوان: مواجهة المخطط الإيراني المقدمات والأدوات، وفيه: كيف نواجه مخطط إيران ونُفشله؟ مع بيان أحداث ومواقف ساهمت في مواجهة التشيّع وفضحه. وكيف تتم المواجهة والإفشال؟ وذكر الكاتب من أدوات المواجهة: الذراع الإعلامي، والعلماء والدعاة، والتوثيق، والمقاومة، والعشائر، والحقوقيون والمنظمات الحقوقية، والسياسيون والهيئات والأحزاب السياسية السورية. ثم كانت خاتمة الكتاب.

ولا يزري بعض الاضطراب في ترتيب المواد ضمن الفصول بالكتاب؛ فالكاتب حشد الكثير من الممارسات والأدوات التي تثبت حقيقة المشروع الإيراني بوصفه احتلالاً لسورية، فلا عجب أن تحمل أول فقرة في الكتاب عنوان: الاحتلال الإحلالي (الاستيطان)، فيسرد المناطق التي عملت إيران بشكل مباشر على تهجير الناس قسريًا فيها، فمنذ 2013 بدأ مسلسل التهجير بطرد حزب الله – وهو الأداة الإيرانية في المنطقة – أهالي القصير في ريف حمص بعد تدمير جزء كبير منها، وما يسلك هذا التهجير ضمن الاستيطان هو ما يتبع التهجير من توطين عوائل موالية لإيران والنظام فيها، بل بدأت إيران بالتعاون مع نظام الأسد في حملة تجنيس لعناصر الميليشيات المقاتلة من العراقيين والأفغان واللبنانيين، إلى جانب الحملة الإيرانية في شراء العقارات والسيطرة على الأوقاف السنّيّة والمساجد وتنظيمها وفق النمط المعماري الإيراني؛ حتى غدت مراكز كثيرة كما وصفها بعض السوريين "كأنها قطعة هاربة من أرض فارس"؛ ولعل هذا ما حمل البطين على استعارة لفظ "الاستيطان" الذي يرتبط في الذاكرة العربية بالاستيطان الإسرائيلي في فلسطين بعد تهجير أهلها منها.

ومن خبرة المهندس مطيع البطين بالحياة السورية ومشاركتها المتقدمة في المعارضة الوطنية، بدءًا من مشاركته في المجلس الوطني السوري، وانتهاء بعضويته في المجلس الإسلامي السوري، وانتمائه لمهد الثورة في حوران؛ فقد أُتيح له متابعة أدوات إيران المختلفة وأبرز العاملين في خدمة مشروعها، دون أن يغفل حقيقة الهجمة الإيرانية التي تخلع عليها لبوس الدين والمذهب؛ لكنها ليست نشرًا لمذهب شيعي معروف في بلد غالبيته سنّيّة، بل هو تشيّع سياسي صادرَ المذهب وفق رؤية الولي الفقيه التي لا يوافق كثير من الشيعة أنفسهم عليها، فضلاً عن أهل السنّة. وهذا التشيّع السياسي هو ما تقتل به إيران التعايش بين أبناء البلد الواحد، وتعمل لربط أبناء الطائفة الشيعية في البلدان العربية بها؛ فيكونون في بلادهم وولاؤهم لها، وهذا ما أرادته في سورية عبر مشروع التشيّع الذي بدأته في وقت مبكّر في عهد الخميني وحافظ الأسد، ثم اشتدت به بعد الثورة السورية والتغوّل الإيراني في سورية، لتغيير هوية المجتمع وصبغه بصبغة فارسية تربط سورية بها، حتى وإن اضطرت لسحب ميليشياتها العسكرية وفق ما يطلبه المجتمع الدولي ضمن التسوية الشاملة للوضع في سورية؛ لذا أفرد البطين قسمًا كبيرًا من الفصل الأول لفضح مشروع إيران للتشييع في سورية وأبرز رموزه وأنشطة التشييع في أهم المدن السورية.

