التفكير السلبي: غموض الرؤية Negative Thinking: Unclear Visionالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-09-30 11:48:53

أ. د. عبد الرحمن بن سليمان النملة

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

لن ينجح الأمر... ولن يتحقق المطلوب، أنا غير محظوظ... شيء ما سيحدث، وسأكون أكثر تعاسة وبؤسًا. ما سبق من عبارات، وغيرها كثير، تنطوي على صور من التفكير السلبي، الذي يعتبر العدو الأول للإنسان، إنه يثبط الحماس، ويقضي على التحفيز، ويساهم في التردد، والقصور الذاتي، والمماطلة، والانحراف التام عن الأفعال الموجهة نحو تحقيق الأهداف في الحياة. إن التفكير السلبي يتفوق علينا ويهزمنا، ويجعلنا أسرى لـــ "سوء الحظ" الذي يعتبر أداة للتحسر اللاحق، الناتج من عدم القدرة على الانجاز، إلى أن يقول الشخص لنفسه: لماذا أهتم؟ أو لا شيء يهم.

الواقع المؤسف، أن أغلب أفكارنا سلبية!! وهذا ما أثبتته الدراسات العلمية في هذا المجال. حيث أظهرت نتائج الدراسة التي أجرتها مؤسسة العلوم الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية (The National Science Foundation)، أن ما نسبته 80% من أفكارنا سلبية، وهي نسبة كبيرة وغير صحية، ذلك ما علق عليه مقصود رحمانوف (2017م) Magsud Rahmanov عندما أشار إلى نتيجة هذه الدراسة. وعند البحث في مسببات الأفكار السلبية، فان هناك شبه اجماع بين المهتمين في هذا المجال، في أن الاكتئاب (Depression) يبدو من أهم أسباب التفكير السلبي. وللاكتئاب أيضًا مسبباته، من ذلك الإرهاق والتوتر والجوع، والحرمان من النوم، وحتى الحساسية يمكن أن تجعلك مكتئبًا. وقد يكون سبب الاكتئاب مرضًا جسديًا عضويًا، أو مواقف وأحداث في الحياة، أو مشكلات شخصية، أو آثارًا جانبية للأدوية المستخدمة، أو ربما مجموعة من هذه العناصر، فاذا كان الإنسان مكتئبًا فانه سيفكر بطريقة سلبية. من جانب آخر، يرى البعض أن التفكير السلبي هو الذي يسبب الاكتئاب، ذلك أن محتوى الأفكار السلبية قائم على التذمر والغضب والحزن، والاحباط واليأس، والكثير غيرها من الرسائل السلبية مختلفة الأشكال والأحجام، والتي تعتبر أعراضًا اكتئابية، وبناءً عليه، يمكن القول أن العلاقة تبادلية بين الاكتئاب والتفكير السلبي.

ولكي يكون الأمر أكثر تحديدًا، هناك العديد من الأسباب الشائعة للأفكار السلبية، يمكن سردها في السياق الآتي:

1. البعد عن الله سبحانه وتعالى:

يرى الكاتب إبراهيم الفقي، رحمه الله، أن السبب الأول لتوارد الأفكار السلبية هو البعد عن الله سبحانه وتعالى، حيث يقول: الحياة المادية التي نعيش فيها والمنافسة القوية التي نراها حولنا، والتغيير السريع، جعل معظم الناس يضيع مع التحديات ويبتعد عن الله سبحانه وتعالى، سواء كان يدرك ذلك أم لا. وأن القرب من الله تعالى هو الذي يُخلص الإنسان من التيه والعدمية، ويرسم له الطريق الصحي والصحيح.

