فنون وتصاوير قصور الأمويين في بــوادي بلاد الشامالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-31 06:43:39

د. آمال عربيد

أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الانسانية - قسم الفنون والآثار، كلية إدارة الفنادق والسياحة - بيروت

ملخص البحث:

الإشكالية: يعالج البحث" الفنون والتصاوير الزخرفية في أهم قصور الأمويين في بوادي بلاد الشام"، إشكالية أهمِية اختيار الخلفاء الأمويون تشييدهم القصور الأموية الزاخرة بالفنون الزخرفية في وسط بيئة صحراوية جافة، والتي امتدّت وسط وادي بلاد الشام والتي أصبحت حالياً دولاً مستقلة أي مملكة الأردن الهاشمية، مرورًا بدولة فلسطين، ومدينة دمشق عاصمة الأمويين في تلك الفترة، حتى وصولهم إلى محافظة البقاع في لبنان، فبنوا فيها مدينة عنجر التي ما زالت أطلالها حتى يومنا هذا، هل هي كما أشيع عنها بأنها مكاناً للاستجمام والترفيه فقط؟ إذ أدّى وجود هذه القصور والمساجد في البوادي الصحراوية إلى حركة ثقافية وحيوية وازدهار تجاري، ويشهد على ذلك، تطوّر العمارة الهندسية والفنون في فترة استقرار الحقبة الاسلامية الأموية، ومواضيع لوحاتها التصويرية الجدارية لتزيين القصور الأموية من حياة البادية التي يعيش فيها، مثل رحلات الصيد ومشاهد الحروب، والحيوانات البرِّية، والنباتات والاشجار التي تعيش فيها، مستخدمًا تقنية الفريسكو اليونانية القديمة لإعطائها النفحة الجمالية بألوان زاهية متنوعة، وكسوة أرضيتها بتقنيّة الفسيفساء البيزنطية، لينقل إلينا عدة مواضيع مهمّة: سياسيّة، علميّة، واجتماعية، وعسكرية، من صلب حياة الخلفاء ونبلاء ذلك العصر واهتماماتهم الترفيهية، والجادّة، مِمّا ينفي بعض الآراء أنها شيِّدت كملاذًا للهو والترفيه فقط بل كان لها دوراً جيو-استراتيجي وسياسي مهم.

 لذا سأستعرض من خلال هذا البحث بدءًا من الفرضِيات التي دعت الخلفاء الأمويين لبناء تلك القصور في البادية الصحراوية في بلاد الشام، لإجلاء ذلك الغموض، معتمدة بذلك على آراء الباحثين، ثمّ عرض اللوحات التصويرية لإثبات أهميّة تلك القصور في تطوُّر الهندسة العمرانية التي أدّت إلى ازدهار تلك المنطقة الصحراوية.

أهداف البحث:

 الإضاءة على أهمية بناء هذه القصور الأموية ومرافقها وفوائدها للمنطقة، إلى جانب دراسة اللوحات التصويرية والزخرفية فيها، وما نتج عنها من مواضيع مهمّة تصف لنا حياة الخلفاء كمرآة منعكسة لذلك العصر.

مناهج البحث: اعتمدت الباحثة المنهج الوصفي والتحليلي للوحات التصويرية والفنِّية للقصور من الداخل، مع وصف البناء الخارجي وتطوّره الهندسي، والمنهج التاريخي في توثيق البحث بالاعتماد على أهم المراجع والمصادر.

نتائج البحث: أهمية الموقع الاستراتيجي للخلفاء الأمويين لبناء تلك القصور في البوادي الصحراوية، الذي ساعد على ازدهارها تجاريًا وثقافيًا بتحويلها إلى مركز تجاري مهم، وكملتقى سياسي يجمع الخلفاء الأمويين بجميع النبلاء والملوك الأجانب في المنطقة، والقصور الجميلة ومرفقاتها الحيوية حوّلتها إلى واحة جميلة تجذب جميع القادمين إليها،عدا أنها اصبحت مركزًا حيويًا ينهض بمستقبل حياة  قبائل وعشائر المنطقة واستمراريتهم ودعمهم، إلى جانب إحياء جمالية الفنون الأموية التراثية الاسلامية الزاخرة بهندستها العمرانية وفنونها الزخرفية، يستلهم منها الفنان التشكيلي المعاصرويعمل على مزج تلك الجمالية الفنية بتقنيّاتها الدقيقة، مع  سمات وخصائص بيئته المتطوِّرة.