وفي حديث الكاتب عن الأدوات الثقافية لنشر مخططها التوسّعي في سورية تركيزٌ على ثقافة الكراهية التي ترسّخها إيران في بلد عُرف لقرون بالتسامح والتعايش؛ فالحرب في سورية لم تأخذ الطابع الطائفي إلا بعد تدخّل حزب الله – وهو أداة إيرانية تخريبية – وباقي الميليشيات العسكرية التابعة لإيران، وهي التي رفعت الشعارات الطائفية؛ بدءًا من احتلال عناصر حزب الله مدينة القصير وطرد أهلها منها، ورفعهم راية (يا حسين) فوق أحد أكبر المساجد السنّية في المنطقة. إلى جانب محاولات إيران الكثيفة في نشر لغتها وثقافتها الفارسية في سورية، وذلك عبر اتفاقيات مع نظام الأسد لإدراج اللغة الفارسية لغةً ثانيةً مع الضغط بورقة مشروع ترميم المدارس مقابل اعتماد اللغة الفارسية والموافقة على تولّي إيران طباعة المناهج الدراسية وتدريب المعلمين السوريين. وقد بدأت إيران بالفعل في المناطق التي سيطرت عليها الميليشيات التابعة لها في مناطق دير الزور والرقة شرق سورية، فأسست مدارس باللغة الفارسية ونشطت في ابتعاث الطلاب إلى إيران للدراسة.

ومن أساليبها في نشر مخططها وفق ما يذكر الكاتب المساعدات والإغراء بالمال؛ وهذا ما استطاعت به إيران ابتداءً استقطاب عناصر الميليشيات التابعة لها؛ فجاءت بالأفغان واللبنانيين والعراقيين تحت وعود بالمكافآت المالية والتجنيس والإقامة، مع دعوى الدفاع عن المقامات الشيعية، التي يكشف الكاتب في أكثر من موضع أن أكثرها مقامات مختلقة لم تثبت تاريخيًا، وإنما نجحت إيران باللعب بعواطف كثيرين مع التشيّع السياسي الذي تخترق به تلك المجتمعات وسياستها القوية في نشر الأكاذيب والدعاوى والتستّر بالشعارات.

ولا يغفل الكاتب في معرض تحليله أدوات المخطط الإيراني الاحتلالية في سورية عن اليد الصلبة التي ضربت بها إيران؛ فيذكر الأساليب العسكرية التي بدأت بإرسال قوات الحرس الثوري الإيراني للقتال إلى جانب الأسد؛ وقد أعلنها المرشد الإيراني صريحةً: "لو لم يقاتل الحرس الثوري الإيراني في سورية لكان القتال في المدن الإيرانية"، ثم تعدّى ذلك إلى ميليشيات أجنبية وعربية تعمل تحت لوائها، ويكشف الكاتب بالأرقام والصور ما اشتهر منها؛ كحزب الله اللبناني، ولواء فاطميون الأفغاني، ولواء زينبيّون الباكستاني، وعصائب أهل الحق وجيش المهدي العراقيين، ثم أسست إيران من أتباع مشروعها الطائفي ميليشيات عسكرية تقاتل باسمها، وأقامت لنفسها قواعد عسكرية على امتداد الأرض السورية ذكر منها الكاتب عشرين قاعدة بالأسماء والأرقام وبعض الصور. وإن كانت إيران تهتم أكثر ما تهتمّ ببوابات سورية الخارجية؛ لذلك ينشط الحرس الثوري الإيراني في مناطق دير الزور والرقة في الشرق على الحدود العراقية، لتضمن اتصال مناطق نفوذها بين العراق وسورية، ومن جهة أخرى يفرض حزب الله الإيراني الولاء سيطرته الكاملة على البوابة الغربية في الحدود مع لبنان، بعد سيطرته على منطقة القصير وجبال القلمون والغوطة الغربية، وأقامت إيران مع حزب الله قواعد عسكرية كبيرة جدًا حشدت فيها ترسانة من الصواريخ والقاذفات تحت الأرض في تلك المناطق الحدودية، ما يؤكد المطامع الإيرانية بالوصول إلى المياه الدافئة على المتوسط. وختم البطين هذا القسم بذكر أبرز خسائر إيران العسكرية من الجنرالات والقادة العسكريين والفنيين الكبار.

