الحداثة من أين وإلى أين ؟!الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-05-10 05:32:37

محمود أسد

سوريا

من مدة والأحاديث لا تنتهي عن الحداثة في المنتديات والصحف والمجلات والمقالات, وكأنها قضية الشرق الأوسط الشائكة. فالمشاركون بين مؤيِّد منحاز ومتطرّف لها، وبين معارض مكفّر لأصحابها. وقلّة قليلة مَنْ فهم حركة التاريخ والحياة. واستوعب تجارب الأقدمين وفتح عينه بدراية ووعي لما يجري. وهذا أمر متوقّّع وطبيعي، وليست المرة الأولى التي نسمع فيها مثل هذه المعارك الأدبية فالمعارك النقدية القديمة والحديثة تحمل الكثير من التجّني، والكثير من الأمزجة والخلافات، وهذا أمر فيه عافية ولصالح تطور الحركة الأدبية والنقدية إن حسنت النوايا.

بدوري أدلي بدلوي في هذا الغمار الشائك، يدفعني عشقي للأدب وحبّي للشعر بشكل خاص, ولأني متابع مهتمٌّ لما يجري على الساحة الأدبية.

بداية أشير لأسئلة تحتاج لأجوبة. وهذه الأسئلة تشير من قريب أو بعيد حول ما يجري، لماذا الحديث والخلاف حول تجديد الشعر فقط ؟ فالمعارك مرتبطة بالتجربة الشعرية. وكأن الأجناس الأدبية لا علاقة لها بذلك ؟! ولماذا تكثر التصريحات في المرحلة الراهنة حول سيادة الرواية على الأجناس الأدبية، وإن الشعر يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة.؟ ومَنْ وراء هذه الأقاويل؟ وهل تُقال بحسن نيّة ؟ ولماذا نعطي هذا الموضوع هذه الأهمية ونعتبره فتحًا جديدًا على حساب موروثاتنا؟ وكأن الساحة الأدبية والفكرية فرغتْ من القضايا الحسّاسة والمهمة؟

ما أراه من دعوة للحداثة وبشكل كثيف جعلني أكثرَ تمسُّكًا بجذوري، لأني وجدت قسمًا كبيرًا ممّن فهم الحداثة بشكلها الخاطئ يدعو لنسف الجذور والمرتكزات الأساسية, والأخذ بمستجدّات الحياة وفتح النوافذ للتجديد المتطرِّف. وهناك من تطاول وهو لا يستطيع فكّ حرف أو تقطيع بيت من الشعر الموزون. بل ينظرون بعدوانية إلى النحو والقواعد.. في أكثر من أمسيّة أبدى بعضُهم تذمُّره من نقد المتابعين لعثراتهم النحوية واللغوية, ومنهم من عبّر عن رؤية قاصرة فاعتبروا القصيدة العربية جامدة متجمّدة، وإنها ما عادت تصلح لزمن سريع متجدِّد يسابق فيه الإنسان الزمن. ويقيني لو أنّها جامدة كما تصوروا لماتت من زمان لأن الجمود موت وعدم. وهي ما زالت تقارعُهم, وتقرع في آذاننا. فالشعر العربي لم يكن في يوم من الأيام جامدًا باستثناء حالات معروفة. فقد واكب تطوراتِ الحياة ومستجدّاتها, وتعايش معها من العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي والأموي فالعباسي المتفتح والعصر الحديث وما فيه من الشعر المهجري وقصيدة التفعيلة والشعر المسرحي.

التجديد يأتي نتيجة التفاعل مع الحياة ولا يأتي قوالب جاهزة. فكيف إذا كان في مجال الإبداع الذي يمتزج فيه الفكر والإحساس والخيال..؟

