صعاليك العرب وبحثهم عن العدالة الاجتماعيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-08-23 20:44:04

د. عمار الجنيدي

الأردن

برزت ظاهرة الصعلكة عند العرب منذ بدايات العصر الجاهلي، كأسلوب حياة وكقيمة فكرية، لأسباب فرضتها البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي عاشوها في تلك الحقبة.

 وهي بوصفها ظاهرة اجتماعية جاءت كرد فعل على بعض العادات والممارسات التي فرضها النظام المالي، الذي ساد في تلك الحقبة، فخرجوا على هذا النظام ثائرين؛ ليأخذوا بالقوة ما حُرموا منه، آخذين بثأرهم من الأغنياء البخلاء في مجتمع لا قانون ولا محاكم منظّمة فيه.

وعُرِفَتْ طائفة الصعاليك الشعراء ممن اشتهرت حياتهم وشعرهم بموضوعات وأسلوب وغايات معينة، وخاصة: بطبقة الصعاليك الفقراء، فقد عرّف معجم لسان العرب الصعلوك بأنه: «الفقير الذي لا مال له»، وقالوا عن صعاليك العرب إنهم: «ذؤبان العرب» وذؤبان العرب: «لصوصهم وصعاليكهم»، وقالت العرب: «تصعلك الرجل أي افتقر».

وفي عرف التاريخ الأدبي: هم جماعة من مخالفين العرب الخارجين عن طاعة رؤساء قبائلهم، الذين كانوا يحكمون وفقًا لمأثور عادات العرب وتقاليدهم..

ومع تطوُّرِ دلالة هذا المصطلح: أصبح يدل على طائفة من الشعراء ممن كانوا يمتهنون الغزو والسلب والنهب، ينهبون أموال الأغنياء، ويخاطرون بحياتهم من أجل سد رمق الفقراء وحاجته فيكفلونهم بذلك أسباب الحياة.

ثم اكتست كلمة الصعلكة معنى جديدًا بسبب إمعان الصعاليك بالفتك والقسوة والسلب والنهب والترويع، فصارت تعني: النزوع الثوري، حيث كان الاقتران بهذا الاتجاه الثوري يُحتِّمُ على الصعلوك لأن يكون شجاعًا فارسًا شاعرًا سريع العدو مُدركًا للفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء، بحيث يحسّ بالألم الناتج عن فقره وعجزه عن التكفّلِ بمتطلّبات حياته اليومية والخبرة بدروب الصحراء.

واتضحت نزعات الصعاليك بأنهم كانوا يسطون على قوافل وأموال الأغنياء البخلاء، ويخلون الأغنياء الكرماء وكانوا يقتسمون بالتساوي ما يغنمون، وكانوا يتصفون بالنجدة والإيثار وعطفهم على الفقراء العاجزين، ويفاخرون بصعلكتهم أيما فخر، ويرون فيها قصاصًا من الأغنياء البخلاء وفتوّة وتضامنًا اجتماعيًّا و"اشتراكية قسرية"، وكان أدبهم متخمًا بالأخلاق صادقًا في تصوير حياتهم ومذاهبهم عاكسًا صدى واقعهم خالٍ من الغزل مُكثرين من مخاطبة زوجاتهم عبر أشعارهم، واشتهر منهم (عروة بن الورد) و(السليك بن السلكة) و(تأبط شرّا) و(الشنفرى) و(عمر بن برّاقة) وغيرهم.

القبائل العربية المنتشرة في بطاح صحرائها، لم تكن على مستوى متشابه في الغنى والخصوبة، فالكثير منها كان موغلاً في الفقر والجدب، بينما تجد قبائل أخرى على النقيض من الخصوبة ووفرة النتاج الغذائي، مما أفرز طبقة من الفقراء المعدمين الذين ثاروا على طبقة الأغنياء المُلّاك المترفين، واحترفوا الغزو والنهب للحصول على قوتهم، فراحوا يطلبون أرزاقهم بالإغارة على القبائل الأخرى، ينهبون القوافل الصغيرة ويسرقون الإبل ويغيرون على الأسواق.

 أما النظام الاجتماعي الذي حكم القبائل العربية آنذاك فقد كان له دور الحسم في بروز ظاهرة الصعلكة، حيث إن القبائل لم تكن راضية عن سلوكيات بعض أبنائها، الذين كان لهم عداءات وثارات مع أبناء القبائل الأخرى، فخلعتهم لسوء سلوكياتهم، لأن وجودهم في القبيلة مجلبًا للثأر والاعتداء عليهم، فتبرأت منهم لكي لا تتحمل وزر جرائم جناياتهم على القبائل الأخرى، وعرفت هذه الطبقة بالـ«الخلعاء».

ووجد الكثير من أبناء الحبشيات - الذين تسرب إليهم السواد - منبوذين، غير متساوين في حقوقهم مع أبناء العربيات الحرائر، بل وغير معترف بنسبهم إلى آبائهم، وإحساسهم بظلم المجتمع لهم ؛ مدفوعين للخروج على قبائلهم للمطالبة بالاعتراف بنسبهم وحقوقهم، كعنترة ابن شداد، وهؤلاء عرفوا بـ«الأغربة السود».

اكتسب الصعاليك شهرتهم من تمردهم على قيم وقانون المجتمع الجاهلي، ومن الطباع والسجايا التي كانوا يتمتعون بها، كالشهامة والفروسية وإجادتهم قول الشعر ومناداتهم بالعدالة الاجتماعية، حيث إنهم توحدوا وأشاعوا بينهم نوعًا من العدالة الاجتماعية، التي تقوم في أهم دعائمها على المساواة، فتوزعوا الغنائم بالتساوي بينهم أولاً، ثم ما لبثوا أن تعاطفوا مع الفقراء، ليوزعوا الغنائم عليهم ويقتسموها معهم.


عدد القراء: 2742

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-