مقدّمة:

أثار اكتشاف القصور الأموية في القرن 19م. تناقض فرضِّيات علماء الآثار لأسباب بنائها، خاصة أنّها شيّدت في عمق بادية الصحراء العربية الممتدة من مملكة الأردن الهاشمية، وفلسطين، ودمشق، لتصل إلى سهول البقاع في لبنان، فمنهم من اعتقد أنّها شيِّدت لراحة الخلفاء من أعباء الحكم ولممارسة نشاطاتهم الرياضية والترفيهية، كرحلات الصيد والاستجمام، ومنهم من اعتقد أنّها تقع في أهم ممّر تجاري واستراتيجي يصل تلك المنطقة بمنطقة الجزيرة العربية، حيث يحجُّ المسلمين في مدينة مكة المكرّمة،ولاستعادة نشاط طريق الحرير وحمايته من غزو القبائل، وآخرون اعتقدوا أن الخلفاء الأمويين شيّدوا قصورهم في تلك المنطقة لاستمالة القبائل العربية التي تسكنها إلى جانبهم،ومنعهم من الإغارة على بضائعهم التجارية، وذلك عبر اتفاقية أو معاهدة تمنحهم  جزءًا أو نسبة من غنائمهم الغنِّية بالثروات المعدنية، عدا إحيائهم لمنطقتهم وازدهارها، مقابل تأمين حمايتها والزود عنهم في حال تعرضت جيوشهم وقصورهم لأي اعتداء خارجي. وبناء على اختلاف ما اعتقده علماء الأثار عن أسباب تشييدها، فإنّ هذا البحث يؤكد بأنّ تشييد الخلفاء الأمويين لهذه القصور كان له الأهمية الكبرى في العصر الأموي من كل النواحي الهندسية العمرانية، أو كموقع استراتيجي عسكري له أهميته بين الدول المجاورة، ومركز تجاري مزدهر لأبناء المنطقة والتجار القادمين إليها، لذا هي تستحقّ دراستها وعرضها بما تزخر به من زخرفات فنِّية متطوِّرة، تجمع بين فنون الحضارات القديمة السابقة ورؤى هندسية عربيّة مستوحاة من بيئتها الصحراوية، حتى جاءت وحدة فنِّية متكاملة، لما نالته من اهتمام أهمّ المهندسين والفنّانين شهرة للإنكباب على دراستها وترميمها،لإحيائها كدرّة متلألئة في عصر الأمويين الذي دام حقبة من الزمن (662-750م).

لقد اعتمدت كباحثة في عرض أهمية بناء هذه القصور الأموية في البوادي الصحراوية، عبر لوحات تصويرية زخرفية لأهمها موثِّقة ذلك بالمراجع والمصادر الأدبية والعلمية عنها، لأظهر أهمية انكباب الخلفاء الأمويين على تطوير فن هندسة العمارة والفنون الزخرفية بدعمهم للفنانين المسلمين والمحليين، وصرفِهم الأموال الطائلة على تشييدها لتغدو تحفة فنية يشهد لها التاريخ، على أنهّا كانت تسحر أنظار السفراء والملوك القادمين إليها للتفاوض، وإرساء الاتفاقات، والمعاهدات السياسية، والتجارية، والعسكرية فيما بينهم، وكذلك تظهر تطوير مواضيع الفنون السابقة بما يخدم اهتمامات الخلفاء الأمويين، وإظهار ما أضافته من وحدات وعناصر زخرفية جديدة في التصاويرتظهر في سياق متن البحث.

• لمحة موجزة عن فنون وآثار القصور الأموية في بوادي الشام

أثبت علماء الآثار أنّ هذه القصور كانت بمثابة القلب النابض لشعوب تلك المنطقة ورئتها التي تتنفس منها، لما أحدثته من حركة نهضوية إن كان على صعيد التجارة والزراعة، والتمدّن الذي نهض بالتطوّر العمراني على أساس التخطيط الهندسي في منطقة صحراوية، عدا الحركة الثقافية التي ساعدت في تطوّر علومهم وآدابهم إثر علاقات الخلفاء الأمويين الدولية والإقليمية، التي أنشأوها مع الملوك والسفراء الأجانب  بناء على اتفاقيات سياسية، ومعاهدات تجارية وتنموية، أرسلوا بموجبها مهندسيهم وأدبائهم وعلمائهم لإحياء تلك القرى الريفية النائية، الذين أقرّوا بتميز تلك القصور الأموية عن سائر قصورهم في المدن الكبرى، إذ كانت تحيط بها مجموعة مباني سكنية، ومسجدًا خاصًا للقصر، وآخر عاماً للقرية، وحمامًا كبيرًا للقصر، وآخر في الساحة العامة للجميع، وخانًا كبيرًا لاستراحة الضيوف من تجار، وعلماء، ومهندسين، وبنّائين وغيرهم، وهالهم النظام الري الذي أنشأوه لتعويض المياه الشحيحة في تلك المنطقة الصحراوية، لري المزروعات ولتأمين الغذاء، فأقاموا السدود، وحفروا الآبار لتأمين المياه العذبة للشرب ولاستخدامها في جميع المرافق الحيوية للقصر والأبنية المحيطة به، مثل قصر الحير الغربي والشرقي، كذلك بنوا خانات عديدة لاستراحة القوافل التجارية القادمة من طريق الحج والتجارة من بلاد الشام وإليها، وبلاد الحجاز، للتزود بالمؤن والمياه وتبادل البضائع في السوق المقام أمام الخان.

