قول في الكلامالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-09-30 11:02:03

أ.د. إبراهيم بن محمد الشتوي

أستاذ الأدب والنقد

تعجبني المقولة المشهورة المنسوبة إلى أبي حيان التوحيدي، يقول فيها: «إن الكلام على الكلام صعب»، وذلك أن إطلاق مصطلح -إن صح التعبير- «الكلام على الكلام» عوضًا عما نسميه عادة بـ«النقد» أو «البلاغة» من وجهة نظري أكثر دقة، فهو يتسع ليشمل كل أنواع الكتابة والقول المتصلة بالكلام، إضافة إلى أن إطلاق مصطلح «الكلام» على الأدب بفنونه المختلفة يعيده إلى النقطة الأولى التي انطلق منها «الأدب» قبل التجنيس، وقبل أن يكون أدبًا، وهذا ما يعيد بدوره النقد أيضًا إلى نقطة البداية قبل النظريات، والأفكار، والمشاعر وتقنينها، ما يجعل الحديث عنه يتخلص من كل الآراء السابقة عليه حيال «الكلام» الذي سيقال عنه أيضًا «الكلام» أو هكذا يدعي على أقل تقدير، وينظر إلى الأدب في مرحلة «الكلام» أو ما سميناه من قبل ما رحلة «ما قبل النص»، ويعطيه أهمية مهما كان هذا «الكلام» بغض النظر عن الأدوات المعرفية والمنهجية التي يتوسلها بوصفه «صعب».

ونحن عادة نسمي الكلام الذي يقال عن الكلام بالنقد أو البلاغة نوعاً من تمييزه عن سائر القول، وإعطائه مكانة خاصة لدى المتلقي، إضافة إلى ما يتميز به عادة من التقعيد والتنظير والجهد بوصفه علمًا خاصًا وليس كلامًا كسائر الكلام.

هناك ملاحظات كما يسميها الباحثون في تاريخ البلاغة والنقد حول الكلام، كانت تعد في «مرحلة الملاحظات النقدية» قبل نشأة النقد، ولأنها كانت قبل نشأة النقد فإنها يمكن أن تعد -فعلاً- مجرد ملاحظات لأنها لا تعدو أن تكون بدايات، لكن حين تكون هذه الملاحظات بعد نشأة النقد والبلاغة، فإنها في قيمتها تتجاوز مرحلة البدايات لأن تصبح إضافة نقدية مهمة في الدرس النقدي لأنها تأتي بعد جهود عدد كبير من العلماء والباحثين الذين كدوا أذهانهم لإضاءة قضايا النص ودلالاته وآثاره في النفوس.

من هذه الملاحظات ما جاء في البيت المشهور للمتنبي ويتحدث فيه عن رحلته إلى حلب ويقول:

نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ

                             أطويل طريقنا أم يطـول

وكثير من السـؤال اشـتياق

                             وكثير  من  رده  تعـليل

التعليل هنا بمفهومه الشعبي لدى الناس اليوم والمقصود به التسلية، ومنه قولهم: «فلان يتعلل عند فلان» إذا كان يسامره.

هنا السؤال يتكرر، والقول ينعاد، ولكن المقصود ليس القول نفسه، ولا أي معنى آخر سوى تزجية الوقت، وافتتاح الكلام، وهو معنى اجتماعي طريف يقدمه المتنبي «للكلام»، وهو أنه ليس المقصود به المعرفة، ولا إثارة أي معان بقدر ما هو مد الوصل مع الحاضرين، وتزجية الوقت معهم.

ومن هذا أيضًا بيت آخر للمتنبي يتحدث فيه عن معنى نقدي دقيق وطريف، لا أظن أحدًا من النقاد تحدث عنه من قبل. يقول المتنبي:

وإذا الفتى طرح الكلام معرضًا

                     في مجلس أخذ الكلام اللَّذْ عنى

فهو يتحدث عن «الكلام» في مجلس عام، فيه عدد من المتحدثين والسامعين، وعادة الحديث العام الذي يوجه إلى الجماهير أنه يتسم بالسمة التي يصلح بها لأن يكون متصلاً بكل الحاضرين، وصالحًا لأن يكون موجهًا إليهم، لكنه في الوقت نفسه يحمل رسالة خاصة لفرد من الحاضرين، لا تتصل بالجمهور ولا ينبغي أن يفهموها، فإذا قال هذا الكلام المتضمن التعريض فإن المقصود به يدرك معناه، ويفك لغزه ومحتواه.

