هوية الكتابة النسوية قراءة في رواية «الحب الظمآن» لـ: د. ثريا محمد عليالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-08-23 19:34:40

د. أحمد يحيى علي

أستاذ الأدب والنقد، كلية الألسن، جامعة عين شمس - مصر

إن البحث عن إجابة لهذا سؤال يقتضي السير في مسارين، الأول: الشكل، وفوقه يكون السؤال: هل تتخذ الأنثى صيغة شكلية ذات ملامح محددة لإبداعها؟ الإجابة بالطبع ستكون بالنفي؛ فإذا ما نظرنا إلى فن الرواية على سبيل المثال نجد أنه فن احتمالي قلق على مستوى الشكل/البناء، فهو لا يتقولب عند محدد بنائي يحاكيه المعنيون بهذا الفن، بل تفرض كل تجربة على صاحبها الشكل الذي يراه مناسبًا لظهورها أمام المتلقي.

إذن يتبقى مسار ثان لعل فيه الجواب؛ ألا وهو مسار المضمون؛ هل يحمل ما يسمى الأدب النسوي قضية/فكرة، بمتابعتها نستطيع أن نقول: إننا بصدد إبداع لا تنجزه إلا امرأة؟ إن البحث عن جواب يأخذنا إلى بدايات ظهور هذا التيار في الكتابة الذي عُرف في الغرب بـ(Feminism) الذي عُني في الأصل باهتمام المرأة بحضورها إلى جوار الرجل، وعلاقة هذا الرجل بها ووضعيتها وحضورها بإزاء وجوده، ونظرته إليها وما تحمله من سلبيات؛ كما هو الحال على سبيل المثال في "الباب المفتوح" للطيفة الزيات، و"فرج" لرضوى عاشور؛ ومن ثم يكون السؤال: هل كل إبداع تقدمه المرأة يركز في معالجته على هذه القضية يمكن أن نطلق عليه أدبًا نسويًّا؟ فماذا لو قدم رجل متعاطف مع المرأة ومنحاز إلى جانبها في مقاومة سلطة ذكورية لها مثالبها تجاه هذا المؤنث نسقًا إبداعيًّا يتناول هذه المسألة، هل يمكن أن نسمي ذلك أدبًا نسويًّا؟ إن تحديد سمات واضحة تمنح هذا الإبداع الذي ينضوي تحت مسمى (feminism) هوية مميزة يبدو أنه أمر متعذر الوصول إليه على الأقل في الظرف الزمني الراهن؛ بخاصة مع ظهور إبداعات لمبدعات تهتم بقضايا السياسة والمجتمع، مثلها مثل الرجل دون أن الالتفات إلى وضعية المرأة في علاقتها بالرجل ووضعه في قفص اتهام ومحاكمة، كما هو الحال على سبيل المثال في" بيروت 75" لغادة السمان، و"ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور.

الحب الظمآن: سلطة العنوان وتشكيل النص إن رواية الحب الظمآن للأستاذة الجامعية ثريا محمد علي التي تعمل في حقل الأدب بقسم اللغة الفارسية بكلية الألسن، جامعة عين شمس، ويمثل هذا العمل باكورة إنتاجها الروائي تضع نفسها منذ العتبات الأولى؛ أي صفحة الافتتاح وكلمة الغلاف في منطقة الكتابة النسوية التي تحيل إلى مرحلة البدايات؛ أي الإبداع الذي قدمته امرأة، ويضع الرجل في خانة الإدانة في نظرته إلى المرأة، التي يبرهن عليها سلوكه تجاهها؛ فحديث الغلاف الذي تخاطب فيه الكاتبة كل امرأة متزوجة لتنظر إلى ما قد يتفق مع واقعها في هذا المتن الحكائي، يعني أننا بصدد صورة مجازية كلية عبارة عن مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ تطلق فيه الكاتبة عبر صوت الراوي الجزء/البطلة نجمة في حياتها مع الرجل/فرجاني البتانوني، وتحيل إلى كل كائن في عالم الواقع على اتساعه، فيه كل امرأة شرقية تجد أوجها للتشابه بين حياتها وحياة نجمة بطلة عالمها الفني.

