رُبّـاح الـشـحــاذ (قصة قصيرة)الباب: نصوص

نشر بتاريخ: 2021-01-31 14:46:54

رضا سليمان

روائي وإعلامي مصري

بدا الأمر أكثر تعقيدًا، تقف الجموع ناظرة في شرود، أوامر السيد صارمة، عليهم التبكير ساعة في الصباح، عليهم العمل حتى منتصف الليل، ساعة واحدة في منتصف النهار للراحة وتناول وجبة الغذاء، إنهم يعملون لأنهم يعشقون العمل وليس خوفًا من السيد، ساعات العمل الإضافية تحملوها من قبل بلا تذمر، اليوم تصل إلى منتصف الليل أمر لا يُحتمل، أجسادهم لن تتحمل، سوف يسقطون بعد عدة أسابيع على الأكثر، تؤلمهم كثرة عملهم بلا تقدير، أن يحصد البعض، قليلو القدرة على العمل، معظم الثمار بمباركة السيد، أشواك تلهب عقولهم. لم يفكر أحدهم ذات يوم أن يناقش السيد، أن يطلب عدالة توزيع الثمار، يكتفون بفتاته تعففًا. الأيام تنحت من أجسادهم تاركة عليها بصمات دامية، يتزايد تجاهل السيد لجهدهم وهزالهم، فقط "رُبّاح الشحاذ" وفصيلته يحصلون على معظم ثمار السيد ونظراته الحانية، أحيانًا يقربهم منه وينصت إليهم، نظراته شرسة حادة إلى الجموع، ناعمة كسيرة يرنو بها ناحية رُبّاح وفصيلته. السيد، والجموع من قبله، يعلمون أصل رُبّاح وكيف لُقِبَ بالشحاذ، قصة لاكتها الأفواه حتى سئمتها، والمسئوم عندنا مهجور لا يُناقش. رُبّاح مسئوم عندنا، يستغل الهجر، يتخطى عنق الرهط ليحظى بالثمر، مجاورته للسيد جعلته على دراية بالأعمال قليلة العناء عظيمة الثمر، يتكبر على الجمع، يعاملهم باحتقار يماثل احتقار السيد لهم، يتمثل حركاته ونظراته، لا يخجل من جذوره الأولى. يوم أن هبط جده أرضهم يتسول، أجزلوا له العطاء، إنهم قوم خير، مؤونتهم شحيحة من سيد شُح يقدمون منها لمُستعط ضُغبوس أخرس بلا اسم أطلقوا عليه "الشحاذ". اليوم رُبّاح الحفيد يجاور السيد، يحظى بيد حانية ونظرات ناعمة. مَن يستطيع أن يطلب من السيد أن يقلل ساعات العمل؟ مَن يمتلك جرأة طلب مقابل لساعات العمل المضافة؟ وحده رُبّاح يحصل على مقابل لكل دقيقة عمل، الساعات المضافة مؤخرًا لن تصل إلى رُبّاح وفصيله لأنها بلا مقابل، قال لهم بطرف لسانه ونظراته الثعلبية:

- لي مع السيد حديث.. سوف أخبره بأني لن أعمل تلك الساعات المضافة وإن أصر السيد، وهو لن يصر على أية حال، فليقدم لي ثمر إضافي.

يتعجبون لجرأته، تتزايد دهشتهم "لِمَ يخنع السيد لرُبّاح؟!" .. لا يمتلكون غير الانتظار حتى يتم اللقاء، بعدها قد يطالبون بعدالة توزيع الثمار. يتابعون ظهر رُبّاح مفتول العضلات، رافع الرأس، يدق الأرض مثل قائد جند، حتى يدلف إلى حجرة السيد ويغلق خلفه بابها.

يتكور رُبَّاح، تنكسر نظراته، يمط شفته العليا لتبتلع السفلى، تهبط كتفه اليسرى في مذلة، تبربش عيناه تغالب الدمع، ضُغبوس تفوق مهارته أجداده الضغابيس. يرق صوته بكلمات تعظيم السيد، يشكو الفقر والحاجة، يشكو نظرات الجموع الطامعة، يقسم باكيًا أنه لا يجد ما يطعم به صغاره وزوجته التي تلازم الفراش. ينشج، ترتعش أطرافه، ترتجف شفتاه، يسعل كمريض صدر، يتلوى كمبطون، يتخرج كلماته كفحيف ساخن:

- مرضي سوف يقعدني إن زاد عملي أيها السيد العظيم، ثم إن لديَّ من العمل ما يكفي والجموع في الخارج تتمنى رضاك مهما شق عليها العمل، وإن كان ولابد أن تضاف لي ساعات عمل.. فلتعطف علىَّ يا سيدي.. تعطف على أسرتي المسكينة.. بأن تجعل لنا أجرًا..     

يشير السيد بموافقته.. لا يحدد على أي شيء يوافق .. يرغب في هدوء عكر صفوه رُبَّاح، يدور بكرسيه الدوار يتأمل الشمس الغاربة، ينسحب رُبَّاح بجسده المتداع، يكرر كلمات شاكرة ممتنة حتى يصدم الباب بظهره، يدور على عقبه ويفتح الباب ويغادر.

يستقيم جسده، تنفر عضلاته، يعلو رأسه، تتعالى نظراته، تبرز شفته السفلى، يخشن صوته مثل زئير، يخبر القوم بأنه سوف يختار أفضل الأعمال وأقلها مشقة، يلتفت قبل أن يغادر ليخبرهم ساخرًا بأنه سيحظى، وحده، بالأجر. الجموع ذاهلة تتساءل في صمت خانع "ماذا يحدث في الداخل؟!".     


عدد القراء: 731

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-