وهكذا توافق أهم باحثي الآثار الأوروبيين(1) في مطلع القرن20م. "موزيل النمساوي، وهرتسفيلد، ولامنس، وسوفاجييه الفرنسي"، في مؤلفاتهم ودراساتهم حول قصور الأمويين التي بلغت حوالي ثلاثين قصرًا، بأنّها قصورًا متطوِّرة في هندستها رغم أنّها بُنِيت في بيئة صحراوية تفتقد لعوامل التمدُّن، ووصفوها بتفاصيلها المعمارية والزخرفية، وما منحتهُ لتلك البيئة الصحراوية من تغيير في حياتهم الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية والتجارية. وأهمّ هذه القصور الأموية:

في سوريا: قصر الخضرا الذي أنشأه معاوية بن أبي سفيان ويعتبر أوّل هذه القصور الأموية، وكان يقع بالقرب من الجدار الجنوبي للجامع الأموي في دمشق، وكذلك شيّدوا في سوريا قصر إيسيس، وحوارين، والرصافة، والأبيض، وحرّان، والنجرا، وأهمهم قصري الحير الغربي والشرقي في البادية السورية.

 في الأردن: قُصير عمرة، وخربة المفجر أي قصر الحمراء، وقصر هشام، والطوبة، وقصر المشتى أو الحرانة شرق عمان في الأردن، والقصر الأزرق، وقصر الحرانة، وقصر عين السل، والأصيخم، وقصر الموقر، وقصر الحلابات، والمبرقع أو البرقع.

في فلسطين: قصر المنية قرب بحيرة طبرية، وخربة المفجر، كما اكتشف في عام 1970 ثلاثة قصور بالقرب من سور حرم المسجد الأقصى، وقد بُني بعضها على أنقاض قصور لعمارة نبطية أو رومانية أو بيزنطية، كقصر الحلابات الذي بني على أساس عمارة ترجع إلى الفترة الرومانية أو اليونانية، وما يؤكد ذلك النقوش المكتوبة باللغة اليونانية، وكذلك قصر الأزرق بني فوق قصر روماني.

في لبنان: لم يُكتشف سوى قصر أموي واحد وهو قصر عنجر في منطقة البقاع في لبنان.

وقد تميّزت معظم هذه القصور الأموية(2) عن غيرها من القصور الأموية بأنّها مستوحاة من بيئة جزيرتهم العربية التي قدموا منها، وتتوافق معها من حيث مخطّطاتها وتصميماتها واختيار عناصرها المعمارية والزخرفية، إذ أنها تقوم معظمها وفق مخطّط متشابه وموحّد،وتقسيمها هندسيا كالآتي:

- صحن كبير ومكشوف تشرف عليه أروقة، وقاعات استقبال كبيرة، تليها غرف عديدة مؤلّفة من طابقين، وأجنحة سكنية للنساء، وأخرى للرجال، ومساجد وحمامات خاصة للخليفة وحاشيته وأسرته، ومساجد وحمامات عامة، وإسطبلات للخيول، وحدائق غنّاء تفصل فيما بينها، ويحيط بالقصر سور خارجي أشبه بالحصن المنيع،دون إضافة الأبراج إليه رغم أهميتها لتدعيم السور وحماية القصر، وإعطائها نظرة مهيبة للقادمين إليه لإبعاد الطامعين ورهبتهم، كما اتخذت هذه القصور نظامًا هندسيًا متطوِّرًا في بناء وزخرفة العقد والقناطر والقبب، والأقبية والسراديب.

