«وديان الإبريزي» ومفارقات الأحلام المتنقلةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2021-09-30 22:21:39

شوقي بدر يوسف

ناقد من الإسكندرية

وزائرتي كأن بها حياء   

                فليس تزور إلا في ظلام

                                             أبو الطيب المتنبي

 

"وديان الإبريزي" هي الرواية الأولى في كتابات الكاتب خالد أحمد اليوسف السردية. بعد عدد من المجموعات القصصية المتواترة في صدورها تباعًا خلال مرحلة بواكير منجزه السردي، وهي تمثل حلقة من حلقات التعالق النصي القائم على طرح رؤية روائية تحتفي بالعديد من القضايا والإشكاليات المرتبطة بسطوة المكان والأنثربولوجي في متخيله الإنساني، وتداخله في طبائع الشخصيات وانعكاسه على محتوي الأحداث، وتوجهاتها عبر قصة حب ناشئة وسط سوسيولجيا اجتماعية لها متناقضاتها وخصوصيتها في التعامل مع عادات وتقاليد تحكمها أحكام القبيلة وقوانينها الخاصة في ترتيب العلاقة بين أفرادها. وعلاقة الراوي مع المرأة في نموذجين متناقضين ومفارقات عدة يفرضها الواقع النفسي في عقده وتركيباته كنقطة ارتكاز تطمح في أن تنتهي إلى ما يفرضه الواقع والمتخيّل معا في بصيرة الكاتب ورؤيته حيال المشاهد والأحداث القائمة على علاقة الرجل بالمرأة في أكثر من صورة من صور هذه العلاقة.

الرواية تعتبر من الأعمال السردية التي تحتفي بالمكان وتأثيره السيكولوجي على ممارسات ساكنيه، وانعكاسات خطوطه وملامح علاماته على أنثربولوجيا الإنسان القائمة فيه، كذلك على واقع الشخصيات والعلائق الاجتماعية السائدة في هذه الأماكن المنتخبة من المجتمع السعودي، وطبيعة الشخصيات القائمة على وقع ما يحدث فيها من أحداث وممارسات تستمد معطياتها من المناخ الاجتماعي العام لأحداث متداخلة ومتشابكة. ولا شك أن المفارقات الحادثة في أحداث النص من خلال حشد من المحكيات والمرويات المطروحة والتي تعطي انطباعًا أننا نواجه أحداثًا وشخوصًا تشتغل على المفارقة الحلمية المتنقلة من بؤرة إلى أخرى ومن شخوص إلى شخوص مماثلة، حيث تتناسل الأحداث وتتنامى في تابوهات النص وجوانبه القائمة على لغة شاعرية ينساب فيها الحس الشعري من خلال نسيج جملها ومفرداتها الموحية بطريقة حسية وجمالية يطرح الكاتب من خلالها طبيعة المكونات الشخصية وبوح الذات والإشكاليات الكامنة في مسرح الأحداث.

العنوان ومدلولاته

يمثل العنوان في هذا النص الروائي مستهل مجمل النص في أبعاده الدلالية والرمزية والتأويلية باعتباره مفتتح الكلام ومحور التلقي كما أنه يمثل البعد الأوّلي لجسم النص لذا كان الاحتفاء به من أهم الخطوات التي خطاها الكاتب نحو تنضيد أبعاد نصه الروائي، أو هكذا يجب أن يكون، وفي بلورة ما نحن مقبلين عليه من أحداث يجسد هذ التوجه مفتتح الكلام بصورة رمزية كاشفة، وقد جاء عنوان الرواية من خلال مفردتي المضاف والمضاف إليه "وديان الإبريزي"  كنوع من التأويل الخاص بنوعية التعبير عن معني ربما يكون مضمرًا في دلالاته الأولية، أو رامزًا في تعبيره عن مكان ما، والقارئ للنص يكتشف بعد فترة من القراءة أن العنوان يحمل اسم والد إحدى الشخصيات وهو "وديان ريحان الإبريزي" والد الفتاة حصة الشخصية المحورية الثانية في الرواية، وقد أختار الكاتب اسمه في العتبة الأولى للنص ربما ليضع دلالة تأويلية عن التماهي الحاصل في عالم ابنة وديان حصة الإبريزي، المرأة التي اختارها البطل لتكون شريكة حياته من ناحية واقعها وطبيعتها وجرأة أسرتها في مواكبة الواقع والانتصار على الأحكام البالية من عادات القبيلة: "تعتصرني أعمق من المسافات الأرضية مسافات أخري تم تشييدها من عقول لا تعرف إلا قداسة القبيلة فوق أي قداسة ربانية، طهارة وصفاء". (1) هي قراءة أولية لمفتتح النص من خلال هذه الدلالة التي ربما تقترب من بؤرة ما يمثله الواقع في نسيج النص شكلاً ومضمونًا.