إن صيغة العنوان "الحب الظمآن" التي تعبر عن تركيب وصفي تضعنا على مستوى الشكل أمام ناقص لغوي، نصف جملة بحاجة إلى إكمال، ولا ندري هل الناقص يجعلنا أمام تركيب اسمي، أم فعلي؟ المهم أن النقص على محور الشكل يأخذنا كذلك إلى ناقص على مستوى المعنى؛ إن الظمأ نقص، احتياج، ألم، حالة تسافر بنا إلى حقل الماء وما يعلق به من دلالات الحياة والرِّي، هذه الحالة المأساوية المتصلة بالدال "الظمآن" تسكننا في منطقة الواقع، في منطقة الأزمة، الكبد الذي يسم حياة الإنسان عمومًا مذكرًا ومؤنثًا في هذا العالم؛ فإذا كان الحب يمثل حالة فردوسية تتصل بعالم النعيم والمثال، وتعرج بنا إلى منطقة الجنة، فإن النعت "الظمآن" يفرض توازنًا لابد منه لوعي المتلقي الذي عليه أن يعيش عالمه ويتابع منطقة الفن هذه بعيدًا عن وهم لا يجب عليه الاقتراب منه.

ويتخذ هذا الظمأ لنفسه مطايا فنية يتحرك فوقها في داخل هذا العالم الفني؛ فنجمة بطلة الرواية تقص علينا من موقع الجدة التي جاوزت الستين حكايتها؛ بوصفها فتاة حالمة بفارس أحلام يحقق لها ما تصبو إليه كل أنثى من معاني الأمن الاستقرار والتحقق؛ بوصفها إنسانًا له روح وجسد، لا بوصفها جسدًا أو متاعًا يتعامل معه المذكر/الرجل على أنه أحد ممتلكاته، أو بمعنى أدق يتعامل معه بوصفه نصف إنسان أو جماد؛ إن هذه الجدة الحاكية داخل الرواية بضمير الغائب (هي) تأخذنا في مسار زمني ممتد يبدأ من مرحلة الطفولة وبيت أبيها وأمها الذي يمثل وعاء دافئًا حاضنًا لها لا يدوم طويلاً، بل يتلاشى مع غياب الرجل/الأب بوفاته في حرب الاستنزاف، ودخول الفتاة نجمة عالمًا جديدًا، هو بيت الزوجية الذي آلت إليه من بوابة الجامعة وتعرفها إلى شاب يُدعى فرجاني البتانوني.

إن الحدث الروائي ينتقل بنا عبر الصوت الحاكي بضمير الغائب (هي) المعبر عن البطلة نجمة بما ينسج خيوط عالم سردي، فيه يبدو ساطعًا معنى الظمأ/النقص/الفقد؛ إن نجمة ظمآنة إلى أب يحنو عليها غاب بالموت في حرب الاستنزاف، ولم يستطع الرجل/الزوج أن يعوض هذا الغياب؛ لأنه على مستوى القيمة والسلوك يمثل في وضعيته الدرامية دلالات الانحراف الخلقي والخيانة والطمع؛ إن الرجل/فرجاني البتانوني زوج نجمة يتحول مع القارئ من كونه طالبًا إلى كونه زوجًا ومعيدًا في الجامعة، ثم أستاذًا جامعيًّا يترقي في المناصب ليصير عميدًا لكليته، وهذه مفارقة يطرحها عالم الرواية في معالجته لشخصية المنوط بها أداء أدوار تربوية إصلاحية في داخل سياقه الاجتماعي، نراه يقدم قدوة ليست للاتباع، ولكن للنفور والمخالفة والهروب؛ إنه نموذج للزوج غير المعني باحترام زوجته ولا المهتم بشأن أولاده (سارة ومحمود) ولا المحافظ على زوجته في غيابها وحضورها، يمارس علاقات غير مرضي عنها دينيًّا أو اجتماعيًّا مع نساء يشغلن موقع الضحية بالنسبة إلى سلوكه المشين معهم.