لذا سأحاول من تلك الدراسة الإضاءة على تلك المخططات الهندسية للبناء، مع وصف أهم اللوحات التصويرية الغنِّية بالمواضيع المتنوعة، من آدمية، وحيوانية ونباتية، وهندسية، والتي تأثّرت بالفنون الرومانية، واليونانية، والساسانية، والبيزنطية، وتغنّت بها تلك القصور، وما زالت موجودة بحالة جيدة حتى يومنا هذا، من خلال ما أرخّه علماء الأثار العرب والغربيون، والباحثون في دارسة الفنون والعمارة عن أهم القصور الأموية في بادية العرب أو بلاد الشام، والتي تمثِّل اليوم دولاً عديدة هي: الأردن، فلسطين وسوريا ولبنان، والتي هي جزءًا صغيرًا من أهم حقبة إسلامية عريقة امتدّت ما بين المحيط الأطلسي والهند، ومعظم هذه القصور الأموية نسبت إلى الخليفة عبدالملك بن مروان وأبنائه الوليد، وهشام، ويزيد (661-750م)، وهم الخلفاء الذين أمسكوا بزمام الحكم بيدٍ، وبيدٍ أخرى اهتمُّوا بحبِّهم للعمارة والإنشاء.

• أهم فنون القصور الأموية في بوادي بلاد الشام(3)

انتشرت القصور الأموية على الساحل البحري الممتد من الأردن مرورًا بفلسطين وسوريا وصولاً إلى البقاع في لبنان، بعد أن استقرّت الدولة الأموية (41-132هـ/661-750م) متخذة مدينة دمشق عاصمة لها وظلّت تلك القصور مهملة حتى بعدما اكتشف رحالة أوروبيين عددًا منها في القرن 19م. وفي القرن العشرين أزاح العالم النمساوي ألواس موزيل 1898م. A. Musil، الستار عن أهمَّ تلك القصور "قُصير عمرة" في الأردن؛ مظهرًا دقة تفاصيله المعمارية والزخرفية، التي تعكس البيئة الصحراوية وحنين الخلفاء الأمويين لأصولهم ونشأتهم في الجزيرة العربية، كما زخرت قصور الأمويين(4) بأنماطٍ زخرفية متطوِّرة في فن تقنيَّة الفريسكو ومناظر جميلة من الفسيفساء، ومن ناحية التقسيم الهندسي الخارجي لها.

نسبت معظم هذه القصور إلى الخلفاء الأمويين(5) في دمشق (من العام 660 م.إلى العام 750م) وبدأ بإنشائها الخليفة عبدالملك بن مروان، وأورث حبّه لها لأبنائه الذين اشتهروا بحبِّهم للعمارة فاعتنوا بإبداعية وتطورهندستها وزخرفتها، فبنوا "قصور الحمراء" أي  قصر خربة المفجر، وقصر المشتى أو الحرّانة شرق عمان في الأردن، وكذلك قصري الحير الغربي والشرقي في البادية السورية، وغيرها من قصور بني أمية(6) الجميلة في لبنان وفلسطين، وأولوها عناية خاصة بجعلها ملاذًا صيفيًا إلى جانب أهميتها كموقع استراتيجي، بإضافة المرافق الأساسية الرغيدة لراحتهم وسط البادية، وللاستمتاع برياضة الصيد، وأطلقوا على سلسلة قصورهم مسمّى قلعة الصحراء، وما زال قصر الحير الشرقي يحافظ على بعض خصائص ومميِّزات القصور الأموية من هندسة، وتصاوير متنوِّعة ومتناقضة المواضيع، وقد تم إكتشاف قصور وقلاع أموية أخرى في البادية الصحراوية منها: قصور المشتى، والخزانة، والحلابات، والطوبة، وحمّام الصرح، وقُصير عمرة الذي يعتبر من القصور الأموية المهمة.

I قُصَير عمرة(7) في الأردن: يقع في شمال الصحراء الأردنية في منطقة الأزرق في محافظة الزرقاء، والتي تبعد حوالي 75 كيلو متر شرقي العاصمة الأردنية عمان، تمّ بناؤه في عهد الخليفة الأموي الثامن "يزيد بن عبدالملك بن مروان "ما بين عام 720م. وعام 724م. شُيِّد قُصير عُمرة(8) الصغير على هضبة صغيرة بالقرب من النهر، واستخدم كحصن منيع لضمِّه حامية حربية لمواجهة التهديدات، إذ تمّ تشييده من الحجر الجيري والبازلت، ويتألف من قاعة استقبال مستطيلة الشكل ذات عقدين يقسمانها إلى ثلاثة أروقة، لكل رواق قبو نصف دائري، ويتصل الرواق الأوسط في الجهة الجنوبية بحنية كبيرة على جانبيها غرفتان صغيرتان تطلان على حديقتين، وزخرفت أرضية الغرف والقاعة بالفسيفساء التي تمثّل زخارف نباتية، بينما كُسِيت الغُرف الأخرى بالرخام، ويجاور القصر حمّام  مقابل قاعة الاستقبال، ويتألف من ثلاث قاعات: اثنتين مسقوفتين بأقبية نصف دائرية، والثالثة مسقوفة بقبة صغيرة، وقاعاته الثلاثة موزَّعة على غرار الحمّامات الرومانية، كالآتي: باردة، وفاترة، وساخنة والأخيرة مزوّدة بأنابيب للبخار لتدفئة المياه تمر تحت أرض الحمام فيسخِّنها، كما أُلحق بالحمام غرفة كبيرة لخلع الملابس مزوّدة بمقصورتين، إذ كانت تتدفق المياه إلى الأنابيب بواسطة شبكة تغذية مائية تمر من تحته، متصلة ببئر ماء في ساحة القصر عمقها 40 متراً وقطرها 1.8 متر وسعتها حوالي 100متر مكعب من المياه، ومنه تمر داخل أنابيب فخارية تنقسم إلي خطين: أحدهما يتجه إلى الساحة الداخلية ليغذي النافورة الموجودة على يسار المدخل، والآخر ليزوِّد الحمام وغرفة الحمام  بالمياه، ولا يزال الحمّام بحالة جيدة حتى اليوم.

