هــو ذا العـالَم الجـديـدالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-01-31 08:04:24

د. عادل داود

مترجم وأكاديمي سوري

برتراند كيفر

ترجمة: د. عادل داود

مع مرور كل يوم، يذكِّرنا عصرنا أكثر بالحرب الهزلية؛ فهذا ما يُعرِب عنه الفيلسوف برونو لاتور1 . يذكِّرنا بتلك اللحظة الغريبة بدايةَ الحرب العالمية الثانية، إذ كانت الحرب قد أُعلِنت منذ شهر أيلول/سبتمبر عام 1939، لكنها بَدَت غير منطقية. وحُشِد الجنود الذين راحوا ينتظرون ويمرحون ويلهون بورق اللعب؛ ولكن لم يحدث شيء؛ إلى أنْ وقَع الهجوم الألماني الكبير في شهر أيار/مايو عام 1940.

وتسبَّب التغيُّر المناخي بتدهور التنوّع البيئي والتلوث، فنعلَم أنَّ تبدُّلاً جمَّا تَسارعَ بُعيد بَدئه، فغيّر مجمل حياتنا. ولكن لم يُلاحَظ شيء حينها، أو لم يُلاحَظ الشيء الكثير، على الأقل في البلدان الغنية. وكان كبار الناكرين للأمر يتعاظمون في ذاك الوقت، ويَتبجَّحون به؛ بلا وجه حقٍّ، ولا وَجَل؛ وعلى رأس هؤلاء: الرئيس السابق دونالد ترامب وجايير بولسونارو وفلاديمير بوتين. فيُخبِّئ إنكارُهم الشديد المستمر الحقيقةَ بتضليل رخيص، يصل حدَّ العبثية؛ ولكنْ، لم تَعُدْ تبدو العبثية ذات أهمية للشعوب. ويكمن وراء هذه الألاعيب المُقلِقة: النفطُ، والفحمُ، والأعمالُ التجارية والصناعية، وجماعاتُ الضغط (اللوبي) التي تموِّل انتخاباتهم. وثمة قوىً اقتصاديةٌ لعبت لعبة الديمقراطية، بيد أنها مستعدة لتدميرها، وتقويض كل صورة من صور الثقافة المناهضة الناشئة، بهدف كسب بضع سنوات من المنفعة؛ إذ يُفلِح ذلك على الصعيد الاقتصادي. ويبدو إحراقُ المصادر المتبقية برنامجًا بارعًا، تبختَرَ به ترامب وبيادقُه؛ ويكون النجاح فيه رمزيًا أيضًا. فالعجرفة النرجسية تُثير الإعجاب، وغيابُ حدودها الممزوجة غالبًا بالوعود الملاصقة للهوية تَنشرُ الطمأنينة. فلا تُملي الطبيعةُ ولا الباقون قانونَهم علينا؛ حين يكون البرنامج فاتنًا. إذ يَخضع جزء من الشعب في جميع البلدان للفتنة؛ ومنهم –بالطبع- المثقفون الجسورون، وأصحابُ التأثير، ومُحدِثو الاضطرابات على شبكات التواصل الاجتماعي؛ وتَظهر بينهم أيضًا المجموعةُ الضخمة ممن أساءَ الاقتصادُ معاملتهم، وهُم لا يمتلكون مرجعيةً ثقافيةً ولا فكريةً.