إن الرواية المكونة من ثماني عشرة وحدة سردية تجعل من الوحدة الأولى منها بمثابة أساس فني تتكئ عليه باقي وحداتها؛ فمن حوار ديالوجي يجمع الابنة سارة بأمها، ويحمل في مضمونه حديثًا موجهًا من الابنة لأمها عن حزنها البادي عليها تبدأ ملامح هذا العالم في التشكل من خلال آلية مسرحية هي (one man show) عندما تلتفت البطلة من ابنتها إلى جمهور بانتظار حكيها خارج النص تُسمعه شكواها، هكذا تتولد وحدات الرواية السبعة عشرة من هذه الآلية في عملية سردية سمتها الاسترجاع (Flashback)، وفي طقس رومانسي يصدر إحساسًا مقصودًا بالعزلة والاغتراب اللتين تعاني منهما البطلة/نجمة.

إن الراوي في "الحب الظمآن" يقدم المؤنث/نجمة، والمذكر/فرجاني البتانوني بحالة واحدة يعبر عنها ضمير الغائب، (هي) بالنسبة إلى المرأة، و(هو) بالنسبة إلى الرجل، وفي الغياب أزمة، فالبطلة غير متحققة، تشعر بالفقد، فكان هذا الغياب انعاكسًا لوضعيتها، والرجل ليس جديرًا بمقومات الرجولة الحقيقية، التي تعني التقدير والوفاء والرعاية بمعناها الحقيقي؛ لذا يأتي تغييبه أمرًا منطقيًّا مبررًا من وجهة نظر فضاء الرواية.

إن الظمأ في العنوان يتمدد إذا ما نظرنا إلى البطلة نجمة؛ فمن فقد حنان الأب، إلى فقد الأمن والرحمة والوفاء والتقدير مع الزوج، وفي مرحلة من المراحل نجد الظمأ يتجلى في فقد الوطن بالرحيل للعمل تحت قهر الزوج واستبداده في بلد عربي؛ هكذا تقص علينا الأستاذة الجامعية/نجمة في طرحها لتجربتها المأساوية، فيها مؤنث(مفعول/ضحية) نتيجة (فاعل/جانٍ/مستبد) هو فرجاني.

ولا يتوقف الظمأ عند المرأة البطلة فحسب، بل يتعدى إلى كيانها الأسري الذي أنكرت ذاتها من أجله، ولم تشأ أن تنحاز لحلمها بالزواج مرة ثانية بفارس ورجل حقيقي، وفضلت أن تعيش مقهورة مع رجل لا يعرف للرجولة الحقيقية سبيلاً؛ إن ولديها (سارة/محمود)  يشعران بالظمأ لأب يحنو عليهما وعلى أمهما، ثم نجد الظمأ بعد ذلك ينتقل إلى طبقة الأحفاد، وفيها نجد الطفلة منة الله ابنة سارة، التي ترى فيها البطلة الجدة مستقبلا تتمنى حصوله، مستقبلاً فيه المرأة تعيش عالمًا يمنحها حقها ويعطيها قدرها في ظل بيئة قيمية تعلي من شأن كل ما هو جميل في الفكر والسلوك في رسم علاقات صحية تجمع طرفي الثنائية الإنسانية (الرجل والمرأة).

ولا غرابة في أن نجد حالة من التناص تجمع البطلة في هذه المحاكمة السردية التي تعقدها لمجرم ينتمي إلى فئة الرجال مع آسيا زوجة فرعون؛ إننا نجد نجمة كلما ضاق بها حالها واشتدت أزمتها تكرر هذه العبارة الأثيرة "اللهم ابن لي قصرًا عندك في الجنة" في استدعاء للصابرة آسيا زوجة فرعون التي كانت تردد وهي في شدة العذاب هذه الآية في سورة التحريم (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

إن الكاتبة ثريا محمد علي في حالة من التعاطف الشديد مع بطلتها، هذه الحالة كان لها سطوعها الفني، عندما نجد أن بطلة روايتها تسمى "نجمة" ولا يخفى ما بين نجمة وثريا من علاقة ترادف على مستوى المعنى، ليس ذلك فقط بل إنها في تشكيلها للبطلة عبر الراوي المقدم لمنظومة السرد قد جعلت من نجمة أستاذة جامعية هي الأخرى، بما يرسخ لهذه الحالة من الاقتراب النفسي والوجداني بين ما هو كائن في الواقع وما هو ساكن في الفن.

