عشبة الحياةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-08-23 17:35:43

محمد بن عبدالله الفريح

كاتب ومفكر

جرت أحداث هذه القصة في منتصف القرن الثاني الميلادي في بلاد الحكمة العظيمة (الصين)، حيث كانت هناك امرأة عجوز بلغت من الكبر عتيًّا، وقد رأت السنين تمر سريعًا وابنها الوحيد يكبر بين عينيها، فعرضت عليه أن يتزوج من إحدى بنات قريته، إذ كانت لها رغبة شديدة في أن ترى أحفادها قبل موتها، ونزولًا على رغبتها وإلحاحها تزوج الابن إحدى بنات قريته الهادئة الوادعة، وما إن تزوج، وحضرت زوجته لتسكن مع زوجها في بيت كان يضم والدته المسنة، حتى بدأت الغيرة الشديدة تأخذ من راحة الزوجين وعلاقتهما كل مأخذ، فأبت زوجته إلا أن تصبر، وأخذت على نفسها عهدًا بأن تصبر؛ وفاءً لزوجها الذي كان يحسن معاملتها، ويرفق بها، ومرت الأشهر تلو الأشهر، والزوجة تصبّر نفسها إلى أن جاء اليوم الذي قررت فيه أن لا حيلة في استمرار حياتها إلا بالتخلص من هذه العجوز إلى الأبد، فأشارت عليها إحدى قريباتها بأن تلجأ إلى أحد حكماء القرية المجاورة، ومن الغد باكرًا انطلقت إلى القرية المجاورة، متذرعة بأنها سوف تحضر بعض البذور من بعض المزارعين هناك، سارعت خطاها نحو حكيم القرية، وعندما وصلت إليه وجدته شيخًا طاعنًا في السن، بأن ذلك في تجاعيد وجهه وعينيه الغائرتين، وما إن لمحها حتى طلب منها أن تجلس، وترتاح قليلًا، وتشرح له مشكلتها، فانفجرت تبكي بكاءً شديدًا، وقصت عليه قصتها منذ زواجها، وعلاقتها المتوترة مع والدة زوجها المسنة، وكيف أنها تسيء معاملتها، وتعاملها بكل احتقار، فقال لها: وما تريدين مني عمله تجاه هذه المشكلة؟، فقالت له: إنني قررت أن أتخلص من هذه العجوز نهائيًّا، فإن إحدى قريباتي نصحتني بزيارتك، فلديك حل سحري لمثل هذه المشكلات، فقال لها: ليس هناك ما يمنع من مساعدتك، ولكنَّ هناك شرطًا مهمًا يجب الالتزام به قبل الشروع في مساعدتك، فقالت له: إنني مستعدة لعمل ما تريد مقابل مساعدتي على التخلص من هذه العجوز، فقال لها: يجب في البداية أن تغيري طريقة معاملتك لوالدة زوجك؛ كي لا تلفتي انتباه الناس عند موتها، فيشك فيك زوجك ومَنْ حولك بأنك من قمت بقتلها، فوافقت على الفور، وقال لها أيضًا: خذي هذه العشبة السامة، وقومي بغليها كل يوم باكرًا، وأعطيها والدة زوجك قبل خروجك للحقل، واستمري على هذا الأمر أربعة عشر يومًا، بعد ذلك ستموت في اليوم الخامس عشر، بعد أن يكون السم قد سرى في جميع جسدها، وعلى الفور أخذت الزوجة العشبة، وانطلقت بها لقريتها تنتظر الصباح على أحر من الجمر، وما إن أشرقت شمس صبيحة ذلك اليوم حتى قامت الزوجة بغلي جزء من العشبة، وقدمتها لوالدة زوجها، ما أثار حفيظتها واستغرابها الشديدين من هذه المعاملة التي لم تعتد عليها!!

