هِمَّةُ الكَلِمَات في «ترانيمِ تولسيداس» و«جوهرةِ البهرمان»الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 14:44:36

د. عبد الكريم الفرحي

أستاذ وباحث - المغرب

"هذه الوريقة سافرت شرقًا، وها هي في ثنايايَ تُقيم، تضوع معنى طيبًا، تهب المعارفَ للحكيم".

يوهان فولفغانغ فون غوته، "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي".

 

تمهيد:

خلال القرن السادس عشر، حُكِمَ بالسجن على الشاعر تولسيداس (Goswami Tulsidas) وهو واحد من أعاظم شعراء الهندوس، ومؤلف "راماكاريتماناسا" (Ramcharitmanas) أو "البحيرة المقدسة من مآثر راما"، التي تستنسخ الملحمة السنسكريتية "رامايانا" (Ramayana) الأصلية للمؤلف فالميكي (Valmiki). أُلْقِيَ بتولسيداس وحيدًا في برج حجري. انزوى في الزنزانة هائمًا، عاريًا من كل سلاح إلا من سهام الاستعارات، مجردًا من كل حَوْلٍ أو طَوْلٍ إلا من سلطة القول... بدا له البرجُ الحجري أشبهَ بمحرابِ كلماتٍ، ألقى قصيدته المستنسخة من الرامايانا بصوتِ ناسك ٍمُنْتَحِبٍ شَاجٍ، فتَخَلَّقَ من ترانيم الإنشاد القردُ هانومان (Hanuman Chalisa) وجيشٌ من القردة المقدسة الذين اقتحموا البرج وحرروا مبتكرهم(1). تبدو حكاية تولسيداس مع كلماته الـمُـحَرِّرَات بمثابة ومضةِ انشراحٍ لكل الشعراء الذين أَسَرَتْهُمْ أو قتلتهم كلماتهم.

1.ترانيم تولسيداس والاستعارات المحررات:

يحكي خورخي لويس بورخيس (Jorge Luis Borges) في كتابه "صنعة الشعر"(2) أن الشاعر الأرجنتيني لوغونيس (Leopoldo Lugones) كتبَ في العام 1909: إن "الشعراء يستخدمون دومًا الاستعاراتِ نفسها"، لذا فإنه سيقدم على استكشاف "استعارات جديدة". وقد ابتكر في الواقع بضع مئات منها. كما زعم في مقدمة كتاب بعنوان: "قمر عاطفي" (Lunario sentimental) أن "كل كلمة هي استعارة ميتة". يقول بورخيس معلقًا: "ولكنني أعتقد أننا جميعنا ندرك الفرق بين الاستعارات الحية والميتة". ثم يستطرد: "إذا أخذنا معجمًا اشتقاقيًا جيدًا يبحث في أصول الكلمات، وبحثنا عن كلمة، فإنني واثق من أننا سنجد استعارة مخبأة في مكان ما". أما فيما يخص هذه الورقة، فيزعم صاحبها أن الاستعارة الحية التي عثرَ عليها مخبأةً في "ترانيم تولسيداس" -التي تخلق منها "هانومان كاليسا"- هي: "هِمَّةُ الكلمات"، أو "حِينَ تَعْشَقُ الدَّوَالُّ مَدْلُولَاتِـهَا".

في الأنجلوسكاسونية القديمة، كانت كلمة "شاعر" متماهية مع كلمة "خالق"، مستدمجةً معنيي "صوغ الكلمات" مع "بناء العالم المادي" في الآن ذاته(3). وفي الخالدات من القصائد والقريض، كثيرا ما يعثر الشعراءُ النوابغُ على الكلمات التي تسمى الأشياء فَوْرَ تَشَكُّلِهَا، أو يصوغون التوصيفات للتعبير عمّا هو قَيْدَ التَّشَكُّل، أما الشعراء الملهمون -ولا شك أن تولسيداس واحد منهم- فيبدعون أسماءَ الأشياءِ التي لم تتشكل بعد، وربما لم يتوسم غيرُهم إمكانية َتَشَكُّلِهَا. ذلك أن لكلمات هؤلاء الملهمين همةً لا تُسَمِّي الأشياءَ أو تصفها فحسب، بل تُوجِدُها أيضًا. ففي رحم تلكم الكلمات تكمن المسميات. كما تكمن الشجرة في النواة.

مَحَضَ تولسيداس إخلاصَه الأعمى لهمة كلماته. فما كان من هذه الكلمات إلا أن احتشدت واحتدمت ثم استحالتْ استعاراتٍ حية رَدَّتْ فضيلةَ الإخلاص بما هو أوثق منها؛ لقد حررت صاحبها. ألم يقل ألفريد دوبلن (Alfred Döblin) صاحب رائعة "برلين ميدان الإسكندر"(4) إن "اللغة صيغة من حب الآخرين"(5)؟ لا شك أن ترانيم الشعر تعشق التحرير لذلك حررت حياةَ تولسيداس... من لم تُحْيِهِ الكلماتُ العاشقاتُ كأنه لم يذق طعم الحياة.