تضايقوا من أوزان الشعر وشكله الفني واعتبروهما قيودًا. تقف في وجه المبدعين التوّاقين إلى الحرية. والإبداع مصادِم للقيود, لأن المبدع طاقة لا تقيَّد بوزن أو عائق, وهو فوق القيود بتفجيره للطاقات غير المألوفة وتوليده للمشاعر والانفعالات والصور المتولّدة والمركّبة. هذا كلام معسول وجميل ونبغيه في الأدب. ولكن المقاييس لا بد منها فلا بدّ من ثوابت وأسس وحولها تحوم وتُبنى المستجدّات. فالتجديد ضمن حدود وإمكانات ثابتة وممكنة لا تمسُّ الأساسيات, فالعلم حقيقة مطلقة ولكن في إطارها الكثير من العلوم المتداخلة. فالطبُّ غير الصيدلة، وكلاهما في خدمة الإنسان وعلاجه، والهندسة المدنيّة غير الهندسة المعماريّة. بينهما اتفاق في نقاط وخلاف في نقاط كثيرة. إن الإبداع سنّة الكون, والتجديد أمر حتميٌّ شاء الإنسان أو رفض، ولكن الإبداع مرهون بشروط ومعطيات, من حق المبدع أن يجرِّب وأن يبحث عن صيغ جديدة ولكن التجربة لا تعني الحقيقة المطلقة التي تؤهّله لرفع سيف القمع في وجه من يخالفه الرأي. فدعاة الحداثة ومُروّجوها قليل منهم من استطاع الربط بين التراث والمعاصرة وكان معتدلاً في نظرته. فالغالبية منهم فهمت تراثنا بأنه عائق وقديم, يقف أمام قدراتهم الفنية وأدواتهم التعبيرية الحديثة وهذه الأدوات تطرح تساؤلاً أَوجدتْ للهدم أم للبناء؟!

أرى بقولهم هذا مهربًا من الحدود والقواعد المنظِّمة والضابطة للعمل الإبداعي. فالرياضة فنٌّ وإبداع، وبرغم ذلك تخضع لقواعد وحكّام ونقّاد. فلمَ لا ندعو لتحطيم القيود، وعندها نرى الملاعب كيف تصبح ؟! فالإبداع الحقُّ المتميّز يكون ضمن قواعد تعطيه مساحة للإبداع.

إن الشعر لا يخضع لتعريف ثابت بل تسيِّره مفاهيمُ متطورة. فلماذا لا نسمي القطارَ حافلة؟ وكلاهما يحمل الركاب والأمتعة ويؤدي الغرض؟ والجواب لأن القطار برغم تطوّره المستمرِّ بقي محافظًا على شيء نسميه الخط الحديدي، وكذلك الشعر فهو يُبنى على الإيقاع والوزن فتطوُّر القطار والطائرة والآلات لا يلغي تميُّزها عن بعضها. وهذا هو حال الشعر بالنسبة للأجناس الأدبية. المحدَثون يدْعون لتجاوز الحدود والأوزان والمفاهيم, حتى تطاولَ الجاهلُ والأمي، وضاقت به الحدود فأصبح حديقة جميلة دون سياج يحميها. ترتع فيها الذئاب والنعاج والأطفال, ولكمْ أن تتصوّروا النهاية. وهذا حال الشعر المحدَث .ألغاز وغيوم وسراديب وسرقات وضياع. فانعدمت الرؤية وضعف خيطُ التواصل بين المتلقِّي والمبدع. وانعدم الاتصال والفهم. وأصبح الشعراء عندنا أكثرَ من رمال صحرائنا الممتدة. فالشكوى من الحداثة والتحديث تراها من الدكاترة والمختصّين بالنقد الحديث. قلّة منهم من يصِّرح بأنه لا يفهم هذا الشعر الذي يدرِّسه في الجامعات. وقد أبدى مثل هذا الدكتور (عبد القادر القط) فلماذا نفهم الحداثة شكلاً ويغيب عن بالنا تجربة الشاعر العربي اليمني عبد الله البردّوني الذي يقدم لنا وجبة أدبية حديثة بوعي ودراية، وهذه التجربة تستحقّ أن نعتمدها نموذجًا؟!