هذا الكلام يتكون من ثلاثة عناصر: كلام عام، موجه إلى جمهور عام، ومتضمن معنى خاص، وهو ما سماه بالتعريض.

ميزة هذه الحالة التي يتحدث عنها المتنبي أنها تحوي كلامًا إلى كلام: الكلام الخاص في طي الكلام العام، وسياقًا إلى سياق، السياق الخاص الذي يضم المتحدث والمتلقي الفرد، والسياق العام الذي يضم المتحدث إلى جمهور من المتلقين، ومتلقيًا إلى متلق، المتلقي العام وهو الجمهور الحاضر في المجلس ويستمع إلى الكلام، والمتلقي الفرد الذي خص بالكلام دون غيره، فأدرك معناه.

يبقى بعض الأسئلة حول هذه الرسالة الخاصة في طي الرسالة العامة، ماذا لو فهم أكثر من واحد أنه المقصود بالرسالة الخاصة، وأعطاها معنى من تجربته الخاصة، وما الذي يجعل المقصود بالحديث يدرك المعنى المراد، أهو متصل بسبب سابق بين المتحدث والمتلقي يمثل هذا التعريض استكمالاً له، وإحالة عليه أم هو من واقع خبرة المتلقي بالمتحدث وطرائقه في التعبير، والإفصاح؟

من كلام المتنبي أن هذا «الفهم والإفهام» على طريقة أبي عثمان مبني على اتفاق سابق بين المتكلم والسامع (وبالمناسبة الجاحظ يستخدم مصطلح «السامع» عوضًا عن المتلقي الذي ولع به المعاصرون)، أو موقف سابق يحيل إليه المتكلم، ويدركه السامع، لكن هذا لا يمنع أن تكون هذه الإحالة والاستقبال قائمة على الصلة الخاصة بينهما التي تجعل المتكلم يتمكن من إرسال رسالة ضمنية إلى متلق محدد بناء على الخبرة التي بينهما دون اتفاق سابق على معنى أو موقف محدد.

لكن الاحتمال الثالث وهو أن يتلقى الرسالة أكثر من متلق خاص، فيخرج بمعنى مغاير عن المعنى العام في سياقه العام يبقى قائمًا وإن كان سيثير سؤالاً عن كونه خاصًا بعد ذلك، وإذا كان الجواب على هذا السؤال بأنه سيظل خاصًا لأنه خاص بالمتلقي منفرد به عن المعنى العام الآنف الذكر، فإن هذا الجواب سيثير سؤالاً آخر وهو: وهل المعنى أصلاً إلا خاص بمعنى كل متلق يقع في نفسه من الكلام المعنى الذي يتصل به شخصيًا وبظروفه النفسية وحالته التي يعيشها.

وعلى هذا فإن النظر إلى المعنى الذي يقع في نفس المتلقي على أنه عام أو خاص قد يخالف طبيعة المعنى، إلا أن الأعراف جرت على أن هناك معنى عاماً أو مشتركًا هو الذي يشترك السامعون بإدراكه من كلام المتكلم، فإذ شذ سامع عن هذا المعنى أو وقع في نفسه معنى آخر مغاير لهذا أو ولد معنى هو جديدًا من كلام المتكلم، فإنه يعد معنى خاصًا به مباينًا للمعنى العام الذي يفرضه السياق العام.

وهو ما قد يعد في باب التأويل الذي يأخذ فيه الكلام مسارب مختلفة من المعنى، وقد يختلف المعنى باختلاف القارئ أو السامع بناء على ما يجده في نفسه ساعة تلقي النص، والقول في التأويل قول واسع.