وتُعاش الحربُ الهزلية في سويسرا كما في الديمقراطيات الأوروبية، وذلك ضمن ازدواجيةٍ لا يُعترَف بها، تحتوي إنكارًا للعاهة وتسويفًا. فحكوماتُها تترنَّح، وتَمزج بين الخطابات الخطيرة والعهود والقصصِ البسيطة العائدة للعالم القديم، وتَستشهد بتقارير اللجنة الدولية للتغيرات المناخية؛ لكنها، كما كان يفعل مايكل جاكسون: تتقدَّم متقهقرةً. وتُرانا على أي حال أصغر من أنْ تؤدِّي أفعالُنا دورًا؛ ولكنْ، لا يهمّ. وتَشهَد مبيعاتُ المبيدات ارتفاعًا غيرَ مسبوقٍ، على الرغم من المعايير الجديدة؛ فالنحل والحشرات الأخرى قد اختفت، لكنَّ مبيعَ المبيدات الحشرية يستمرُّ في التضخم. ويَحدُث التفاوض، من وراء الضوابط، على إجراءاتِ تخفيفٍ وقفزٍ على القوانين ومُهَلٍ زمنية؛ فيُلتَفُّ على الممنوعات، وتُتَّخذ هُزوًا. وإنَّ العلمَ والتنبؤاتِ والذي حصل سابقًا وما يحصل أمام أعيننا؛ لا شيء من ذلك له وزن؛ فالحكومات تنكفئ عن منظور بقاء العالم القديم أفضلَ، لتَرى أنَّ التقانةَ والتقدُّمَ ووَصْفاتِ العلم المستقبلي السحرية ستكون قادرة على حلِّ المشكلات؛ وأنَّ الوضع الراهن يبقى عندئذ اختياريًا، مع إخضاعه لبعض المواءمة. أمَّا بعضُ وسائل الإعلام «الجدِّية» الناجيةُ، فلا تدري أيَّ منحى تنحوه. وخطاباتُهم تقول في الوقت نفسه: «قريبًا سيفوتُ الأوان»، و: «يلزَم المزيدُ من النمو وحُسنِ الأداء». فهم يُوالون بين الأخبار اليوميةِ التي تَروي التخريب الحاصل والذي سيحصل مستقبلاً؛ والسيرَ الاعتياديَّ للأعمال التجارية، مصحوبةً بمشكلات الأثرياء الصغيرة.

*  *  *

ينبغي القول إنَّ ما يحصَلُ ثورةٌ لا تُصدَّق. فكيف السبيلُ –مثلاً- لفهم خرائط التغيير المُستشرَف، التي أعلنتها وسائل الإعلام الأسبوع الماضي؟2 تلك مأساةٌ لا وصف لفظاعتها، تُقدَّم بالتفصيل، وتخصّ البلدان الأوروبية، حيث يسيطر الاضطراب على كل شيء. وتكمن الحقيقة في كشف العلم –على حين غرة- أنه في حضارتنا المستندة إلى الاستقرار والتقدُّم: تتحرّك الكرة الأرضية بسرعة تفُوق جميع مشاريعنا. ويكون التاريخ عُرضَة للتأخُّر.

*  *  *

يُمكن إجراء مقارنة، اقترحها برونو لاتور، مع الثورة الجذرية الأخرى: العلميةِ والاجتماعيةِ، التي شهدتها البشرية. فقد اكتشف غاليليو غاليلي أنَّ الأرض تدور حول الشمس. وقلَبَ هذا الاكتشاف كاملَ المجتمع رأسًا على عقب، من دينٍ وعلمٍ وفنونٍ وسياسةٍ. فكان ذلك بداية العصور الحديثة؛ إذ فَقدت السلطاتُ والأفرادُ مركزَهم، والكونُ الجامدُ بانَ متحرِّكًا. ففاقَ ذلك حلمنا في العظمة، ووضَعَنا على الهامش. ويقول ميشال سيريس إنَّ المفاجأة –اليوم- لم تَعدْ في «تحرُّك الأرض»، بل في «تأثُّر الأرض». ويكون ضَعفُها ضَعفَنا، والأسوأ من ذلك أنها مرهونة بنا، ونحن لا نسيطر عليها.

فليست المسألةُ مسألةَ الأرضِ بالمعنى الفلكي، بل بالمعنى الكيميائي الحيوي؛ أي سطح كوكب الأرض الصغير فحسب –بضعة كيلومترات نحو الأعلى ومثلها نحو الأسفل-، وهو طبقةٌ رقيقةٌ يوجد فيها مجمل الأحياء. غير أنَّ المذهل هو تفاعل تلك الأرض مع أفعال البشر، حين يكون لها ردُّ فعلٍ سريعٍ وشديدٍ. فتَدنو نقاط التحوّل، مُنذِرةً بتمزُّقات لها من العنف ما لا يمكن توقُّعه. إذاً: تَظهر هذه الثورة الكوبرنيكية الثانية مثيرةً لقلقٍ أكبر بكثير. فالأولى أحدَثت طَفْرات أيديولوجية، أمّا الثانية فتُحدِث ما أحدثته الأولى، ولكنها تستلزم فضلاً عن ذلك تغييرَ حياتنا اليومية، ونَسْفَ نظرتنا الساذجة بخصوص التقدُّم، عن طريق حساب الأرباح والخسائر.