يتضايق شعراء الحداثة من المباشرة والنمطية في الشعر القديم وربّما لهم في ذلك بعض الحق. ولكن ماذا نسمي ظاهرة التكرار في شعرهم والتلاعب في الجمل والقصائد التي بدأت تتكرّر لدى أكثر من شاعر بتغيير طفيف؟ وماذا نقول عن المباشرة في الإباحة والألفاظ العارية من الحياء التي أخذت تجرح مشاعرَنا في الصحف والمنتديات؟! في القديم نسمّيها مباشرة, وفي الحداثة نسميها جرأة. لكل علم أسسُه ومبادئه التي تميّزه عن غيره, وهذه هويّة تميّزه عن غيره. فأين المرتكزات والأسس التي تبني الحداثة نفسها عليها ؟ إذا قلت لك: في بلد ما مدينة أو بناية سابحة في الفراغ دون أعمدة أو أسس. لا شكّ أنك تتهمني بالمسِّ والجنون. ستقول أن أمرًا ما أصابه, وهذا حقٌّ لأن البناء يحتاج إلى أساس ومخططات ولبناتٍ، وهذا حال الشعر...

أقرأ نصوصًا من الحداثة, بعضُها يعجبني ولكن إذا عرفت ما يريد الكاتب المحدَث فأنت عبقريُّ زمانك, وستكون من قراء النخبة الذين يفوقونه فهمًا. أطلب تعريفًا للحداثة أو مشروعًا لها. وأسأل عن تعريف الموسيقى الداخلية. وعن توليد اللغة ومن يشرح له فله الأجر والثواب. إذا لم يشرح لي لغزًا بلغز وإذا لم يصحبْني إلى السراديب.. الجديد سيكون قديمًا. وهذا ما عبّر عنه ابن قتيبة في مقدمة كتابه (الشعر والشعراء) وهذه حقيقة لا مهرب منها فماذا بقي لنا من تجربة بشار وأبي النواس وأبي تمام وخليل مطران والسياب ونازك..؟ 

لم يبق لها إلا مرتكزاتُها وثوابتُها التي لا تتنافى مع ثوابت الفن والإبداع.. من الروعة أن نجدّد ضمن أصول. ورائعٌ أن تصل القديم بالحديث، ولكنْ أن تفهم المعاصرة  هضماً للقديم بثوب جديد.. و تجاوزًا لأوزان الخليل وشكله الفني ونوع الأداة والتفعيلات. جرّبْ أدواتِك الخاصة َوالعامة ولكن بوعي. وعليك أن توضِّح نظريتك وأسسَك.. فالشعر إيقاع. وحرية الإبداع لها قيود وضوابط وكوابح منظَّمة وُجدت لتحفظ حدوده كما يحفظ جدار بيتك حرمتك وحقوقك.. يؤلمني أن أرى ذلك الصراع الذي لا أساس له...

فنحن مع الجديد والتجديد والتحديث. سمِّهِ ما شئت ولكن عليك أن تميِّز الصنف الأدبي. فالأدب شعر ونثر وبينهما مسافات, تقترب حينًا وتبتعد أخرى... لست من المتشدّدين الذين بحسن نية وعفويّة تمسّكوا بالأصالة والتراث. ودافعوا عنها وبوركت مساعيهم لأن التراث هويتنا القومية. وهو مُستهدَف من أعدائنا فتعصّبهم غيرة عليه, فعندما يكون خصمُك صريحًا وجريئًا في نهجه يكشف عمّا في أعماقه فما عليك إلا أن تكون قويًّا أمامه وصريحًا وعنيفًا في بعض الأحيان ضمن أسس الحوار والديمقراطية والاحترام لرأي الآخر.. فليس من حقّ الغيورين على تراثهم أن يغلقوا الأبواب على أنفسهم. عليهم أن ينفتحوا ويتجاوزوا عقدة القديم والإعجاب به لقدمه والنفور من الجديد لكونه جديدًا، كما جرى قديمًا لعمرو بن العلاء في العصر العباسي مع أبي تمام. لأولئك الشباب المقبلين على الدنيا وعلى عالم الأدب والإبداع حقُّ الإبداع والتجديد إلى جانب الاعتزاز بالأصالة والثوابت التي هي من مقومات البقاء والاستمرار. فالخيمة دون أوتاد تلعب بها الرياح, وتقتلعها قبل أن تثبت. ولن أقول من جذورها لأنها بالأساس لا جذور لها. ومن يقبلِ ُ السكن في بيت واهن لا أساس له ؟ لا شكّ أنكم استسهلتمُ الطريق والوصول. فالدعوة للنقاش ظاهرة حضاريّة وإنسانية. فالشعر يتطوّر بتطور الحياة, وما تدعون إليه من تفجير للمعاني والمفردات والصور المركّبة والمدهشة وما وراء الإدهاش. فإني أدلّكم لقصائد متفجرة في زمانها هل قرأتم قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي وهو يستصرخ قومه؟

أمامكم ديوان عنترة وملاحمه وشعر أبي تمام والمتنبي والشريف الرضي وشعر الخوارج وخليل مطران والسياب ونازك الملائكة...