الرواية والبنية النصية

تبدأ الرواية بهذه العبارة الكاشفة: "عبرت شوارع الخبر فرحًا لوصولي إليها سالمًا، وانتهاء الهم الطويل الذي صاحبني أثناء قيادتي السيارة منفردًا مع هواجسي من بريدة إلى الخبر". (2) وتمثل عبارة الراوي السارد أول حدود المسار السردي، وقد جاءت مرتسمة بكل وضوح في مقدمة الأحداث، مؤكدة على انطلاق فعل الحكي بكافة صوره وأشكاله إلى آفاق قادمة ارتسمت على وجه الشخصية المحورية للنص شخصية "سعد الشادن" القادم لتوه من مدينته بريدة، وينتهي النص بهذه العبارة الكاشفة أيضًا والمعبرة عن نهاية الأحداث: "لازم تشوفه.. أبغاك تعرف كيف تتعامل معه، أنا من ها للحظة قتلت حيائي، لأنك زوجي وستري وسكني، ها هو ما كنت أخفيه عنك، وأتهرب من إلحاحك ولهفتك، ها هو بين يديك اتفق معه..!!

جذب لحافًا وغطى سوءتها، بعد أن تأكد من كل الآثار التي رسمت فوقها، وفرضت عليها عادة لم تستطع ردها، وتقليد موروث لا فائدة من تعاقبه إلا بالتفاخر والتقليد، وسال كل دم في جسدها، ولم يتبق له إلا دمها المعطر الذي لم يجر ليختلط بدمه المنتظر لحياتهما الجديدة"(3). وبين هذه البداية الاستهلالية المجسدة للبنية الكبري للنص، وهذه النهاية المأزومة المفتوحة على ما كان يبغيه سعد الشادن في حياته القادمة ويتوق إليه، وما كانت تخشاه حصة لهذه اللحظة الفارقة في حياتها، وكانت ترتب حياتها وانشغالاتها طوال الأحداث لتأجيل هذه اللحظة من خلال الأحلام االمتنقلة المؤجلة، من هنا كانت الرواية تسير في بنيتها الكبري سيرها الحثيث الجامع لأحداث جمعت في بنياتها الصغرى المتواترة بين قلبين إحدهما من "بريدة" وسط المملكة والثاني من "الخبر" شرقها، وبين هذا وذاك تتمحور تيمة النص في مفارقات نصية أفصح عنها الكاتب من خلال شخصية سعد الشادن الذي حدد طبيعة ذكورية الرجل في هذه العلاقات التي جمعت بين الرجل والمرأة في تناقض صادم ومفارقة أنثوية لأحلام متنقلة حدثت بين امرأتين لكل منهن طبيعة خاصة في التنشئة والممارسات والأحلام والتوجهات.

كما استخدم الكاتب أنثربولوجيا الحياة الاجتماعية في مرويات النص ومحكياته من خلال ما يعترض الشخصيات من أحداث وتأزمات ومواقف تبرز العلاقة الاجتماعية داخل الأسرة وخارجها خاصة ما اعترض حياة حصة من أمور وممارسات في حياتها الخاصة: "تمدد غصن "حصة" الرطيب على خشونة الحياة، على التربية المسكونة بتعاليم قاسية مما تراه وتسمعه وتشعر به، تضاعف عمرها سريعًا، وأمست أما مثلما أصبحت مربية وخادمة". (4) في نفس الوقت كانت طموحاتها لا حدود لها بسبب المفارقات التي كانت كثيرًا ما تعترض حياتها، وحياة أسرتها الصغيرة التي منيت بالعديد من التأزمات والمآسي مثل مرض الأم ووفاة الأخت زينب ومعاناة الأب اجتماعيًا. ولعل المفارقة التي استخدمها الكاتب في تجسيد وتصوير بعض الحوادث التي تعرضت لها الأسرة وانعكاس ذلك على حياتها الاجتماعية بكل ثقل هذه الحياة: "حين يجمع وديان الإبريزي أولاده حوله يذكر لهم أنه يعود إلى ديرة تلتحف السماء وتعشق غيمها، وتفترش الأرض المختلطة بالطين والرمل والزراعة والرعي، ويهيم أهلها بترابها وما تنتجه من غرس أيديهم وحصادهم الموسمي". (5)

