من أعلام العلماء العرب والمسلمين (أبو الريحان البيروني)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-09-30 11:05:26

أ.د. عبد الله بن محمد الشعلان

قسم الهندسة الكهربائية - كلية الهندسة - جامعة الملك سعود - الرياض

يقول أحمد شوكت في كتابه (تاريخ الطب وآدابه وأعلامه): "إن على من يتصدى للبحث عن أثر العلماء العرب والمسلمين وغيرهم في العصر الوسيط أن يعود بنفسه إلى ما كان عليه العالم في ذلك الحين من تخبط في الجهل واعتقاد في الخرافات، ثم يرجع البصر إلى أين العلم العربي الإسلامي ليدرك حقيقة ما قام به علماء العرب والإسلام من حفظ للعلوم القديمة وابتكار لنظريات حديثة واختبارات جديدة وسعوا بها آفاق العلم القديم وأضافوا إليها كثيرًا من الشيء الحديث وحاربوا الخرافات دون هوادة"، كما اعترفت المؤلفة الألمانية زيجرد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) بالتراث العلمي العربي الإسلامي قائلة: "لقد آن الأوان لكي نعترف بالفضل للعرب المسلمين، هذا الاعتراف الذي منعتنا منه قرون طويلة من التعصب والجهالة".

عالمنا الذي سنتحدث عنه هو العالم الأجل والكهف الأظل الإمام العلامة أبو بكر محمد بن أحمد البيروني، أحد عمالقة علماء العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، ولد في عام 362 هجرية (973 ميلادية) في بلدة بيرون وإليها ينسب وهي عاصمة خوارزم، وتنقل في كثير من الأمصار وأهمها الهند حيث استفاد منها كثيرًا وجمع الكثير من علومها ومعارفها القديمة، وقد أتقن الكثير من اللغات مثل العربية والفارسية واليونانية والسريانية والهندية، واشتغل بعلوم الرياضيات والطبيعيات والصيدلة والفلك والتاريخ وغيرها من العلوم، وقد خلف وراءه تراثًا عربيًا ضخمًا وخالدًا، ولا غرو أن يشيد به مستشرقون حققوا بعضًا من مؤلفاته أمثال المستشرق الألماني إدوارد سخاو الذي يصفه بأنه: "أكبر عقلية علمية ظهرت في التاريخ". 

لقد عاصر البيروني أحداثًا سياسية عاتية عصفت بآسيا الوسطى منها أفغانستان وإيران وغيرها من البلدان المجاورة الأمر الذي صار له انعكاس واضح على مراحل حياته وعلومه ودراساته، وقد امتد العمر بأبي الريحان حتى تعدى سنًّا تنوف عن الثمانين عامًا هجريًا، ونبني قولنا هذا على ما جاء في مقدمة مصنفه (كتاب الصيدلة في الطب) حيث يقول: "وجميع ما أوردته فمحصل مما ذكرت، والمتروك ما لم يحصل لي منه لئلا يحملني الجهل به على نقله من بابه إلى باب آخر، الإنافة على الثمانين عامًا أفسدت من المتخلية قوتيها العمليتين، أعني المدمع والمسمع".

ولقد عاصر البيروني الشيخ الرئيس ابن سينا وكانت بينهما مراسلات ومناظرات كثيرة، كما جمعتهما زمالة مجمع العلوم الذي أسسه مأمون بن مأمون أمير خوارزم وكان يزاملهما أيضًا في نفس المجمع المؤرخ العربي إبن مسكويه صاحب كتاب (تجارب الأمم) المتوفى سنة 421 هـ.

يقول الإمام البيهقي في كتابه (تتمة صوان الحكمة): "أبو الريحان البيروني من أجلِّ المهندسين قد سار في بلاد الهند أربعين سنة وصنف كتبًا كثيرة رأيت أكثرها بخطه". كذلك يروي الشهرزوري الحكيم في كتابه (أخبار الحكماء) عن البيروني أنه لم يترك من يده قلمًا أو يرفع بصره عن كتاب أو يسمح لفكره أن ينشغل عن حل المسائل والمشكلات إلا في يومين اثنين من العام هما يوم النيروز ويوم المهرجان وفيهما كان يؤمن ضرويات معيشته، ويقال أن البيروني كان حتى قبيل وفاته بلحظات يستخبر عن مسألة في الهندسة"، حقًّا إن عبقرية البيروني عبقرية فذة وإنك لتطالع تصانيفه فتجد فيها الغزارة والشمول والمتعة والجدة والابتكار.

 لقد جمع البيروني المعارف التي توصل إليها المصريون والسريان والروم والهنود والفرس والعبرانيون حتى العصر الذي عاش فيه متبعًا في أبحاثه ودراساته المنهج العلمي كما نعرفه اليوم فجاءت أعماله إضافة قيّمة لتراث الإنسانية جمعاء.