وهذا بخلاف ما ورد في بيت المتنبي، فإن الرابط بين المعنى الخاص هنا والمتكلم يكاد يكون معدومًا بخلاف ما ورد هناك، فإن الرابط موجود، من خلال قصد المتكلم، ومعرفة السامع بهذا القصد بدلالة قوله: «اللَّذْ عنى»، ففي حالة المتنبي هناك موجه للكلام وموجه له، والموجه له يدرك ما جاء في حديث المتحدث، وكأن المتنبي يتكلم عن حالة خاصة يكون فيها تواطؤ بين المتكلم وأحد السامعين، قد يكون بناء على موقف سابق، أو بناء على ألفة بينهما خاصة لا يريد أن يظهرها للحاضرين أو لأن هناك من الموضوعات ما لا يريد أن يحدث بها الحاضرين أجمع فيعمد إلى تضمين كلامه كلامًا آخر يتبعه ببعض إشارات اليد أو الوجه مما يوحي بالبعد الآخر للكلام لمن يعنيه.

وهناك نماذج من الشعر يذكر فيها الشعراء حالات ضمّن فيها المتحدثون أقوالهم أقوالاً وقد أدرك المتلقي ذلك وغالبها تكون في الحب وأحواله كقول الشاعر:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها

                              إشارة  محزون  ولم تتكلم

وقول الآخر أيضًا وأظنه يذكر خطباء إياد:

يرمون بالخطب الطوال وتارة

                           وحي الملاحظ خيفة الرقباء

وحي: الاسم أي ما يوحى به، والملاحظ: جمع لاحظ وهي العيون، وفي هذا توظيف للجوارح في إيصال الحديث الخاص.

بيد أن هناك نماذج أخرى لا تقتصر فيها الرسالة على الإشارة بل تتجاوزها إلى العبارة، وقد أشار ابن حزم في «طوق الحمامة» إلى هذا النوع من الخطاب الذي يتوجه فيه المتحدث إلى سامع خاص في محفل عام وسماه التعريض، وأورد حكاية فتى وفتاة - كما يسميهم- أحب أحدهما الآخر، فأراد الفتى أن يحمل فتاته على ما لا تريد، وقالت: والله لأشكونك في الملأ علانية، ولأفضحنك فضيحة مستورة، فلما كان بعد أيام حضرت الجارية مجلس بعض أكابر الملوك، وأركان الدولة، وفيهم ذلك الفتى لأنه كان بسبب من الرئيس، فلما بدأ الغناء وانتهى إليها تغنت بأبيات قديمة هي:

غــزال  قـد  حكى  بـدر  الـتـمـام

                          كشمس قد تجلت من  غمام

سـبى  قـلـبي  بألـحـاظ  مــراض

                          وقد الغصن في حسن القوام

خضعت خضوع صب مستكين

                         لــه وذللــت ذلـــة مـسـتـهــــام

فـصـلني  يا فـديتك  في  حــلال

                         فما  أهـوى  وصـالاً  في  حرام

ومراد ابن حزم من هذه الحكاية أن الفتاة حين غنت بالأبيات أظهرت خبرها مع الفتى بالتفصيل، ولكن لأن الأبيات محفوظة من قبل لم يفطن الحاضرون إلى الرسالة المبطنة داخلها سوى الفتى الذي جاءه الرد من الفتاة عن طريق الأبيات بوصفها رسالة مباشرة منها إليه، وبوصف الاختيار مقصود لذاته.

يبقى هنا الحديث عن مقدار الصحة والخطأ بمعنى مدى تطابق ما وقع في نفس السامع مع ما في نفس المتكلم، وإذا كنا قد أقررنا بصحة فهم السامع في الحالة التي أشار إليها المتنبي، فإن الحالات الأخرى لا يمكن أن نجزم بصحتها، ولكننا لن ننساق وراء البحث في قيمة صحة الكلام من خطئه بوصفه «فاعلاً» في تحديد قيمة الكلام أو المعنى، وهو حديث طويل، يحيلنا إلى ما قيل عن انفكاك الصلة بين الدال والمدلول أو ما سماه الغذامي في «الخطيئة والتكفير» فيما يرويه عن رولان بارت «باعتباطية الإشارة».


عدد القراء: 204

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-