*  *  *

لن يكفي الاعتمادُ على المسؤولية الفردية، وإعدادُ ترتيبات سـياسـيّة صغيرة. فنحن لا نزال في بداية فهم التحوّل الضروري للمجتمع؛ وتنقصنا الأسـس الفكرية وأدوات الفعل في آن معًا. وإنَّ زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون –بسرعة جنونية- يغيّر المُناخَ ومئاتِ المنظوماتِ البيئية المتشابكة. فما السبيل لبناء سياسةٍ إزاء هذا؟ لا أحدَ يدري. ويحدِّد الانعطاف المتزايد نفسه على نحو سمةٍ لتدهورِ التنوّع البيئي أو التلوثِ أو نضوبِ المصادر غير المتجدِّدة. وتُعزِّز هذه الأزمات من تأثيرها. فما السبيل إلى الانطلاق من ذلك لتأسيس رؤىً جديدةٍ ومسؤولياتٍ وأوجهِ تضامنٍ ذات معنى؟ وكيف يمكن تقديم اقتراحٍ يتجاوز إثارة الرعب؟

*  *  *

لا تَبعث البيئة على التوحُّد. فيتضارب حولها الفضاء العام والنقاشات والمناظرات، ولا سيما في وسائل التواصل الاجتماعية؛ وذلك بآنٍ واحد، يَعكسُ القضايا الفاسدة عَكسًا عجيبًا. إذًا: يتعيّن علينا تعلُّم النقاش وتبيُّن المسائل الخلافية، وبناء الحُجج، وتصوُّر سبل التقدّم. وينبغي لنا مناوأة الفساد بوجه خاص، وفي المقام الأول فساد (من يُسمَّون) علماء مجموعات الضغط (اللوبي)3 . وعلى النحو ذاته، لا مناصَ –في زمنِ تفشّي النعرات القومية في العالم- من التفكير في تضامن عالمي واسع مع جميع الشعوب.

وإنَّ التغيير العميق لتكوين النُّخب والمشاريع العامة والثقافة والفنون لَأمرٌ ضروري. وليس لدينا خيارٌ آخرُ غيرَ إعادة ابتكار الوطن والمجتمع الدولي والمؤسسات والسلطة والتملك وحقوق غير البشر، وأسس النظام الاقتصادي أيضاً.

*  *  *

تكمن المشكلة في وجوب المضي سريعًا، وسريعًا جدًا. والشباب هم الوحيدون الذين يَعون ذلك حقًا، الوحيدون الذين يعيشون الحالة الطارئة بطريقة حادة. فعنفُ الموقف يَجلِد بشدة تعلّقهم بالقدَر. فإذا كانت الأجيال الأخرى لا تستوعب الأمر، فمجتمعاتنا ستواجِه اضطرابات جمّة، ليناهِض الشباب – بجدية متزايدة- كل ما فينا من أنانية وجُبن، باسم النجاة بأنفسهم وبالعالم؛ ويستمرُّ الكائن البشري بالحصول على بعض الدعم. فلنتجنب خداع أنفسنا، لأن انتفاضتهم عنيفة، ولن تتوقَّف؛ فهي تَظهر رداً على فرض الإنذار المأساوي: الحضارة أو الهمجية، الحياة أو الموت.

 

الهوامش:

- ألقى ذلك في محاضرته الافتتاحية في العلوم السياسية، عام 2019، ويتناول هذا النص عددًا من الموضوعات والأفكار:

www.youtube.com/watch?v=Db2zyVnGLsE

2 - مثلاً: الخرائط الفريدة التي تُظهر تبعات الخلل المناخي في أوروبا، صحيفة لوموند، 10 شباط 2020.

3 - انظر على سبيل المثال:

www.tagesanzeiger.ch/wirtschaft/standardshell-papers-dutzende-multis-finanziertenklimaskeptiker/story/21591385


عدد القراء: 270

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-