استمرت الزوجة على هذا المنوال سبعة أيام، وكأنها سبع سنوات شداد، عندها لاحظت أن والدة زوجها بدأت تتغير معاملتها لها بشكل غريب، وصارت تسأل عن صحتها وعن تعامل ابنها معها، وما إذا كان يسيء معاملتها، أو يرغمها على العمل بشكل مرهق؟، فقالت لها الزوجة: إنه على العكس من ذلك تمامًا، وبدأت الوالدة تتعامل مع هذه الزوجة، كما لو أنها ابنتها، وأصبحت تقف بجانبها عند نشوب أي خلاف مع ابنها، وتطلب من ابنها أن يحسن معاملتها، وتقول لابنها: إنها لو أنجبت بنتًا، فلن تكون في مثل هذه الزوجة لها في حسن معاملتها وصبرها، أطبق صمت رهيب على المكان بعد هذه الكلمات من والدة زوجها، وأخذ الخوف والرعب من الزوجة حدًّا بعيدًا، فهي تعرف أن السم يسري في جسدها، وسيقضي عليها في غضون سبعة أيام كما أخبرها الحكيم، فأصابتها الحيرة الشديدة، وتمكن منها الهلع، فهي لا تريد لهذه العجوز أن تموت، فالأمر الذي كانت تريد موتها من أجله انتهى الآن، ولكنها لا تدري ماذا تفعل، فأشارت عليها قريبتها السابقة نفسها بأن تعود إلى الحكيم، وتستشيره لعله يجد لها حلًّا ومخرجًا، على الفور ذهبت للحكيم تستنجده ليجد لها حلًّا، لكنه أخبرها بأن الأمر قد انتهى، وأن العجوز سوف تموت لا محالة في غضون سبعة أيام، وعليها أن تستعد لهذه المرحلة من حياتها، وقال لها: ارجعي لي بعد سبعة أيام لنرى ماذا سنفعل، سأبذل ما في وسعي، ولكن لا أعدك بشيء، رجعت الزوجة بخيبة شديدة وحسرة لا تدري ماذا تفعل، وجلست تنتظر مرور هذه الأيام الثقيلة جدًّا على أحرّ من لهب النار، وكلما اقترب الموعد بدأ قلبها يزداد خفقانًا؛ خوفًا واضطرابًا، وفي اليوم الموعود رجعت للحكيم لعله يجد لها مخرجًا مما وضعت نفسها فيه، فأجلسها الحكيم، وهدّأ من روعها، وقال لها: اعرضي على قصتك مرة أخرى، فعرضتها بشكل مختلف عن سابقتها من حيث ثناؤها على والدة زوجها، وكيف كانت رفيقة بها وحسنة المعاملة، وأنها تقف في صفها عند أي خلاف ينشب مع زوجها، فقال لها الحكيم: وما الذي تغير عما سبق، فقد كنت مُصرّة على قتلها والتخلص منها، فقالت له: إن معاملتها تغيرت بشكل كبير منذ أن بدأت أعطيها العشبة بعد غليها، فقال لها الحكيم: توقفي الآن يكفي إلى هذا القدر، يبدو أنك متعبة جدًّا من هذا الأمر، وسأنهيه لك، اسمعي يا ابنتي، نحن البشر انعكاس لما نجده، بمجرد أن رأت أم زوجك حسن معاملتك ورفقك بها وصنيعك معها تعاملت معك بالمعيار نفسه، هذا هو حال الأسوياء من البشر، كثيرًا ما نبحث عن حلول لمشكلاتنا عند الآخرين، بينما هي في الحقيقة في أعماق أنفسنا، قالت: له، والسم الذي يجري في جسدها ماذا أصنع به؟! قال: لا عليك هذا ليس سمًّا، هذه عشبة عادية يستطيع أخذها كل واحد، ولن تلحق بها أي ضرر.

تعقيب:

كثيرًا ما نرى مشكلات ومعوقات لا حلول لها إلا بالخلاص والفكاك منها نهائيًّا، ونبذل الغالي والرخيص من أموالنا وأوقاتنا وأنفسنا لتحقيق ذلك، بينما هي في الحقيقة فرص سانحة لنعدل سلوكنا، ونقيّم أنفسنا، ونروضها، ونرممها من الداخل قبل أن نطلب من الآخرين ذلك.

  وأنا أدون هذه الأسطر تذكرت عظمة الحديث النبوي الشريف الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شانَهُ». رواه مسلم (رقم 2594).

 ومرت على خاطري مقولة الشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي وليم شكسبير: «أصعب معركة في حياتك عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصًا آخر!».

 ودلف إلى عقلي أيضًا ما قاله جيم هينسون، مبتكر الدمى المتحركة: «أومن باتخاذ مواقف إيجابية     تجاه العالم، وأملي أن أرى العالم بصورة أفضل من التي رأيته عليها، عندما أتيت إليه».


عدد القراء: 1295

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-