وفي حديث موجز يعرض البطين للأساليب التعليمية والتربوية لإيران؛ منها هيئات الكشّافة والشباب التي تنشط للاستحواذ على أطفال سورية وشبابها في مشاريعها التعليمية والدينية الطائفية وتعليم اللغة والثقافية الفارسية، ليكونوا جنودًا في مشروع "الولي الفقيه"؛ فلا عجب ما نراه في شوارع دمشق من مواكب اللطم التي يحمل فيها أطفال صور الخميني وخامنئي وقادة إيران وحزب الله يتجولون في شوارع عاصمة الأمويين يطلبون ثأرًا لآل البيت من قاتليهم الأمويين والنواصب، بعد أن غسلت إيران أدمغتهم ببرامجها الطائفية الحاقدة على العرب والسنّة. لتكمل حربها على التعليم بافتتاح فروع لجامعاتها في سورية؛ لاسيما جامعة المصطفى التي تُعد وفق تقارير من أهم مراكز تصدير الإرهاب والحقد، والجامعات التي تتبع للمرشد الإيراني بشكل مباشر، وأكثرها خارج سلطة الوزارات السورية ولا تخضع لأية رقابة أو إشراف؛ وإنما سهّل ذلك على إيران مَن دفعتهم لأعلى المناصب في وزارات الأوقاف والتربية والتعليم العالي، كالوزير السيد وهاني مرتضى والمفتي حسون.

وعلى نحو ما ابتدأ البطين كتابه بالحديث عن الاحتلال الإحلالي (الاستيطان) عاد في نهاية حديثه عن أدوات إيران للكلام على التغيير الديموغرافي، الذي تعمل عليه إيران مع التسهيلات من نظام الأسد في مناطق المعارضة التي خرجت على النظام؛ فطبّقت قواته بمساعدة إيران سياسة  الحصار والإنهاك بالجوع، حتى اضطرت للتسليم والقَبول بالتهجير القسري إلى الشمال، وبعد ذلك تدفع إيران بعوائل موالية لها لاستيطان هذه المناطق، بل جاءت بعوائل عراقية فأسكنتها في النطاق الحيوي حول دمشق؛ في إعادةٍ منها كما يظهر لتجربة حزب الله في لبنان وميليشياتها الطائفية في العراق، لتسهيل السيطرة على العاصمة ومصادرة أي قرار يخالف أهدافها.

ومما يميّز الكتاب كذلك ما فيه من الصور والوثائق والأرقام التي تؤكد حقيقة التغلغل الإيراني في سورية، وكذلك تأكيد الكاتب على سبل المواجهة بإيجابية تضمن إسقاط المشروع الإيراني الاحتلالي لسورية.


عدد القراء: 439

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة Aliaa من تركيا
    بتاريخ 2020-10-05 01:55:14

    لا أظن بأنه هناك من يلقي بالاً لكلام هذا الكتاب إلا قلة قليلة ولنسلم جدلاً أننا اطلعنا على كل محتواه وأخذنا بفحواه ما المنفعة؟؟ الثقافة!! أم أن من فكرنا سينبع فكرٌ ثوري ينقذ الوضع وينقذ ( الحال ) بالوطن؟!!!! من يسمعنا ومن سيهتم؟ إن أصواتنا مذبوحة وهي لم تخلق بعد، كل إنسان عندما يشعر أن كلمته أرخص من باقة فجل وأن حياته أرخص من أن تُثمن حتى( بيتباع ببلاش) لن يجد أهمية لرأيه ولا لإدلائه به الكاتب المهندس- البطين/ مشكور وأنت أيضاً دكتور ولكن أنا كغيري وعذراً سلفاً أرى ان التحدث بموضوع الوطن للعوام من أمثالي هو موت حتمي للفكر وعقم إختياري في رحم هذه الغربة التي نحن بها

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-