كابوس الوالي (قصة قصيرة)الباب: نصوص

نشر بتاريخ: 2021-01-31 14:22:30

د. أوس الحربش

طبيب وكاتب سعودي - كندا

لا عتاب أشد من عتاب الحبيب بعد موته، فكابوس الليلة أبشع من غيره. توشحت أمينة هانم جلبابًا أسودًا تفوق عتمته ظلام الليل الدامس. مشت أم الأولاد ورفيقة العمر بين الجثث المتراكمة، تشير بإصبعها إلى كل جثة وترمق بعلها بحنق وتساؤل. امتلأ صدر عزيز مصر بالألم واعتصر قلبه، كانت نظراتها المستهجنة وعيونها الحمراء شديدة الأثر عليه. أراد الكلام دون جدوى، فلم تكن الحروف تنبثق من اللسان عند دفعها مهما حاول.

أفاق الشيخ الطاعن بالسن مفزوعًا في جُهمةِ الليل والعرق يتقطر من وجهه منهملاً على لحيته البيضاء. نادى على حرس القصر فلم يأته جواب. أخذ ذهنه الجامح يعيد أشرطة الذكريات بلا تسلسل منطقي لأحداثها ويزيد عليها بإسراف، غير آبه بدأب صاحبه على كبتها. أسند رأسه بانهزام على جدار قصر رأس التين المرصع بالذهب، مسلمًا نفسه لقدر الليلة المشؤومة. تبدا له إبراهيم ذليلاً في الأستانة تحت وابل السياط بانتظار وصول جزية أبيه المشاكس. رأى الشيخ الفاضل عمر مكرم يخرج من بلاطه منهزمًا مطأطئ الرأس بين لمز وضحك رجالاته المنتفعين. وجد نفسه مع عياله على مائدة العشاء، وقد أطبق الهدوء والصمت بعد صراخ المنكوبين وهدير النار، يهمس وزيره في أذنه بأن المهمة استكملت، بينما امتقع وجه زوجته بالشحوب واتسعت حدقات عينيها تبحلق به كأنها ترى شبحًا.

 فتح عينيه مرعوبًا من هذه الرؤى الكيدية. أقام جسده بصعوبة على قدميه الهزيلتين يجرها جرًا إلى آنية الماء ليغتسل، طالبًا عون اليقظة على مابقي من ليلته. قرر أن يخرج إلى شرفة القصر لعل الهواء العليل يطرد الكوابيس عنه. لكنه وجد نفسه دون إرادته يعتلي شرفة قلعة صلاح الدين في وضح الظهيرة؛ يطل على ضيوفه المماليك ينفرون فرحين على ظهور خيولهم من ساحاتها إلى الممر المؤدي إلى باب العزب، بعدما امتلأت بطونهم وارتاحت خواطرهم بتولي مراكز الدولة الوليدة. بدت له صورة المشهد مفعمة بالحياة دقيقة التفاصيل أكثر من أي وقت مضى. رأى جبروت تقاسيم وجه سليمان بك البواب وكثافة شاربه المتقوس، يمتطي حصانه الأبيض متوشحًا جبته الحمراء الفاقعة وفرسانه خلفه فخورين بالسير خلف هذا الصنديد. اضطرب من هيئة أمين بك المتوجس في آخر الموكب يتلفت بقلق على الجند الأرناؤوط وكأنه اكتشف المكيدة. اخترق صرير بوابة العزب وهي تغلق طبلة أذنه فأطبق عينيه مستاء. ولى وجهه إلى السماء ناحية وميض الشمس فأحس بحرارتها تخترق أحشاءه وتسير في عظامه. رُفِعت أصوات أذان الجمعة فجأة من المساجد غير مبالية بالحدث، لكنها ما دامت لحظة حتى توارت خلف صوت النار والصراخ. اشمئز الوالي من سوء التدبير في اختيار الوقت تزامنًا مع نداء الصلاة متوعدًا في نفسه مدبري المهمة. احتقن أنفه من رائحة البارود وتوالت عليه رائحة الدم وعفن الجثث بسرعة غريبة فحركت معدته. فتح عينيه لوهلة فسرت رعشة في عظامه لما رأى. اختلطت أشلاء البشر بالخيل متراكمة على بعضها كالتلال تطفو على بحيرات من مزيج الدم والطين في الممر الضيق. سبب له منظر رأس حصان استقر على رقبة آدمي هلعًا ففر إلى داخل القلعة.

استيقظ الشيخ الكهل أخيرًا فوجد نفسه ما بَرِحَ مكانه الأول على جدار القصر. تملكه الفزع من عقله الذي خرج عن سيطرته فأخذ بالصراخ. اختلطت في رأسه الوقائع بالأحلام وصار يصعب تفريقها. أخذ يترنح ويعجل الخطى المتمايلة صوب حجرة ابنه إبراهيم يستغيثه من هجمات الكوابيس المتتالية. تعثر وانهال مغشيًا عليه في أرض الغرفة المهجورة منذ زمن، وخارت قواه عن تحريك جسده. كان شبه غائب عن الوعي عندما تساءل عن سبب ضيقه من مذبحة القلعة بالتحديد، واصرار حبيبته بتأنيبه عليها من العالم الغيبي. أيتحسس من خاض الهيجاء والوغى فأردى الفرسان وأفنى الجيوش من إضافة كهذه؟ ألم تكن كلها في سبيل بناء الدولة المصرية الحديثة وقيام النهضة؟ ألا يحق لهازم الإنجليز وداحر العثمانيين إهلاك المماليك؟ ألا يحق له مالا يحق لغيره؟ توقف تعليله فجأة عندما تذكر عيون زوجته المستهجنة واصبعها المتسائل. عندها صفي ذهن الوالي لوهلة وتجلت له الحقيقة: "إنها الوقيعة والدسيسة …. فقتل من ارتضى القتال لا يلحقه العار والسوءة".

توفي محمد علي باشا وكانت هذه آخر خاطرة دارت في رأسه. تمكن العقل الخرف في آخر لحظاته من فهم شعور خِزْي خفي لحق به بعد مذبحة القلعة، دفنه الوالي ثلاثين عامًا في أعماق اللاوعي.


عدد القراء: 1344

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-