ويبدو أن جو المأساة الذي يفرض نفسه على طقس هذا العالم الفني النابع من هذا الفاعل في العنوان الذي يمثله الدال "ظمآن" يبقى حتى نهاية هذا العالم؛ فالبطلة تدخل إلى غرفة العناية المركزة مصابة بأزمة قلبية حادة؛ إذ كانت قبل ذلك تعاني مرضًا في القلب؛ وكأن الداء النفسي المتمثل في فقد الحب قد استحال إلى داء عضوي فأصبح القلب ذاته ذاك العضو الجسدي مريضًا يعاني، ولا ندري حتى السطر الأخير في الرواية الذي تنادي فيه منة الله الحفيدة وابنة البطلة سارة بلهفة وحزن على الأم والجدة نجمة ما المصير؟ هل ستموت؟ هل ستحيا لتستأنف نشاطًا جديدًا ملؤه ابتسامات ظاهرة وحزن دفين على عالم لم تعشه؟ الأمر في كلتا الحالتين يقود إلى ختام مفتوح يرسخ لأزمة واقعية ما تزال قائمة على حالها لم تتغير مظاهرها.

وأخيرًا: إن الكاتبة عبر الراوي الحاكي حرصت بذكاء منها ألا يبدو في عالمها هذا ما يشير إلى ما يمكن تسميته بتطرف الرؤية، الذي قد يدفع إليه  هذه الشيطنة للرجل الذي يشاركها البطولة/فرجاني البتانوني وإظهاره من أول الرواية حتى آخرها في ثوب القاهر المعتدي؛ لذا نجد أن ثنائية (الرجل والمرأة) في هذا العالم الفني متنوعة في ظهورها بين سلبية كانت فقط مقصورة على الزوج فرجاني، وفي مقابلها وجدنا طقسًا مثاليًّا وصورة طيبة يبدو عليها رجال، مثل: أخو البطلة صالح، والابن محمود، وزوج البنت سارة، كل هؤلاء يشغلون موقع الرجل الطيب في مقابل الرجل الشرير فرجاني، وفي والوقت نفسه يشكلون أدوات فنية تعتمد عليها الكاتبة في تدشين صورة متوازنة تحرص على ظهور هذا العمل بها.

وانسجامًا مع مفهوم الهوية يحاول هذا العالم السردي شأنه شأن غيره من العوالم الإبداعية عمومًا أن يصنع لنفسه ما يمكن أن نطلق عليه معجمًا خاصًّا يبرز رؤيته لبعض المصطلحات التي وردت فيه وفق فهم فني يوازي المتعارف عليه في المعاجم التقليدية؛ فالظمأ عند ثريا محمد علي لا يعني العطش والحاجة الماسة إلى الماء، بل يعني الفقد الذي يتسع ليشمل: الأب، الزوج الطيب، الوطن. والرجولة الحقيقية هي أن ينهض كل رجل بأعباء المسئولية الملقاة على عاتقه في احتواء زوجته، والحفاظ عليها، ومنحها التقدير الذي يليق بها بوصفها إنسانًا، والحرية وفق تجربة نجمة تبدو ساطعة في قدرتها على التخلص من سطوة فرجاني ومواجهته والابتعاد عنه بعد أن كبر ولداها محمود وسارة وأصبحا قادرين على فهم ما تعانيه أمهما، هذا التحول النوعي لحق به تحول مادي تمثل في طلاق نجمة من فرجاني ورحيلها عنه بمعونة ابنها محمود؛ إن الهوية تنتقل من عام إلى خاص إلى شديد الخصوصية؛ فمن المدلول (الخصوصية) نسافر مع المبدعة ثريا محمد علي إلى ما يسمى بالأدب النسوي، ومن الأدب النسوي الذي يحاكم رجلاً إلى تجربة خاصة جدًّا تعد مثالاً عليه، هي هذه التي تتجلى جماليًّا في ثنائية (نجمة وفرجاني البتانوني).   


عدد القراء: 2573

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-