لوحة رقم (1) تصويرية من الفريسكو لأشخاص:

تظهر اللوحة التصويرية بتقنية الفريسكو (التلوين الطيني على الجدار) مقابلة ملوك الأرض الستة المهزومين، وهم يؤدّون الطاعة للخليفة(9) الجالس على العرش وحول رأسه هالة القديسين وهي تأثير بيزنطي، ويعتقد بأنه الخليفة الوليد. وأهمّه الملوك: الإمبراطور البيزنطي: هرقل وآخر ملوك القوط في إسبانيا رودريك أذريق، وملك الفرس "يزدجرد 631-651م. "والملك النجاشي للحبشة، وإمبراطور الصين، وخلفية الصورة البحار والجبال، لتدل على سيطرة وعظمة الخليفة وإخضاعه لهؤلاء الحكام وقادة العالم المعروفين آنذاك، وهم يشاهدوا استعراضًا احتفاليًا لرياضي مفتول العضلات على خشبة مسرح، وتشير اللوحة إلى تفوّق الخليفة الأموي على أعدائه، وقد كتبت أسماء هؤلاء الملوك باللغتين العربية واليونانية.

II قصر الحير الغربي(10): يقع قصر الحير الغربي في البادية السورية، في منطقة الخِربة على الطريق بين دمشق وتدمر، بناه الخليفة هشام بن عبدالملك 760م. وكُشفت معالمه، وتمّت دراسة المنشآت المحيطة به بين عامي(1936-1938م)، ثمَّ نقلت عناصره المعمارية والزخرفية إلى متحف دمشق الوطني.

لوحة رقم (2 ) المخطط الهندسي لقصر الحير الغربي:

 شُيِّد القصر(11) وسط أرض خصبة التربة، وجُرّت إليها المياه من وادي خربق، وأُقيم عليها سدًّا من الحجر، مدّت منه قنوات بطول (16.5كم) إلى خزان كبير بجوار القصر، وعُثِر حول القصر على آثار حمّام وطاحونة، وبساتين محاطة بسور من الطوب "اللبن" بلغت أبعاده 442 متر عرضًا، و1050 متر طولاً.

لوحة رقم (3) واجهة قصر الحير الغربي:

صُمِّم القصر هندسيًا بالشكل المربعّ، طول ضلعه 71مترا، كما حدّده الباحث الأثري دانيال شلومبرجه(12) أبعاد القصر بدقة كبيرة بما يلي: طول الضلع الشرقي 71.45 متر، والشمالي: 70.45 متر، الغربي 73.5متر، والجنوبي 71.5 مترًا، و يحيط به سور مرتفع مدعّم بأبراج دائرية أسطوانية الشكل، وبنيت الأقسام السفلى من القصر باستخدام الحجر الكلسي. وفي الزاوية الشمالية الغربية برج غساني قديم أسطواني الشكل. يتوسط القصر صحن يحيط به رواق محمول على أعمدة.

III قصر الحير الشرقي(13): كشفت الأعمال التنقيبية عن  اكتشاف قصرين أمويين بناهما الخليفة هشام بن عبدالملك، ويقعان في منطقة صحراوية، وما زالت آثارهما ظاهرة للعيان، ويقع قصر الحير الشرقي في وسط البادية السورية، على بعد 105كم، إلى الشمال الشرقي من مدينة تدمر، وعلى مسافة 60كم جنوب مدينة الرصافة، ويشغل القصر الكبير منهما مساحة 11200م2، وأظهرت الاكتشافات الأثرية(14) في بعض مرافقه عن وجود بعض الترميمات والتشييدات المعمارية التي نفِّذت في الفترة العباسية، بعد أن تمّ تحويل القصر وما حوله إلى مدينة سكنية.