لقد ألف البيروني في الرياضيات والطبيعيات والفلك والتنجيم وعلوم الحكمة والجيولوجيا والبيولوجيا والصيدلة، كما كتب في التاريخ والجغرافيا والأديان وغيرها من فروع العلوم والمعارف المختلفة المتنوعة، ومن ثم فإن البيروني يعد بحق من أعظم العلماء الموسوعيين في كل العصور.

يذكر ياقوت الحموي أنه شاهد بنفسه في الخزانة العظمى بالجامعة الأعظم بمدينة (مرو) مدينة في تركمستان بالاتحاد السوفييتي تعرف اليوم بمدينة ماري (فتحها العرب سنة 651 ميلادية) قائمة بأعمال البيروني تشغل أكثر من ستين صفحة كتبت بسطور متقاربة وبخط متقن.

لقد بلغت تصانيف البيروني - حسب قائمة أعدها بنفسه وهو في الثالثة والستين من عمره - 113 كتابًا ومقالة ورسالة، وقد ضمن المستشرق إدوارد سخاو مقدمته الألمانية لكتاب البيروني (الآثار الباقية عن القرون الخالية) إحصاءات بمؤلفات البيروني على الوجه التالي: الهندسة والفلك 18 تصنيفًا، الحساب 8 تصانيف، الاسطرلاب 5 تصانيف، المواقيت والفصول 5 تصانيف، منازل القمر 12 تصنيف، المذنبات 5 تصانيف، التنجيم 7 مصنفات، الضوء 4 مصنفات، الجغرافيا 15 مصنف، الأديان 6 مصنفات، كتب أخرى فارسية وغير مستكملة 15 مصنف.

وقد كان لمكانة البيروني المتميزة وأصالة آثاره المتمكنة ذلك المنهج الرفيع الذي انتهجه والذي استند فيه إلى قواعد موضوعية وأسس علمية التزمها في مجمل مؤلفاته وأبحاثه. ومن خلال مؤلفه (الآثار الباقية) نستطيع أن نتلمس أبرز خصائص وسمات ذلك المنهج الذي تبناه البيروني وتتبدَّ فيما يلي:

- الرجوع إلى ما تركه الأقدمون والاستفادة من آثارهم لأن العالم مهما علا شأنه لا يمكنه ابداع العلم دفعة واحدة.

- التدقيق في أخبار السابقين وآثارهم بالمقاييس المنطقية والعقلية للتمييز بين الخطأ والصواب.

- التجرد عن أي ميل أو هوى وابتغاء الحقيقة المطلقة لذاتها.

- التحلي بالتواضع العلمي والبحث عن المعرفة لذاتها دون التظاهر بالمفاخرة والتباهي بالمعرفة.

وتلك الخصائص العلمية كانت الدافع للتنويه بشجاعة البيروني الفكرية وحبه الاطلاع العلمي وبعده عن الوهم وولعه بالحقيقة وتسامحه وإخلاصه.، وبالنسبة لمكانة وجوانب عبقريته فإن الباحثون يجمعون على مكانته العلمية لأسباب ثلاثة هي:

- سعة ثقافته في سائر المعارف وعلوم الطبيعة: الفلسفة والرياضيات والجغرافيا والفلك والفيزياء والتاريخ والطب.

- كثرة أسفاره ورحلاته التي أتاحت له التعرف على كثير من البلاد والثقافات في مواطنها.

- تعدد اللغات التي أتقنها وأبرزها إضافة للعربية: الفارسية والسنسكريتية والسريانية والعبرية.

وقد تجلت عبقرية البيروني عبر مآثر متعددة في مخلتف الميادين نختار منها: الرياضيات حيث برع في علم المثلثات وأسهم في وضع الجدوال الرياضية لجيب الزاوية (جا) وجيب التمام للزاوية (جتا)، كذلك أسهم في تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، كما برع في علم الفيزياء حيث وضع طريقة لتعيين الوزن النوعي لكثير من العناصر والأجسام المركبة، كما كان له إسهام في علم الفلك حيث أشار إلى دوران الأرض حول محورها، وابتكر نظرية لاستخراج مقدار محيط الأرض إستنادًا إلى معادلة شهيرة عرفت بقاعدة البيروني، كما أثبت أن دوران الأرض حول نفسها ومع سائر الكواكب الأخرى حول الشمس هو سببب تفاوت الليل والنهار وليس الشمس كما كان شائعًا.

