أفكار تولستوي وتشيخوف حول الموتالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-09-30 14:47:28

حسين علي خضير

كلية اللغات – جامعة بغداد

الكاتب التركي: سميح غوفين

ترجمة: حسين علي خضير

 

هل الموت – هو اختفاء؟ وهل هو ظلام أبدي، ام صمت وعدم الحركة؟ عندما يحين الموت عادة ما يفكر الناس في الحياة، ويبدو من المستحيل ان نقول وداعًا لأنفاسها الجميلة. بالطبع نحن خائفون، وفي بعض الأحيان يمكن للموت أن يتفوق على شخص ما، دون أن يمنحه الفرصة في التفكير. لكن كما قال ناظم حكمت: "ليس من المعيب الخوف من الموت".

قد تختلف آراء الناس بصورة عامة حول هذا الموضوع اعتمادًا على الإيمان الذي يشعرون به بسبب انتمائهم أو نظم معتقداتهم أو الثقافة التي يعيشون فيها، يمكن اعتبار الموت بمثابة انتقال الى مرحلة أخرى، نعتقد بأن الجسد أو الروح ما زالت موجودة بعد الموت في أشكال أخرى، أو اعتبر الموت هو النهاية التي لا يوجد شيء بعدها.

يؤمن أتباع الديانة الهندوسية بالانبعاث من جسد لآخر أو من حالة الى أخرى حتى يتم الوصول إلى حالة روحية مثالية عالية (النَرفانا)*.

وحسب الديانة الاسلامية، على سبيل المثال، الموت محدد سابقًا، ولكن جاء الإنسان إلى هذا العالم ليعيش لا من أجل أن يموت. وعلاوة على ذلك، تنقسم الحياة إلى مرحلتين: المرحلة الأولى هي إلى حد ما التعلم والاختبار، والمرحلة الثانية هي الحياة الأبدية، والتي سوف تعتمد على النتائج التي تم الحصول عليها.

وفقًا لبعض الآراء الفلسفية، فإن الموت، كونه الشذوذ الأكثر أهمية (الانحراف عن المبدأ، واللاَمعقول) في حياة الإنسان، بمعنى إنه يبني نظامًا شخصيًا للمعتقدات والعقائد.

بالنسبة للفنانين والكتاب، فإن مفهوم "الموت" له أهمية خاصة. من ناحية، يفكرون بموتهم، ومن ناحية أخرى، يقومون بتطوير هذا الموضوع في أعمالهم. كما تعلمون، في الأدب، يعد الموت أحد أهم الموضوعات في عمل الكتاب إلى جانب الحب والحرب والجريمة. بالإضافة إلى ذلك، يكتسب الفنانون والكتاب إلى حد ما الخلود، تاركين شيئًا ماديًا في هذا العالم المميت. في النهاية، فإن البحث عن اللانهاية ما هو متأصل في الإنسان نفسه.

بالنسبة لاثنين من عمالقة الأدب الكلاسيكي الروسي مثل تولستوي وتشيخوف، كانت حقيقة الموت مهمة من وجهة نظر حياتهم الخاصة ومن وجهة نظر أعمالهم وأفكارهم. وبطبيعة الحال، كان أنطون تشيخوف، بصفته شخصًا حاصلًا على تعليم، مشغولًا بمواضيع تتعلق بالصحة والتشريح والموت. وبوصفه مبدع القصة القصيرة الحديثة، بحث تشيخوف، بالطبع، موضوع الموت في أعماله.

أجبر النزيف الرئوي تشيخوف على الذهاب إلى العيادة في عام 1897، لقد لاحظ الأعراض التي مرض السل جعله يشعر بها، لكنه أهملها. في العيادة قام تولستوي بزيارة لتشيخوف، فوجد المريض في مزاج هادئ ومبهج على عكس توقعاته. بدا هذا الموضوع مثيرًا للاهتمام بالنسبة لتولستوي. وقد تحدث تشيخوف عن الموت، حتى لو لم يكن في الوقت المناسب.

تحدث تولستوي عن آرائه بشأن الموت والحياة بعد ذلك. قال تشيخوف للناشر سوفورين: "إنه أمر مخيف أن يصبح الإنسان لا شيء. سوف يأخذونك إلى المقبرة، ويعودون إلى المنزل، ويشربون الشاي، ويتحدثون عنك بحديث فيه نفاق، إنه أمر مثير للاشمئزاز حتى التفكير في الأمر".

بعد النزيف، حارب تشيخوف المرض لمدة سبع سنوات، هذه الحالة هي التي كانت من المرجح جعلته يفكر في الموت. ذهب تشيخوف إلى ألمانيا للعلاج في حزيران 1904، وقبل مغادرته، أخبر أصدقائه: "ذاهب لأموت". في ليلة 2 تموز/يوليو، اتصل تشيخوف بالطبيب وأخبره: "أنا أموت".