ويتماهى النص في حشد من المرويات والمحكيات التي تعترض نسيج السرد حول العديد من الموضوعات القائمة على محيط الشخصية المحورية الثنائية في الرواية وهي شخصيتي سعد الشادن وحصة وديان الإبريزي، وفي جملة اعتراضية يستحضر النص تماضر في رحلة سياحية مكوكية مع سعد في انجلترا يشاهدان فيها الحياة المتحررة في هذه الدولة، وتبدو البنية النصية في هذه المرحلة من النص وكأنها مغامرة تستدعي الحياة الغربية بما تحتويه من تابوهات الجنس، وغيرها من الممارسات غير المتوازنة مع العقلية الشرقية، لدرجة أن شحنة هذه الطبيعة كان لها تأثيرها على كل من سعد وتماضر، وحين كانا على وشك الدخول إلى حالة أيروتيكية مماثلة، إذا بالروح الشرقية تقفز فجأة إلى الموقف ويقف كل منهما من الآخر موقفًا غرائبيًا فرضه الواقع والمتخيل في وضعهما الذي كانا عليه: "رأيت وجهًا ليس لبشر أو إنسان، إنه وجه شيطان أو جان".(6) وعندما أفاق سعد من الدهشة أخبرته تماضر وهي تبكي: "أنا كنت في قمة حبي، فجأة فتحت عيوني إلا وأشوفك بصورة مرعبة مخيفة، ما اني قادرة أتخيلها".(7) وهكذا يسير النص بمفارقاته المتخيلة المختلفة بين علاقة حصة وسعد وعلاقته أيضًا بتماضر على وتيرة الحكي والسرد بتعدد صوتي شخصيتي سعد وحصة في استكمال للبنية النصية التي تتعدد محكياتها ومروياتها في أماكن وأزمنة تختلف باختلاف الموقف والمشهد والحدث.

البناء الفني

على أن البناء الفني للرواية القائم على اللغة والحوار والسرد وتقنيات الكتابة كالفلاش باك والمونولوج الداخلي، والمتضمن عشرين نصًّا سرديًا تتواتر مجرياتها بحسب مرويات الأحداث ومحكياتها والشخوص والمكان، يتخلل النص بعضها مقاطع شعرية بحسب متطلبات الحدث وما يفرضه المشهد من حاجة ماسة إلى هذه المقاطع، فمن مقاطع شعرية مؤلفة تلقى بظلالها على أحداث بعينها، إلى الاستئناس بشعر المتنبي في مواقف أخرى محددة، بحسب رومانسية صوت بوح الأنثى خاصة في المقطع الثاني من بدايات الرواية. كما يتضمن النص محاورات تتناول السياسة والحرب وما ترفده شهرزاد من محكيات ومرويات من خلال مراسلات عدة متبادلة بين سعد الشادن وحصة الإبريزي، كما تسير الرواية في آليات بنائها على أصوات الشخصيات كل شخصية لها صوت سردي يحاول أن يجسد ويعبر عما يجول بذاته وذهنيته من بوح ذاتي في شعر مهموس لوصف المشاعر المتأججة، وتمثل هذه الفرانكفونية الصوتية في تعدد سرد صوت الشخصية في التعبير عن مجريات الأحداث والمشاهد، والبوح الذاتي لدى كل منها خاصة شخصيتي حصة وسعد اللذان يتبادلان الروي، فكل منهما يروي علاقته بالآخر بمشاعره المتأججة وأحاسيسه المضطربة بصوته وبوحه السردي، وبرؤيته الذاتية للموقف، بدأها سعد الشادن بمونولوج داخلي يحدد فيه أسباب حضوره المبكر من بريدة إلى الخبر لملاقاة حبيبته حصة، بعد سلسلة من المراسلات أججت مشاعره وأحاسيسه تجاهها جعلته يسرع لإتمام هذا اللقاء، ويسترسل صوت الراوية حصة من خلال حساباتها الدقيقة في التعبير عن الذات خاصة إذا كان القلم بحسب رؤيتها هو المعبر عن هذه الخصيصة: "إن أمسكت بقلم لكتابة ما تضج به ذاكرتي أتوقف كثيرًا أمام الورق والقلم، فليس أي قلم أخفض رأسه، وليست أي ورقة تحتضن مدادي".(8) ويعود صوت الراوي في بوحه الذاتي حول ما رسمه لها في ذهنيته ومن خلال مونولوج داخلي معبر: "حاولت كثيرًا الخروج في أحاديثي عن موضوعاتنا المعتادة، وافعل ذلك بدون أن تشعر لمعرفة ما وراء هذا الصوت، وهذا العقل الذي أربكني، وهذه الأفعال التي تذكرني بنساء خالدت، تصورت شكلها وطولها ولون بشرتها، ملامحها وقسمات وجهها، وانشق سؤال عريض يستفهم عن عينيها وسعتهما؟، وعن أنفها وفمها وكيف رسمها؟، وعن شعرها أطويل هو ولونه أسود؟ أم أنها كفتيات هذه الأيام من موضة إلى أخرى؟".(9) ويستخدم الكاتب في آليات تقنيات الكتابة لغة فنية حرة، أراد من خلالها أن يوسع دائرة المعاني والإشارات والأيقونات التي يبعثها النص إلي ذهنية القارئ، فمن اللغة والمونولوجات الداخلية والبوح الذاتي والشعر والفلاش باك وغيرها من وسائل الإرسال كتب النص ليعوّل عن حالة سردية لها أسلوبها الخاص في التعبير وموضوعها المتداخل مع وقائع محددة انتخبها الكاتب من سوسيولوجيا خاصة لواقع أراد منه أن يطرح العديد من الأسئلة وأن تجد الرواية الإجابة عليها.