2. ظلال الماضي السلبية وتأثيراتها:

عندما تأتي نتائج موقف مضى عكس رغبة الشخص، فإنه يحمل تلك التصورات السلبية معه ويسقطها على أي موقف مشابه في حاضره أو مستقبله. وبذلك تكون الأفكار السلبية نتيجة لتجارب غير سارة، أو لمحاولات فاشلة حدثت في الماضي وترسخت في الذهن. وكأن الشخص يقول لنفسه: أعرف ما سيحدث في هذا الموقف، فقد حصل لي من قبل، لن أنجح، ولن أحقق شيئًا، لذا لن أعيد المحاولة.

3. التفكير المفرط (Overthinking):

تكرار الأفكار وتخيل النتائج والاحتمالات المختلفة، والتي معظمها غير واقعي، والقلق والهم بشأن أسوأ الخيارات هي علامات للتفكير المفرط. ومن علاماته أيضًا، استرجاع اللحظات المحرجة على نحو متكرر، وقضاء الكثير من الوقت في التفكير بالمعنى أو المقصود الخفي لما يقوله الناس، أو في الأسباب الخفية للأحداث التي تقع، فتجد الشخص يعيد صياغة المحادثات التي تمت مع الآخرين في الذهن، ويتمنى أنها لم تكن كذلك، ومن الطبيعي أن الانشغال الزائد بهذه الأمور يقود إلى ترسخ الأفكار السلبية.

4. عدم الثقة بالنفس:

عندما يفترض الشخص أنه لا يمتلك المهارة المطلوبة للقيام بعمل ما، أو تأدية سلوك اجتماعي معين، رغم وجودها لديه، فان هناك فجوة بين وجود المهارة وعدم الثقة في اظهارها، هذه الفجوة تسمح للطاقة السلبية بالتسلل واحتلالها، وبالتالي الهيمنة على التفكير.

5. لوم النفس على التأثير السلبي: 

عند حدوث أي أمر غير مرغوب أثناء تعاملك مع الآخرين، فإنك تتحمل اللوم، وتحمل تلك الطاقة السلبية بداخلك لفترة طويلة من الوقت، مما يلقي بتأثيراته على الأفعال والأنشطة اللاحقة التي تقوم بها، ويؤثر سلبيًا في تقديرك لذاتك، وفي قدرتك على مواجهة تحديات الحياة.

6. تحديد طموحات وأهداف غير واقعية: 

إن تحديد الأهداف ورسم الطموحات في الحياة يجب أن يكون واقعيًا، خلاف ذلك يؤدي إلى التيه، وعدم القدرة على الوصول للهدف، أو تحقيق الطموح، مما يقود إلى القاء اللوم على النفس، وظهور الأفكار السلبية.

عند الانغماس في التفكير السلبي، تتراءي الأفكار مقنعة، ولها تبرير عقلي، يجعلها تبدو منطقية. ذلك لأن الإنسان اعتاد عليها، ولا يدرك أنها أفكار وقناعات سلبية، انها طبيعته التي يعرفها، والتي وجدت تعزيزًا ذاتيًا. وبناءً فالتخلص من الأفكار السلبية ليس بالأمر السهل، ولكنه أيضًا ليس مستحيلاً. فالرسائل السلبية، أيًّا كان مصدرها، يجب ألا تثبط عزيمة الإنسان، بل عليه أن يكون استباقيًّا للخروج من دائرتها نحو العالم الرحب، ويتأتى هذا من خلال التوقف عن إعطاء هذه الرسائل أية قوة. إن على الشخص أن يستمع وعن كثب، إلى محتوى أفكاره، وضبط ما يسمى كاشف السلبية بدقة، فان رأى أن الفكرة سلبية ومتشائمة، فعليه ايقافها، وعدم تعزيزها. ومن ضمن الحلول، البعد عن الروتين السلبي كأسلوب حياة، فالروتين السلبي يشغل حياة الفرد ووقته، ولا ينعكس عليه بالإيجاب. كذلك النظر في الصداقات، فالصحبة هي التي تشحن الإنسان بعواطفه وأفكاره، فإذا كانت الصداقات تثير وتعزز الطاقة السلبية، فيفترض الاستغناء عنها، والعمل على مخالطة أشخاص إيجابيين والبحث عن بيئة إيجابية تساعد على البدء في التفكير الإيجابي.