طلب إحضار الشمبانيا، ثم ذهب بهدوء للنوم ومات. يمكننا القول أن تشيخوف قابل الموت بهدوء وشجاعة. ربما كان تشيخوف ربوبي**، لكنه فهم مدى أهمية الإيمان في حياة الفلاح الروسي. في رسالة إلى غوركي، كتب تشيخوف أن تولستوي يخشى الموت ويريد يطمئن نفسه بالنصوص المقدسة.

اثنان من كبار الكتاب تولستوي وتشيخوف، أحدهما أصبح أكثر شهرة في الروايات، والآخر في مجال القصص، يحترم كل منهما الآخر، ومن وقت لآخر يلتقيا ويتحدثا. كان تولستوي متعاطفًا جدًا مع تشيخوف: "هو كاتب لا مثيل له، نعم، بالضبط، لا مثيل له. لقد ابتكر أشكالاً جديدة من الكتابة، لم أصادف مثلها أبدًا في أي مكان آخر. "كان تشيخوف يحظى باحترام كبير لدى تولستوي، وبالطبع كان يحبه. أضف إلى ذلك، الكاتبين عملوا في مختلف أنواع الفنون، تميز تولستوي أيضًا بتفكير جاد في الأخلاق والإيمان، مما أثار اهتمامًا أدبيًا لا يقل عن اهتمامه بالعالم. على الرغم من أن آرائه الدينية لا تحب الكنيسة، فقد حاول إيجاد معلم أخلاقي جديد، يجمع بين معرفة الشرق والغرب. سعى من أجل البساطة، وحياة الفلاحين. بالطبع، كان أحد الموضوعات المهمة التي تعامل معها هو الموت، غالبًا ما تحدث عنها في أعماله، على سبيل المثال: "موت إيفان إيليتش" و "الحرب والسلام".

يقول الأمير القوي والممشوق القامة أندريه، الذي أصيب بجروح قاتلة في ساحة المعركة، وداعًا لهذا العالم المادي المغامر، الذي ترك فيه أحلامه، وحبه لنتاشا الجميلة. هذا المقطع من الرواية هو واحد من أكثر المقاطع إثارة للأعجاب.

لم يبحث تولستوي موضوع الموت في أعماله فحسب، بل وأيضًا أكثر من مرة صادفه في حياته الخاصة، وفي أسرته، وبالطبع، احتل هذا الموضوع مكانًا مهمًا في آرائه. ربما كان خائفًا حقًا من الموت، كما قال تشيخوف، ولكن هذا الأمر لا يمكن اعتباره عيبًا.

غادر تولستوي البالغ من العمر 82 عامًا المنزل ليلاً في عام 1910، أمر بقرن الخيول، وأخذ حاجاته الضرورية معه ومضى في طريقه. كتب رسالة إلى زجته يطلب منها أن تغفر له وأن لا تظن فيه ظن السوء. ذهب تولستوي إلى دير أوبتينا لرؤية أخته ماريا. كنت أبحث هناك عن كوخ مناسب لنفسي، لكني لم أجده. وفي الوقت نفسه، اكتشف أنهم كانوا يبحثون عنه، أراد تولستوي تغيير المسار والذهاب إلى بلغاريا، ولكن ابنته لحقته وأقنعته بالعودة، استقلوا القطار معًا وعادوا إلى المنزل، ومن جراء تدهور الحالة الصحية، اضطر تولستوي إلى النزول من القطار في استابوفو، ودعا رئيس المحطة الكاتب للبقاء معه. كان لدى تولستوي الالتهاب الرئوي حاد جدًا، وتوفي الكاتب العظيم في 20 نوفمبر 1910. إحدى كلماته الأخيرة في منزل رئيس المحطة كانت: "لكن الفلاحون يموتون بطريقة ما". اعتقد تولستوي أن الفلاحون، وفقًا لإيمانهم يقبلون الموت على أنه أمر مسلم به.

كتب تولستوي ذات يوم في مذكراته: "عندما أموت، أود أن أسال: هل ما زلت تفهم الحياة بالطريقة التي فهمتها، وهل هي قريبة الى الرب، وفيها يزداد الحب...إذا لم يكن لدي القوة للتحدث، فان كانت الإجابة بنعم – سأغمض عيني، وإن لم تكن كذلك – سأرفعها". لكن في وقت الموت، لم يسأله أحد عن ذلك.

 

الهوامش:

*النَرفانا: حالة نفسية (في البوذيَة) تؤدَي إلى انصراف المرء عن هموم الدنيا. (المترجم).

** ربوبيَ: القائل بمذهب الربوبية. (المترجم)

رابط المقال لمن يريد ان يقرا المقال باللغة الروسية:

https://inosmi.ru/social/20190728/245534265.html


عدد القراء: 161

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-