لوحة (4) مجسّم نحتي لطائر أسطوري:

 نُحِت الطائر الأسطوري على صخرة حجرية بدقة زخرفية لافتة، وُجد في قصر الحير الشرقي. يعود للعصر الأموي.

IV قصر هشام أو الوليد(15) بن هشام في خربة مفجر- فلسطين

يقع قصر هشام في شمال مدينة أريحا في فلسطين (من أقدم مدن العالم) في قرية خربة مفجر، تمّ بناؤه في العصر الأموي (661-750م)، على مساحة 60 هكتار، ويبعد مسافة 260مترًا عن غرب وادي الأردن، وقد اكتشف موقع القصر عام 1873م. على يد بعثة بريطانية بدأها عالم الآثار البريطاني "روبرت هاملتون"، ويعود بناء قصر خربة المفجر إلى فترة حكم الرومان (125 - 126م) لكن الخليفة هشام (724-743م) عمل على ترميمه ليصلح للسكن مع توسيعه، لكنه تعرّض لزلزال مدمّر في عام 749م. ويُعتبر قصر هشام  من أجمل القصور الأموية(16)، لما يحتويه من زخارف جصِّية جدارية وفسيفساء أرضية، ويتألف من عدة طوابق وساحة كبيرة، وأروقة مسقوفة بأعمدة تتدلى عليها عناقيد الكرمة، ويقع مدخله الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، يؤدّي إلى  ساحة تتصدرها بركة مياه مكسوّة أرضيّتها بفسيفساء لرسومات جميلة، حيث ينفذ من غربها إلى داخل القصر برواق يؤدي إلى ساحة مكشوفة رحبة، ومحاطة بغرف عديدة، وقاعات واسعة، تتوزع على جهات جنوبية وغربية، وتحتضن الساحة بقايا أطلال أثرية خلّفها الزلزال المدمِّر.

لوحة (5) شجرة الحياة(17):

تُعتبر لوحة "شجرة الحياة "من أكبر لوحات الفسيفساء في الشرق الأوسط، وملوّنة بثلاثة ألوان رئيسية على أرضية فاتحة، الأخضر والبني الفاتح والأصفر، وتمثِّل غزالتان ترعيان أسفل بالشجرة من أوراق المتساقطة، بينما يفترس الأسد غزالة ثالثة تهمُّ بالفرار، وهي رمزاً لصراع البقاء، والحرب والسلام، ونهوض عصر جديد وأفول عصر آخر، إذ تعتبر شجرة الحياة في فلسطين رمزًا للجنة، بينما هي موروث قديم اتخذ رمزًا للخصوبة في بلاد النهرين، وعدّة حضارات سابقة للعصر الإسلامي.

6 - لوحة (7 ) نحت جداري جصّي بارز لأباطرة بيزنطيين وملوك، وخلفاء أمويين

V قصر عنجر(18) في لبنان: هو الأثر الأموي المهم الوحيد في لبنان، ويقع في مدينة عنجر الأثرية الممتدة على الطريق التجارية الرابطة بين دمشق وميناء بيروت، في محافظة البقاع، بناه الخليفة الوليد بن عبدالملك في أوائل القرن 8م. في عام 714-715م. وقسِّمت المدينة الأثرية هندسيًا بشكل مستطيل على الطريقة الرومانية، ويحيط بها سور مقطع بأبراج نصف دائرية، ويقسِم المدينة شارعان عريضان إلى أربعة مناطق، وتحيط بهم أروقة تحمي الدكاكين تربطها بين أربعة أبواب موجهة نحو الجهات الأربع، وتتقاطع في زاوية قائمة بمركز الموقع، ويشار إليه بواسطة مبنى رباعي الأبواب، ويوجد في المنطقة الجنوبية الشرقية مسجد وقصر مجاورين، وقصرين صغيرين وحمامات، بينما تقع قطاعات السكن الشعبي في الحي الجنوبي الغربي، كما يوجد أسس قصر لم يتم بناؤه في المنطقتين المقابلتين، ومجموعة حُجرات، ومنازل صغيرة تفصل بينها حدائق، وأسواق وبوابات، على غرار بناء القصور الأموية في بادية الصحراء الممتدة بين الأردن وفلسطين وسوريا.