ولم يكن البيروني يخفي ولعه الشديد باللغة العربية وحبه لها فقد كتب الجانب الأكبر من مصنفاته بلغة عربية رصينة وأسلوب عذب رقيق وبمعان سلسة دقيقة، ولم تكن كتاباته إلا لتكشف عن تمكنه فيها حيث كان يستشهد دائمًا بآيات من القرآن الكريم، وكذلك بالشعر الجاهلي والإسلامي والأمثال العربية، وعن العربية يقول البيروني في أحد الفصول التي تشتمل عليها مقدمة كتابه (الصيدلة في الطب): "ديننا والدولة عربيان وتوأمان يرفرف على أحدهما القوة الإلهية وعلى الآخر اليد السماوية"، ويقول أيضًا: "إلى العربية نقلت العلوم من أقطار العالم وحلت في الأفئدة وسرت في الشرايين والأوردة، وكل أمة تستعذب لغتها التي ألفتها واعتادتها واستعملتها في أشكالها وأغراضها ومآربها". إن الإنتاج الفكري لأبي الريحان البيروني لضخم وغزير وأصيل يصفه المؤرخ ياقوت الحموي بأنه يفوق حمل بعير، وأن تصانيفه كانت في الأغلب مكتوبة باللغة العربية فيما عدا بعض مصنفات قليلة كتبها بالفارسية. لقد كان البيروني عالمًا موسوعيًا عظيمًا في منهاجه العلمي إذ يتميز بشخصية متحررة تمامًا من أي انسياق أو تعصب تسعى دائمًا نحو الحقيقة متفانية في طلبها وتقصيها مهما كانت وحيثما كانت.

لقد كان البيروني عالمًا موسوعيًا عظيمًا يتميز في منهجه العلمي بشخصية متحررة تمامًا من أي انسياق مذهبي أو تعصب ديني، إذ هو تواق دائمًا للسعي نحو الحقيقة راغب في طلبها متفان في تقصيها. ومن الدراسة المتعمقة لأعمال البيروني يمكننا أن نحدد معالم وسمات منحاه ومنهجه العلمي على الوجه التالي:

- دراسة واستقصاء أعمال من تقدمه من العلماء والفلاسفة دراسة شاملة ومتعمقة، مع اهتمامه الخاص بتعلم لغات عديدة مما مكنه من الاطلاع على ثقافات ومعارف وحضارات كثيرة.

- عدم التسليم بما انتهى إليه الآخرون من علم ومعرفة بل إخضاع كل الفرضيات والنظريات والآراء والنتائج للبحث والنقد والاستقصاء سعيًا وراء الحقيقة وحدها، لذلك جاءت كتاباته خير شاهد على شجاعته الأدبية وتميزه بالأمانة والنزاهة.

- لتسلسل المنطقي في العرض مع الإيجاز في إيراد الأمثلة كيما يجهد القاريء نفسه في البحث والاستقصاء، وفي هذا المعنى يقول البيروني في فهرسه: "إني أخلي تصانيفي عن المثالات ليجتهد الناظر فيها ممن كان له دراية واجتهاد وهو محب للعلم ما أودعته فيها، ومن كان من الناس على غير هذه الصفة فلست أبالي فهم أم لم يفهم".

- الحرص على إيراد الكلمات المتقابلة في اللغات المختلفة من عربية وفارسية ويونانية وسريانية وهندية وغيرها، الأمر الذي أضاف كثيرًا من المفردات والمفاهيم إلى القيمة العلمية والتاريخية والتراثية والحضارية لمؤلفاته.

- تقصي أنواع المعارف المختلفة في الحضارات المتعاقبة وباللغات المتباينة مما جعل من البيروني عالمًا موسوعيًا بكل ما يعنيه هذا الوصف من خصائص وسمات، كما أن تصانيفه حفظت لنا الكثير من المعلومات القيمة عن حضارات أمم وشعوب مختلفة كثيرة.

- كتابة معظم أعماله بلغة عربية رصنية ذات مسحة أدبية بارزة مع الإكثار من الاقتباس من الشعر العربي والاستشهار بآي من القرآن الكريم، ولا أدل من ذلك من مما جاء في كتابه (الصيدلة في الطب) من عشرات الأبيات من الشعر الجاهلي والإسلامي.

لقد وُصف البيروني  - بعد دراسات مستفيضة لما خلفه وراءه من آثار علميه رائعة وتراث فكري خالد - بأنه من أعظم المفكرين في كل العصور وأنه كان فريدًا في علمه أصيلاً في عبقريته نزيهًا في آرائه متجردًا في كتاباته يبتغي الحق ويسعى للحقيقة.

وأخيرًا،  إن الحديث عن البيروني - مهما طال وتشعب - لن يوفه حقه من التقدير والتعظيم والإجلال، وإن آثاره العلمية لهي من التنوع والإصالة والابتكار ما يجعل تحقيقها في حاجة إلى دراسات طويلة ومستفيضة ومتعمقة، بيد أن هذه الدراسات هي خير وفاء وعرفان فضل لعملاق من عمالقة الحضارة العربية والإسلامية.  


عدد القراء: 188

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-