ومن الطرق التي تساعد على التخلص من الأفكار السلبية، تنمية الثقة بالنفس، ويتم ذلك عن طريق تأمل الذات وتقدير المواهب التي أنعم الله بها عليك، فكُل شخص يتمتع بمميزات تميزه عن غيره، فإذا تعززت الثقة بالنفس، سيتوقف الإنسان عن إلقاء اللوم على نفسه، والتفكير بسلبية، فكلما كانت شخصية الفرد قوية وكان واثقًا من قدراته وشخصيته، كلما عكس ذلك أثره الجيد على تفكيره الإيجابي، وكُلما كانت شخصيته مهزوزة وضعيفة كلما كانت أفكاره سلبية متشائمة. ثم البعد كل البعد عن الانطواء الذاتي والعزلة، فهي تشكل بيئة خصبة للتشاؤم وتوارد الأفكار السلبية، وعلى الشخص أن يميز بين الحقيقة والخيال، ويسيطر على غضبه وانفعالاته، وأن يكون لديه قوة إرادة، فالفرق بين الإنسان النّاجح والإنسان الفاشل يتمثّل في الفرق في الإرادة.

 

أهم المراجع:

- الفقي، إبراهيم (ب ت). التفكير السلبي والتفكير الإيجابي: دراسة تحليلية. الراية للنشر والتوزيع، جمهورية مصر العربية.

- همفريز، توني (2013م). قدرة التفكير السلبي. تعريب: فاطمة عصام صبري. مكتبة العبيكان، المملكة العربية السعودية.

- Barnard, P., Watkins, E. R., Mackintosh, B., and Nimmo-Smith, I. (2007). “Getting stuck in a mental rut: Some process and experiential attributes,” in Paper presented at the 35th congress of the British Association for Behavioural and Cognitive Psychotherapies (Brighton).

- Ehring, T. & Watkins, E. R. (2008). Repetitive negative thinking as a transdiagnostic process. Int J. Cogn. Ther. 1, 192–205.

- Lyubomirsky, S., and Nolen-Hoeksema, S. (1995). Effects of self-focused rumination on negative thinking and interpersonal problem solving. J. Pers. Soc. Psychol. 69, 176–190. doi: 10.1037/0022-3514.69.1.176.

- Macedo, A., Soares, M. J., Amaral, P., Nogueira, V., Madeira, N., Roque, C. Pereira, A. T., et al. (2015). Repetitive negative thinking mediates the association between perfectionism and psychological distress. Pers. Individ. Dif. 72, 220–224. doi: 10.1016/j.paid.2014.08.024.

- McEvoy, P. M., Watson, H., Watkins, E. R. & Nathan, P. (2013). The relationship between worry, rumination, and comorbidity: evidence for repetitive negative thinking as a transdiagnostic construct. J. Affect Dis. 151, 313–320.

- National Science Foundation (2012). Bothered by Negative, Unwanted Thoughts? Just Throw Them Away. Retrieved from: https://www.nsf.gov/news/news_summ.jsp?cntn_id=126164

- Nolen-Hoeksema, S. (1991). Responses to depression and their effects on the duration of depressive episodes. J. Abnorm. Psychol. 100, 569–582. doi: 10.1037/0021-843X.100.4.569.

- Slavish, D. C. & Graham-Engeland, J. E. (2015). Rumination mediates the relationships between depressed mood and both sleep quality and self-reported health in young adults. J. Behav. Med. 38, 204–213.

- Rahmanov. M. (2017) . 80% of Our Thoughts Are Negative - Control Them! Retrieved from: https://www.linkedin.com/pulse/80-our-thoughts-negative-control-them-magsud-rahmanov/


عدد القراء: 376

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-