القصر الكبير(19): يقع بالقرب من المسجد ويدخل إليه عن طريق باب صغير بجوار المحراب الذي بقي منه جزء من الواجهة، واستخدم أحجار من الطوب وآخر من الآجر المطبوخ في تقنية البناء وهو تأثير بيزنطي، وتتكون زخرفة  القصر من عناصر تصويرية ونباتية وحيوانية: أسود ونسور، وأشخاص على ظهور الخيل والجمال، ولوحات تصويرية لزهرة الأكانت المحوّرة، ونلاحظ زينة رائعة لعناقيها المتدلّية منها في كافة أرجاء اللوحات التصويرية في القصر والمسجد، وتبلغ مساحته: 374 ،72 م × 308،53 متر. وتصطف بعض المنازل المماثلة للقصور الأموية على طول الواجهات الشرقية والغربية، وهناك أطلال لبناء قصر صغير.

لوحة رقم (6) زخرفات إسلامية وأموية لزهرة الأكانثيا على تاج عمود.

لوحة رقم (7) زخرفة إسلامية لدوائر تتوسطها زهرة نجمية، تحيط كالتاج أو الإكليل فوق القناطر الحجرية في عنجر.

الخاتمة

تعدّ الحضارة الأموية أولى الحقبات الاسلامية التي اهتمّت بفنون وهندسة العمارة، بعد أن كانت مقتصرة على تشييد القلاع والحصون أثناء الفتوحات الاسلامية، فبنى خلفاؤها المدن وأنشأوا القصور في البوادي الصحراوية، وأعطوها الطابع الاسلامي والبيئي، بمزجهم الوحدات الفنية البيزنطية، والساسانية التي كانت رائجة في فنون عصرهم فعملوا على تطويرها بما يتلاءم مع بيئتهم الدينية والطبيعية، حتى جاءت تحفة معمارية فنية زاخرة بالزخرفات الهندسية والكتابية والنباتية، لفتت أنظار الباحثين وعلماء الآثار ليثبتوا أهمِّيتها الاستراتيجية بعد دراستها والتأمل بمخطّطات قصورها الهندسية خاصة في بادية الشام، التي حوّلوها من صحراء قاحلة إلى جنّة خضراء غنية بالمزروعات، والآبار، والبرك المائية، إلى جانب أهميتها كموقع استراتيجي مهم جعلها من أهم المراكزالتجارية والثقافية في منطقة بلاد الشام، وجسرًا ثقافيًا يجمع بين حضارتي الغرب والشرق، وبأن الخلفاء الأمويين وضعوا أولى بصمات التطوّر الحضاري في العالم الإسلامي الذي ما زال صدى رقيِّه يتردّد حتى يومنا هذا، والذي امتدّ من بلاد المغرب العربي والأندلس (قصر الحمراء-إسبانيا اليوم) ومن الجزيرة العربية وصولاً لبادية الشام (الأردن، فلسطين، سوريا ولبنان).

نتائج البحث: الإضاءة على المخطّطات الهندسية المسبقة لبناء القصور وما واكبها من تصاوير زخرفية جميلة من وحي بيئتهم الصحراوية، وتشييد حمّامات ومنازل، وعرض مخطّط بعض القصور، والتخطيط المُدُني المسبق المتشابه في كل مدينة، والتطور الهندسي وجماليته الملفتة في البناء، وبناء خزانات المياه، وشق الطرقات، وحفر الآبار، وجرِّ المياه للقصور والمنازل والحمامات، وزراعة الحدائق الغناء الفاصلة بين مجموعات المساكن والقصور، وبين أسواق المدينة والخانات.

التوصيات

ضرورة الاهتمام بعملية الترميم الدائم لهذه القصور والمساجد وغيرها، وبما تضمَّنته من لوحات تصويرية جدارية أو فسيفساء، مع دعوة للباحثين المتخصصين لمزيد من الدراسات حول فن الهندسة المعمارية الأموية، إلى جانب تعزيز دراسة تقنية فنون الفريسكو والفسيفساء في الجامعة أو في معاهد التعليم المهني، لما لها من دور مهم في تحسّن تقنيّة ترميمها في القصور والمساجد والمنازل التراثية.

 

المراجع:

1 - أبو صالح، الألفي، الموجز في تاريخ الفن العام، ط1، دار النهضة، مصر1977

2 - شعلان الطيار، القصور الأموية، الموسوعة العربية، قسم التاريخ والجغرافيا والآثار، مجلد 15، رقم الصفحة 406

3 - طارق البدراوي، قصير عمرة، تاريخ النشر في مجلة أبو الهول: عدد 8/2018، عدد شهر 11 /2015

4 - طه حمدان، قصر هشام بن عبدالملك، تاريخ النشر:11 إبريل 2016م

5 -عفيف بهنسي، القصور الشامية وزخارفها في عهد الأمويين (منشورات وزارة الثقافة، المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق 1986م.