اللغة

تبدو لغة الرواية في تجلياتها الحسية والشعرية في طرح إيحائي وجمالي ترفده طبيعة الشخصيات، ومكونات الأحداث، وبوح الذات الصادر من قلوب حائرة في كل المشاهد تقريبًا. ومن ثم فإن اللغة بإيقاع دفقات جملها، ومفرداتها القائمة على حالة خاصة من حالات العشق بين الرجل والمرأة تطرح نفسها بشاعرية وشعرية رومانسية خاصة في تلك العلاقة التي نشأت بين حصة الإبريزي بنت مدينة "الخبر" وسعد الشادن القادم لها من مدينة "بريدة"، وربما كان توظيف البوح الشعري الذي استخدمه الكاتب – كما ذكرنا - في مستهل مشاهد النص جاء لمحاولة تحديد مكنون الذات، وطرح نوازعها الذاتية الحائرة والمتقلبة، كما أن استدعاؤه للتراث الشعري القديم مثل قصيدة المتنبي كمفتتح لغوي يؤكد رومانسية التوجه الذي سوف يسير عليه النص فيما بعد، وإن كان رأيي أن توظيف الشعر في السرد الروائي يجب أن يكون له مبرراته القوية، وألا يكون الشعر له بؤرة خاصة به تنازع سردية المحكي والمروي من الأحداث، إلا في حالة توظيف الشعر في منعطفات وجوانب البوح النصي في حالاته المتماهية مع ما يرفده النص من مشاهد وأحوال تحتاج إلي هذه الشعرية أو الشاعرية، وقد حاول الكاتب توظيفه في الجزء الأول من الرواية كمصدر التقاء بين شخصيتي الرواية سعد الشادن، وحصة الإبريزي، وهو عامل من عوامل التقاء رومانسي كاشف جمع بين سعد وحبيبته حصة، بعد فشل علاقته الأولى مع تماضر، وإن كانت المغالاة والإفراط في هذا الجانب قد أوجد نوعًا من الأبعاد الملتبسة في توظيفه. كما أنها محاولة أرى أن السرد كان من الممكن أن يكون هو الأجدى في التعبير عنها خاصة وأن الكاتب قد نجح تمامًا في عرض جوانب مماثلة في وسط الرواية ونهايتها ما أهله لأن يكون المفتتح السردي في الاستهلال الأولي للنص أكثر فاعلية في التعبير عن مشهد اللقاء الذي جمع بين كل من حصة وسعد الشادن على الرغم من بعد المسافة والطبيعة بينهما. ومن ثم كانت اللغة في سرديتها هي الأحرى في الاستخدام. باعتبار أن اللغة في حد ذاتها من الممكن أن تكون إحدى شخصيات النص، كما إنها تكوّن في بعض الأحيان وفي العديد من النصوص الروائية هي المعادل الموضوعي، والتيمة الأساسية للنص بمروياته ومحكياته المختلفة، وهي الشخصيات بتشكيلها وطبيعة بنيتها الفنية، وهي المكان من حيث كونه خلفية أو إطار يجمع داخله الأحداث وتتحرك فيه الشخصيات، وهي الزمن بتفاعلاته وتداخلاته المروية، وهي أسلوب التعبير وآليات تجليات السرد والوصف والحوار، تلك هي اللغة. لذلك جاءت على النحو الذي جاءت عليه حاملة معها قدرًا من التجليات الذاتية لدي الشخصيات في آلية أراد الكاتب منها أن يجعل المتناقضات الأنثوية في علاقة سعد الشادن بين كل من حصة وتماضر تبرز طبيعة كل منهما على حدة لذا كانت البداية الاستهلالية مع حصة ثم عروج النص إلى العلاقة الحسية مع تماضر هي المحور الرئيسي لمعطيات المرأة بأنوثتها و طبيعتها المتقلبة في محكيات ومرويات النص، كما أنها تمثل في نفس الوقت جملة اعتراضية استطاع الكاتب من خلالها أن يضعنا في بؤرة الحدث المتمثل في تجربة سعد الأولى مع الأنثى قصة سردها سعد على مسامع حصة بعد أن طلبت منه بإلحاح أنثوي أن يحكيها بدافع الفضول والرغبة في معرفة طبيعة العلاقة التي أقامها حبيبها مع فتاة أخري قبلها: "ما زلت أرغب معرفة مدى علاقتك بتلك الفتاة التي ساعدتها ووقفت معها عند الحرم النبوي، أإلى الآن تعرفها؟؟ أو انتهت العلاقة؟ وهل انتهت على شيء ما؟؟".(10) وتمثل هذه العلاقة القادمة بقوة في البؤرة الرئيسية للرواية كما ذكرنا بأنها جملة اعتراضية في نسيج النص، يسردها الكاتب ليضع النقاط على الحروف في شأن علاقته العاطفية بحبيبته "حصة"، وليمهد الطريق لها في تعرف مدى ما يكنه لها من حب، وإن كانت صراحته في سرد علاقته الأولى الملتبسة بتماضر، في بعدها الأنثوي، يضع علامة استفهام حول مرور هذه القصة مرور الكرام على مسامع حصة، دون أن تكون للجوانب الأنثوية المعروفة عند المرأة رد فعل أنثوي مما يجب أن يكون في مثل هذه الحالات وعلى الأخص "الغيرة الأنثوية" ودورها في بلورة الموقف الذاتي لها.