2. جوهرة البهرمان وهمة الكلمات:

في كثير من السيرورات السيميائية تبدو الكلماتُ أكثرَ حكمةً من قائليها. ومصداق ذلك من التقاليد الإشراقية الإسلامية، ما أورده صاحب "الإنسان الكامل"(6) عن حكاية الفقير ذي الهمة الذي سمع شيخه يقول يومًا: "من جَدَّ في طلب شيء وجده". ومنذئذ أقسم الفقيرُ ليخطبن ابنةَ الملك، وليبلغن في ذلك غاية الجد والاجتهاد. وقف في حضرة الملك (غير عابئ بمقولة غوته (Johann Wolfgang von Goethe): "إن البؤس عادة ما يبحث عن رفاق")، وعَبَّرَ عن بغيته، وكان الملك لبيبًا عارفًا، فَكَرِهَ أن يحقر الفقير أو يَصُدَّهُ بالقول مُباشرةً بأنه غير كفء لابنته. فقرر أن يصرفه مُدَاورةً بشرط يبدو مستحيلاً. فقال له: "اعلم أن مهرَ ابنتي جوهرةٌ تسمى "البهرمان"، ولا توجد إلا في خزائن كسرى أنوشِروان". فقال له يا سيدي، وأين معدن هذا الجوهر؟". قال الملك: "معدنه في بحر "سيلان". فإن جئت بصداقها المطلوب مَكَّنَّاكَ من المخطوب"... نرجح أن اشتراطات الملك كأنت أشبه "بالأخطاء المحكمة"، تلك التي تحفزُ همَّةَ الكلمات لتصنع النظام والانسجام.

يَمَّم الفقير شطر الوجهة المقصودة. (لم يَدُرْ بخلده معنى مقولة روبرت لويس ستيفنسون (Robert Louis Stevenson) "أن السفر المفعم بالأمل خير من الوصول". بل كان يؤمن -بإرشاد من شيخه- بأن من سار وَجَدَّ في السير على الدرب وصل. وكأنَّ لسانَ حاله يقول للملك سوف أذهب، فانتظر عودتي). وطَفِقَ يَغْرِفُ من البحر بقصعته ويفرغ في البر. فمكث على تلك الحال مدة لا يأكل ولا يشرب مُنْهمِكاً مُعْتَكِفًا على مطلبه ليلاً ونهارًا. من غرائبية همة الكلمات أن صِدْقَ عزيمته الـمِلْحَاحَةِ وإرادتِهِ الطَّمَّاحَةِ أَوْقَعَ خَوْفَ انتزاحِ البحر في قلوب الحيتان، فاشتكت إلى بارئها ما يفعله هذا الهَمَّامُ. فأمر البارئُ الـمَلَكَ الموكل إليه شَأْنُ هذا البحرِ أن يذهب بنفسه إلى ذلك الرجل، ويسأله عن حاجته فيسعفه ببغيته. فلما سأله، وأجابه الرجل، أمر الملَكُ بحرَ سيلان أن يقذف بموجه إلى البر ما عنده من جنس ذلك الجوهر، فامتلأ الساحل بجواهر بالبهرمان. حملها صاحب الهمة وذهب بها إلى الملك...

هل تزوج الفقير ذو الهمة ابنةَ الملك في الواقع أم في الكلمات فقط؟ دَعْكَ من الخلاصات المتعجلة. في الاستعارات الأليغورية تَأَمَّلْ دائمًا كلَّ باب، وارْمِ القِشْرَ واظْفَرْ باللُّباب... يقول شكسبير في إحدى تشبيهاته الخالدة: «We are such as dreams are made on» "إننا مصنوعون كما الأحلام من المادة نفسها"(7). أما الفيلسوف الصيني تشوانغ تسو (Tchouang-tseu) -وفق ما يرويه بورخيس- فقد حلم ذات يوم أنه فراشة، وحين استيقظ "لم يدر إذا ما كان بشرًا حلم أنه فراشة، أم أنه فراشة تحلم الآن أنها إنسان"(8). من باب الإنصاف الأدبي، يحقُّ للفقير ذي الهمة أن يحظى ببغيته، ونحسبُ أنه ليس لملك عارفٍ لبيبٍ أريبٍ إلا أن يفيَ بوعدٍ قطعَهُ على نفسه... أما عن الهمة فمعروف عن رمزيتها في معتاد التداول الإشراقي أنها إذا استقامت على ساقها نالت المطلوب بحسب وِفاقها، فهي معراج المريدين وبراق العارفين وميدان الواصلين. أما ما نَخَالُهُ غيرَ معروف فهو أن للدوالِّ والكلماتِ والأسماءِ همةً في تشكيل مسمياتها وإيجاد مدلولاتها تضاهي همةَ كل المريدين والعارفين والواصلين المستقربين كلَّ بعيد والمروضين كلَّ شارد عنيد. وقد ورد في حكاية هانومان قائد الجيش المقدس الذي خرج من ترانيم الإنشاد في عجائبية تولسيداس ما يؤكد ذلك.