6 - محمود العابدي، القصور الأموية، الموسوعة العربية، مطابع الشركة الصناعية، عمان 1958.

7 - ميرنا نصر، قصر الحير الغربي، مجلة جامعة طرطوس العلمية، المجلد2/عدد2/م.2018

8 - هشام فتحي، قصر هشام في خربة مفجر، جريدة البيان، تاريخ النشر:24 يناير،2011م.

 

Books References

-1Arnold. Thomas W),Painting in Islam,a study of the place of dictorial Art in Muslum culture. figure (LU11)a.b(2002

-2Daniel Schlumberger,Qasr el-Heir el-Gharbi,Paris (1986),

-3Finster,B«Vine ornement and pomegranites as palace decoration in‘Anjar»,in O’Kane, B. (dir.),The iconography of Islamic art: Studies in honour of Robert Hillenbrand, Edinburgh University Press(2005)

-4Hamilton,R.W.“Who Built Khirbat al Mafjar?” Levant, no.1,(1969)

5- H. LAMMENS,La Badia et la Hira sous les Omaiyades,MFOB 4(1910)

6- J. SAUVAGET,Remarques sur les monuments omeyyades,In:JA 231 (1939)

Electronics Site

https://archeologie.culture.fr

http://www.abou-alhool.com

http://www.alkhaleej.ae

http://arab-ency.com.sy

https://ar.unesco.org

https://www.albayan.ae

https://bawaba-sy.com

http://journal.tartous-univ.edu.sy

https://www.qm.org.qa/ar

https://s.raseef22.com

الهوامش:

-1H. LAMMENS,La Badia et la Hira sous les Omaiyades,MFOB 4 (1910 pp. 91- 112.

-2 J. SAUVAGET,Remarques sur les monuments omeyyades,In: JA 231 (1939)pp. 1- 59.

-3 http://arab-ency.com.sy/artifacts/detail/166707

الكاتب غزوان ياغي، آثار إسلامية مجلد 2.

4- عفيف بهنسي، القصور الشامية وزخارفها في عهد الأمويين، (منشورات وزارة الثقافة، المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق 1986م.

-4 http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/41ee82df-e414-4582-aec3-d0b160cf6108#sthash.UMk7UYZL.dpuf

-5 J. SAUVAGET,Remarques sur les monuments omeyyades,In:JA 231(1939 pp.1- 59

 -6https://s.raseef22.com/wp-content/uploads/2015/11/MAIN_Groundhopping-Merseburg_Flickr.jpg

الكاتب: طارق البدراوي، تاريخ النشر: نوفمبر 11/2015

 -7http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=39023#.X0oc0WbivIU

8 - الكاتب: المهندس طارق البدراوي، تاريخ النشر في مجلة أبو الهول: عدد 8/2018

 - 9Arnold.Thomas W,Painting in Islam,a study of the place of dictorial Art in Muslum culture.figure(LU11)a.b p:22 -30                                                                                                     

- 10 https://bawaba-sy.com

تم النشر في 2019/03/30.

11 - أبو صالح، الألفي، الموجز في تاريخ الفن العام، ط1، دار النهضة، مصر 197 ص:160-.166

 - 12http://journal.tartous-univ.edu.sy/images/Engineering_series/2a.pdf

Daniel Schlumberger,1986,Qasr el- Heir el- Gharbi, Paris

 مجلة جامعة طرطوس العلمية، المجلد2/عدد2/2018م. الكاتبة: د. ميرنا نصره، صفحة 24

 - 13https://ar.unesco.org/syrian-observatory/news/

 - 14http://arab-ency.com.sy/detail/8965

شعلان الطيار، قسم التاريخ والجغرافيا والآثار، مجلد 15، رقم الصفحة 406

 - 15https://www.albayan.ae/five-senses/mirrors/2011 - 01- 24 -1.1002032

الكاتب: هشام فتحي، تاريخ النشر: 24يناير 2011م. جريدة البيان

 - 16Hamilton, R. W.“Who Built Khirbat al Mafjar?” Levant, no. 1,1969, pp. 61- 67

 - 17https://khbrpress.ps/post

د. حمدان طه، تاريخ النشر:11 إبريل 2016م.

 - 18http://arab-ency.com.sy/artifacts/detail/166707

محمود العابدي، القصور الأموية، (مطابع الشركة الصناعية، عمان 1958).

 - 19 Finster,B«Vine ornement and pomegranites as palace decoration in ‘Anjar», in O’Kane B. (dir.), The iconography of Islamic art: Studies in honour of Robert Hillenbrand,Edinburgh:Edinburgh University Press,2005, p. 143- 158


عدد القراء: 365

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-