المكان

المكان جانب مهم من جوانب السرد الروائي لذا فهو يمثل شخصية مؤسسة للوقوف منها على طبيعة المشهد وما يحتويه من سيكولوجية كاشفة لطبيعية المكان وطرح الأبعاد الإنسانية الموظفة لتحديد روح المكان ومدي تغلغله في عقل وقلب الكاتب لذا فهو يصفه بقوله: "المكان يسكنني أنا بصفتي الطبيعية وليس الإبداعية، وهو يشكّل كثيرًا من معالمي، وفتنتي بالحياة، واضطررت كثيرًا للسفر والاستقرار في أمكنة كثيرة من أجل صورة أو وصف مكاني في رواياتي، ولن أستطيع الكتابة عنه إلا إذا عايشته وأحسست بجماله، وتلمس معالمه، وهذه لم تأت من فراغ. بل من كتابتي للقصة القصيرة التي أعطتني مرانا، وممارسة حقيقية لحالات التلبس الواقعي للأشياء، وللمكان بصفته الجمالية، والروحية والتكوينية".(11)

ولعل جوانب المكان الذي حددته شخصية سعد بدءًا من مدينة "بريدة" مدينته، والسمات الذاتية التي اكتسبها منها، مرور ببعض الأمكنة المدينية مثل المدينة والخبر والقاهرة ولندن وكل ما حدث فيها من لقاءات وعلاقات وممارسات تبدو فيها العلاقات جميعها بما فيها الجنس المضمر والمعطل في لقاءات سعد مع كل من تماضر وحصة في مفارقاته الحاصلة على المستوى الخاص والعام، وعن المكان يقدم سعد اعترافاته عن علاقاته بتماضر: "حدثتني عن مدينة أجدادها "ينبع" التي لم تعش فيها بسبب عمل والدها، تنقلت منذ صغرها بين بلدان ودول كثيرة منذ أن كان والدها سكرتيرًا في وزارة الخارجية، أما المدينة المنورة فإنها محطة روحية سنوية لا تتجاوز الأسبوعين أو الثلاثة في العام، وذكرت جدة على أنها مدينة الاسترخاء، والإحساس بالطفولة التي لم تغادرها".(12) كان المكان المديني عند كل من سعد وتماضر هو المحدد للبعد الحضاري عند كل منهما، ومحور الانتماء لكل منهما تجاه المكان، أما سعد فقد كان بجديته الصارمة كما يقول وجفافه الإنساني المرهق يعرف طبيعة الأماكن، وانعكسات واقعها على ساكنيها، كان يقول: "مدينتها تفوق مدينتي في الرقي والحضارة والجمال، إلا أن بريدة مدينتي في قلب الصحراء الرملية ومدينتها تستلقي على شواطئ جذابة ساحرة".(13) لذا كان المكان في جوانب الرواية له أهميته في التعبير عن الشخصيات لرابطة الانتماء والهوية، إذ أن المكان له أهميته القصوى في التعبير عن فراغ وفضاء النص بشتي صوره، كما أنه يرتبط أيضا بالزمان الذي حددته الرواية ببدايات عام 2003 المشحونة بكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية والتي وضحت من الرسائل المتبادل بين كل من حصة وسعد التي وضح تحريرها خلال الفترة من يناير وأبريل حتي الوصول إلى أغسطس 2003 والتي شهدت فيها احتلال أمريكا للعراق خلال تلك الفترة.