أما عن "بحر سيلان" فلعل المقصود به هو البحر المحاذي لسواحل سيريلانكا (التي كانت تعرف في لحظة من تاريخها بسيلان)، وهي جزيرة واقعة بين الهند وجزر المالديف (Maldives). ونرجح في سياق الحكاية أن المراد ليس قصد التعيين والتحديد، وإنما الإيحاء إلى رمزية التنائي والتبعيد. كي يكون في حكم المحالِ وصولُ الأشداء ذوي القوة والسطوة، فما بالك بالمفتقر الدرويش... لا شك أن سيريلانكا أرضٌ حقيقية، لكنها من وجهةِ التعجيز وعبثيةِ الطلب تبدو محضَ جغرافيا خيالية ترقد خلف الأفق، يمكن فقط أن تكتب عليها آمال الفقير وآلامه ما لم يكن هَمَّامًا. أما عن جوهرة "البهرمان" -وهي شاهد الحكاية- فنرجح أن الكلمة من اختلاق الملك، وهي تعبير عن المعدوم لا الموجود. أما عن اكتنازها في خزائن أنوشِروان، فليس في ذلك من حقيقة إلا التدليل على نفاستها واستعصاء نوالها. أو لنقل إنها أقرب إلى وهم يمكن تخيله، ولا يمكن حيازته. في واقع الأمر، لم تكن توصيفاتُ الملك متعلقةً بحقيقة، بل بتفادي الحقيقة. ذلك أن جوهرة البهرمان لم يكن لها قبل التسمية وجود، إنما وجودها تخلق بعد تسمية الملك ورغبة الخاطب وهمة دال التسمية في تَعَشُّقِ المدلولِ وإيجاد مسمى لم يوجد بعد...

خاتمة

"أن تَوجَدَ يعني أن تُسَمَّى"؛ هذا هو كوجيطو تَعَشُّقِ الدوال بمدلولاتها، أو سيرورة الكينونة الخاصة بالكلمات من اللسان إلى الأذهان إلى الأعيان. فمن رحم همة الكلمات الـمُحَرِّرَاتِ وترانيم الإنشاد تخلق هانومان (Hanuman) وجيشه المقدس في حكاية تولسيداس شاعر الهندوس العظيم. ومن ملحمية حكاية جوهرة البهرمان وحلميتها، تَفَتَّقَ عزمُ الكلمات ليعيد التوازن إلى الكينونة والوجود بمناصرة الحق في الوصول إلى المحبوب حين يُقابَلُ المحِبُّ بالصُّدود، وتَنْتَصبُ في طريق التَعَشُّقِ الموانعُ والسُّدود، كما في حكاية الفقير خاطب ابنة الملك. أما في حكاية مارغريت يورسينار (Marguerite Yourcenar) "كيف أُنْقِذَ وانغ فو" (Comment Wang-Fô fut sauvé)، فإنه لَـمَّا رأى الأستاذ "وانغ فو" شبحَ تلميذه "لينغ" الذي قُطِعَ رأسُه، بادره بالقول: "خِلْتُ أنك ميت". فرد عليه لينغ بكل ثقة: "كيف أموت وأنت حي؟"(9). بالفعل، كيف تموت الاستعاراتُ ما دامت همةُ الدوال عاشقةً لحياة مدلولاتها؟ كيف؟..

الهوامش:

(1) ألبرتو مانغويل، مدينة الكلمات، ترجمة يزن الحاج، دار الساقي، بيروت، ط1، 2016، ص22.

(2) خورخي لويس بورخيس، صنعة الشعر، ترجمة صالح علماني، دار المدى، بيروت، ط2، 2014، ص40.

(3) ينظر: بورخيس، صنعة الشعر، ص 67، وألبرتو مانغويل، مدينة الكلمات، ص 20.

(4) ألفرد دوبلن، برلين ميدان الإسكندر، ترجمة محمد جديد، دار المدى، بيروت، ط1، 2013.

(5) مدينة الكلمات، ص ص17-18.

(6) عبدالكريم الجيلي، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، تحقيق أبو عبد الرحمان صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1997، ص ص171-172.

(7) أوردها بورخيس في: صنعة الشعر، ص46.

(8) بورخيس، صنعة الشعر، ص47.

(9) ألبرتو مانغويل، شخصيات مذهلة من عالم الأدب، ترجمة مالك سليمان، دار الساقي، بيروت، ط1، 2020، ص17.


عدد القراء: 614

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-