ليس الانمكاش ُوالتشبُّث بالقديم المطلق يفيدنا. وليس التجديدُ المفرطُ المبنيُّ على تجاوز الحدود والقواعد التي تميّزه نقبل به. ورحم الله امرأ غار على تراثه غيرته على وطنه، فأخذ المناهل العذبة أينما كانت. ويخطر على بالي سؤال واستفسار يراودني. هل فكّرْنا بانتماءات وهويات وعلاقة المتعصّبين للحداثة لدرجة الهوس؟ يقيني أن السؤال يوصِلنا إلى حقيقة جوهريّة تكشف الكثير من الجوانب المبيّتة تجاه تراثنا وأمتنا ولغتنا العربية التي نعتز بها. فقضيّة الحداثة والتجديد قضيّةٌ إشكاليّة متجدّدة، وأعتقد أنها لا تحتاج لهذه الثورات العارمة. أراها مفتعلة. وهناك من يوقدها كلما اقتربت من الخمود. إن الكاتب الذي يدّعي الحداثة قد يفرح عندما ينشر قطعة أدبية. ولن أسميَها شعرًا. سوف يتألم أكثر عندما لا يجد من يسمع به أو حفظ له أو درسَه. هذه نقطة مهمة في درب المبدعين. فالجري يحتاج لجواد بارع. وليس لجواد جامح, لا يكترث بمن فوقه. فالأدب لمن يكتب؟ ولمن يعبّر؟ وهذه مسألة مهمة تستحق النظر. فعلينا أن نبحث عن نص شعري جديد مفهوم قريب من همومنا ومعاناتنا. نستشهد به ونحفظه وندّرسه بعد أن أتعبتنا المصطلحات النقدية الغربية المتداخلة والغامضة وغير المبوبة والمفهومة. أراها مستوردة من المجلات الأجنبية دون دراية لإرضاء عقدة الغربي. وما أكثر السرقات عن الترجمات والمصطلحات التي نسبَها الجهابذةُ لأنفسهم.. القصيدة النثرية أين أسسها ومرتكزاتها؟ أسئلة تحتاج لأجوبة تمنحها الحقَّ الشرعي. ومن القضايا التي أخذت تضايقني وللحداثة دور أساسي فيها غيابُ قصيدة المناسبة التي طالما كانت تهزُّ وجداننا وتثير مشاعرنا من سباتها؟ فما أكثر الفواجع التي تحيط بنا وتلاحقنا في كل صباح ومساء! فعين الشعر غفلتُ لأن شعراءها سوف يتّهمون بالمباشرة. وهذه سبّة لا تغتفر لهم. فغابتْ أسماءُ المدن والأبطال والمعارك وحلّت محلها الألغاز والسباحة في الرمز وما بعد الرمز. أرى أن العودة ضروريّة لقصيدة المناسبة وضرورية لإحياء دور الشعر بتواصله مع الجماهير، بعد أن داهمتْها القنواتُ الفضائية والرياضية. وجاءت الحداثة لتقطع ما تبقى من خيوط واهنة. أتساءل عن القصيدة التي تحفر في القلوب، وتثير النفوس من غفلتها. أليس هذا دور الشعر ورسالته السامية؟! أسئلة كثيرة تراودني. ذكرتُ القليل، وتركْت الكثير، ولكني أدعو بإلحاح للإجابة عنها لأني كغيري بحاجة لمن يرشدني؛ وأقول :

أحبُّ لشعر ترياقًا لغمّي   

                              يرافقني إذا ما اشتدَّ خصمي

أريد الشعر قنديلاً لشعب     

                             وشـــــــوكًا في مــســـارات الأصمِّ

فأين الشعرُ مغموسًا بجرح؟

                            وأين الـشـعـر منسوجًا لقومي ؟


عدد القراء: 1007

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-