الحوار

يدور الحوار بين شخصيات الرواية باللهجة العامية الخليجية الدارجة، مع اختلافات قليلة في تنويعات اللهجة بحسب طبيعة المكان القادمة منه الشخصية، ومتداول الحدث، والمفردات التعبيرية فيه. فاللهجة التي تستخدمها حصة الإبريزي بمفرداتها التعبيرية مستمدة مما تعايشه وتتفاعل معه في مدينة "الخبر" الخليجية ربما تختلف بعض الشيء عن بعض مفردات ما يستخدمه سكان "بريدة" القادم منها سعد الشادن الشخصية المحورية في النص. كما أن لهجة "تماضر" القادمة من "ينبع" ومن أماكن عربية وأجنبية أخرى عايشتها مع أبيها الذي يعمل بالسلك الدبلوماسي وتفاعل حياتها مع المستويات الاجتماعية المعايشة لحياة أبيها، تشوبها مفردات تختلف عن سابقتها، إلا أن اللهجة العامية المستخدمة في نسيج النص بصفة عامة عند كل من حصة، وسعد، وتماضر، وغيرهم من الشخصيات الأخرى تتناسب وما يدور في وجدان وواقع عقل كل منهم كناحية تعبيرية تسم النص بميسم التعبير عن روح الشخصية بواقعيتها المكتسبة من واقع المكان ومعطياته، وسيكولوجيتها التي هي أيضًا من سيكولوجيات المكان وطبيعة تشكل واقعه الاجتماعي والأنثربولوجي، لذا كانت ازدواجية لهجة الحوار الدائر بين شخصيات النص تختلف في بعض الأحيان باختلاف المكان والمناخ والأحداث بحسب طبيعة المفردات المتداولة في المنطقة القادمة منها الشخصية والحدث الحاصل وقت الحوار.

كما وأن استخدام اللهجة الدارجة في حوار الرواية ربما يكون له ضرورة فنية لكشف سلوك الشخصية، وطبيعة الخلفية النفسية لواقعها الذاتي، ومحكات الأحوال الاجتماعية المحيطة بها. وقد نجح الكاتب في توظيف لهجات الحوار عبر هذا المنحى على لسان شخصيات الرواية في إدارة النص، والكشف عن المواقف والأحداث التي تكتنف معطيات وجوانب مشاهده المختلفة. ولعل هذا الحوار الذي جمع بين سعد وحصة في لقائهما الأول يبدو في دلالته طبيعة العفوية والتلقائية معبرا عن هذا اللقاء المفعم بالفرح لهذه اللقيا المنتظرة، وإظهار شيئًا من طبيعة حصة الأنثوية تجاه سعد القادم من الصحراء.

- شفت وشلون جمعتنا مشيئة الله؟؟

- الحمد لله.. أنت ما تدري وش سويت علشان أصيد هالساعة، وطبعًا أنا مقدرة لك أكثر تحملك السفر علشاني!!

- كل واحد منا يعاني علشان يشوف التاني.. وهي فرصة نهديها لروحينا وقلبينا علشان لذة التمتع ببعض وعلشان نحيي الأمل لأيامنا المقبلة، ونريح أعصابنا من مكابدة الماضي!!

- صحيح!

وصمتت برهة، ثم قطع الصمت هاتفها النقال بموسيقاه المميزة، تناولته بسرعة لمعرفتها من اتصلت من خلال اللحن المرافق...

- هاه فرح.. وش تبين؟ حصل شيء؟ أجل وشوله متصلة فيني؟ لا..لا.. مانيب متأخرة.. شوي وتنتهي الشغلة اللي بيدي وأرجع.!(14)

وفي نموذج آخر لحوار بين سعد مع تماضر يشير الحوار إلى ملامح لنهاية هذه العلاقة الملتبسة التي بدأت بداية قوية في عاطفتها بينهما ولكن سرعان ما شابها الفتور من ناحية تماضر لطبيعة خاصة في ممارساتها الذاتية وتقلبها الذاتي

- إيش صار.. مين تكلمين.. عسى ما شر؟

- لا ما فيه حاجه.. بس كنت أكلم بابا عشان يشوف لي حجز على أقرب رحلة!!

- ليش يا حبيبتي.. ماهوب رحلتنا في نهاية الأسبوع القادم؟

- لا.. كده وخلاص.. أنا يطلع لي جن وعفريت..إيش هذا؟

- وأنا وش أسوي لوحدي في هالديرة.. لا يا حبيبتي لازم أدور على حجز للرياض في أي طيران؟؟(15)

في هذا النموذج الحواري أفصح الحوار في دراجيته بين كل من سعد وتماضر في هذا المشهد عن توجه شخصية تماضر المتقلبة، وموقف سعد قليل الخبرة في معاملة المرأة وهو ما أوضحه الموقف المفاجئ في صيرورته والذي وجد سعد فيه غرابة من تصرفات تماضر المفاجأة، غير المبررة، ودون أن يكون هناك أسباب لهذه التصرفات التي وضعت الموقف على سطح صفيح ساخن. من هذا المنطلق نجد أن الحوار الدارج الكامن في نسيج النص قد نجح الكاتب في أن يوظفه لخدمة النص وتنضيده بطريقة فنية سعت إلى ربط الأحداث لم نشعر منه بغرابته في هذا المناخ الرومانسي والواقعي في جسم النص، خاصة وأن شخصيتي النص.

الشخصية

الشخصية هي اللغز الذي يحيط بالكتابة الروائية، وهو الذي يؤرق ذهنية الكاتب دائمًا في محيط كتابته، وصوغ طبيعة ما يكتب، والاتكاء على الدور الرئيسي الذي تلعبه الشخصية في نسيج النص الروائي، وهي المفتاح الرئيسي الذي يتكأ عليه الكاتب للإجابة على جميع الأسئلة التي تطرحها الرواية في تأويلاتها ومدلولاتها من نواح عدة، كما أن لها دور كبير في تشكيل الأحداث، وممارسة أدوار الحياة الواقعية في تجربة الكاتب النصية، وربما يوجد ثمة شبه بين الشخصية المحورية للنص وبين الكاتب في نواح عدة، أو ربما هو يرسم رغم عنه صورة لنفسه في أبعادها التي جاءت عليها داخل النص. ويضع مخيلته داخل الحبكة التي يبلور معطياتها في جسم الرواية لتحقيق عمل الشخصية في موقفها وممارسات أحداثها. "وبما أن الرواية تهدف إلى تجسيد المعاني الإنسانية فمن الطبيعي أن تكون الشخصية هي محورها، فالرواية ليست حياة حقيقية بل حياة نصية توازيها وتمثلها".(16)

ولا شك أن التشريح الروائي الذي قدمه الكاتب للشخصية النسائية الرئيسية في الرواية وهما شخصيتا حصة وتماضر قد أوجد أبعادًا متناقضة بين بيئتي كل منهما، ولا شك أن تفاعل سعد مع كل من الشخصيتين النسائيتين برغبة قوية في تحقيق ذاته الذكورية، وشكلت علاقته معهما نوعًا من التفاعل النفسي، إلا أن تجربة سعد مع شخصية تماضر بحضورها الحضاري وتقلباتها الذاتية وشخصيتها الملتبسة كانت قد صقلت الوعي الذكوري عنده إلى حد ما، وجعلته يتفاعل بعد ذلك مع عاطفته المتولدة لدى حصة بشيء من الخبرة الذاتية خاصة وأن علاقته بتماضر وإن كانت هي أسبق من علاقته الأخيرة مع حصة الإبريزي، إلا أنها كانت بمثابة علاقة عابرة أراد من خلالها أن يحقق نوعًا من الحضور الإنساني المفتقد في حياته، خاصة وأن تماضر كانت هي البادئة بالتعارف حينما أسدى لها النصيحة بشأن إصلاح سيارتها في طريق الحرم، كما وأنها كانت تكبره بعامين مما أوجد فوارق عدة في التعامل والتآلف والخبرة الحياتية التي كان يفتقدها، وكان صدفة مقابلته معها أثر الخدمة التي قدمها لها، أنها هي التي سعت إلى هذا الارتباط مما يدل على أن شخصية تماضر شخصية لها توجهاتها الخاصة في العلاقات كما يتضح من تربيتها المنفتحة على العالم الحضاري: :ولم يجانب أندريه مالرو الصواب حين قال: إن المرأة هي ذلك المخلوق النادر الذي يتيح للرجل الفرصة للانكشاف أمام ذاته على نحو ما هو في الواقع، ونفس الأمر! بالنسبة للمرأة، فقد تكون حاجة الرجل للمرأة – في جانب من جوانبها – مجرد تعبير عن حاجته إلى موجود يراه على ما هو عليه، ويسمح له في الوقت نفسه بأن يهتدي إلى ذاته من خلال رؤية الآخر له! ولكن بيت القصيد – في الحب – أنه تجربة وجودية عميقة تنتزع الإنسان من وحدته القاسية الباردة، لكي تقدم له حرارة الحياة المشتركة الدافئة. ونحن "نحب" – في العادة – لأننا لا نستطيع أن نحيا "بمفردنا" ولأننا لا نضيق بشيء قدر ما نضيق بالعزلة! ولو قدّر لنا أن نتمتع بقوة مطلقة، نستطيع معها أن نسيطر على عناصر الطبيعة بأسرها، وأن نتحكم في الكون المادي كله، دون أن يكون إلي جوارنا شخص بشري آخر، نستمتع بحضرته، وننعم بلذة مشاركته".(17)

وتتناسل الحكايات عبر منافذ السرد القائمة على محكيات ومرويات الرواية عبر أصوات عدة تسرد منذ اللقاء الأول بين كل من حصة وسعد، وسعد وتماضر استجابة لنداء القلب وحنين العاطفة الوليدة التي قال عنها سعد: "لم أكن أحلم بما أنا فيه، أو أتوقع أن ابني علاقة عاطفية في حياتي، فقد كنت إنسانا عمليًا معتكفًا على حياتي الوظيفية بعيدًا عن مشاعري وشؤونها، لا آبه بما ترغبه أحاسيسي وأحلام اليقظة لدي، لم أمنح نفسي حتى الانجذاب إلى تجربة، أو فسحة المغامرة في اتصال، أو متعة مشاغبة مع أنثى، فالعواقب في مجتمعي لا ترحم، والتأويلات القاسية جدًا، فضلت أن أكون في عالمي بعيدًا بعيدًا".(18) بينما تتواتر المفارقات بين شخصيتي كل من حصة الإبريزي وتماضر الفتاة الأخرى في حياة سعد وما تشكله كل منهما في حياته من تجارب نسائية تنعكس صورتها بالشكل الذي ظهرت به داخل النص.

لذا كانت "الشخصية التي تمتد جذورها إلى الحياة الواقعية أي إلى تجربة الكاتب الإنسانية هي، إذا تجاوزنا مستوى معينًا من الأداء الخيالي، مما لا يمكن تمييزه عما ندعوه بالشخصيات المختلقة، فالرجل أو المرأة الحقيقية ليست بأكثر أو أقل أقناعًا من الشخصيات الروائية القادمة من المتخيل الذاتي للسارد".(19) ومن ثم كانت شخصيتي "حصة" وحبيبها "سعد" في تلاحم عواطفهما وتنامي العلاقة الكامنة بينهما داخل جوانب النص تشير إلى علاقة المتخيل برؤية الواقع في وقائع منتخبة من الحياة الاجتماعية في ذات الأمكنة التي اختارها الكاتب لتكون مسرحًا لنصه الروائي. كما يبدو التماهي في البعد الرومانسي متأججًا داخل الذات في شخصيتي كل منهما من خلال هذا السعي إلى الارتباط بعد سلسلة من اللقاءات عن بعد، الأمر الذي منح كل منهما كما كبيرًا من الشوق إلى هذا السعي المتنامي نحو رؤية كل منهما للآخر وهو ما دفع بسعد إلى الحضور هذه المسافة الطويلة من بلده "بريدة" لرؤية هذه الفتاة التي تعلق بها روحيًا حتى كاد أن يستحيل إلى شخص آخر بدونها.

لقد كانت هذه الرواية بتجربتها الأولى في سردية خالد أحمد اليوسف بمثابة انتقال من تجربة القصة القصيرة ذات القماشة القصيرة التي لها سماتها وأبعادها الفنية الخاصة إلى تجربة الرواية ذات القماشة العريضة في مساحتها وشكلها وشخوصها وقضايا تناولها، وقد نجح الكاتب في هذا المنحى، ومع أنه قد صدر له أكثر من عمل روائي "نساء البخور" 2012، "وحشة النهار" 2013 إلا أنني قد أردت من الكتابة على عمله الروائي الأول أن أعرض هذه النقلة التجريبية من القصة القصيرة إلى الفن الروائي وهي تجربة جديرة بالاهتمام في تجربة الكاتب السردية في محاولة لعرض وجهة نظر نقدية خاصة عن هذه الحالة في تجربة الكاتب الإبداعية.

 

الإحالات:

1 - وديان الإبريزي (رواية)، خالد أحمد اليوسف، دار الانتشار العربي، بيروت، 2009 ص 12

2 - الرواية ص 7

3 - الرواية ص 183

4 - الرواية ص 76

5 - الرواية ص 59

6 - الرواية ص 127

7 - الرواية ص 128

8 - الرواية ص 29

9 - الرواية ص 37

10 - الرواية ص 88

11 - خالد أحمد اليوسف (حوار)، م الإمارات الثقافية، ع 27، نوفمبر 2014 ص 58

12 - الرواية ص 95

13 - الرواية ص 12

14 - الرواية ص 42

15 - الرواية ص 137

16 - الشخصية ومحلها في الرواية، محمد العباس، ج القدس العربي، ع 8448، 28 أبريل 2016

17 - مشكلة الحياة، د زكريا إبراهيم، مكتبة مصر بالفجالة، القاهرة، د.ت، ص150

18 - الرواية ص 95

19 - الروائي وشخصياته، إليزابيث بوين، ترجمة عبد الوهاب الوكيل، م الثقافة الأجنبية، بغداد، ع 4، 1984 ص 201


عدد القراء: 180

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-