لماذا يحتاج الأطفال إلى القصص؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 17:22:23

د. أسماء كريم

باحثة في الترجمة ونظرية النص وتحليل الخطاب - المغرب

ميشيل بوتي Michèle Petit

ترجمة: د. أسماء كريم

 

تُلبّي قصَّة المساء الاحتياجات الأساسيَّة للأطفال القلقين والفُضوليِّين والمرحين، والباحثين عن الثقة للعيش في العالم.

لماذا تُقرأ القصص للأطفال؟ عادة ما تكون الحجج التي يتم طرحها "جَادَّة" و"مفيدة": يشرح الإعلاميُّون والمُدرِّسون والباحثون والآباء أنَّ هذه الممارسة تُؤدّي إلى أداء أفضل في اكتساب اللغة، كما أنها تُسهم في توسيع السِّجل المعجمي، وإثراء النحو والقدرة على التعبير عن الذَّات، والرَّفع من الرأسمال الثقافي، باختصار إنَّها تؤدّي إلى تكييف الأطفال والمراهقين مع مُتطلَّبات العالم المدرسي ثم المهني. ويُصرُّ البعض الآخر على دورها في الممارسة المُستقبليَّة للمُواطنة من خلال تشكيل الفكر النقدي، وتقاسم التراث المشتَرك أو معرفة العصور الأخرى والثقافات الأخرى، وحتَّى الحماية من التَّعصُّب. في العقود الأخيرة، مع تطوّر علم الأعصاب، فقد تمَّ الشَّرح باستفاضة أنَّها ستُحفِّزُ القُدرات المعرفيَّة.

عالَـمٌ أَوسَع وأكثر كثافة

مع ذلك، فإنَّ أولئك الذين يستحضرون ذكريات النصوص المسموعة أو المقروءة في الطفولة لا يقولون أبداً: "حصلت على نتائج دراسيَّة أحسن بفضل القراءة، وكنت أكثر مهارةً في التَّعامل مع اللغة، فقد ساعدتني في إناء قاموسي اللُّغوي"، كما أنَّهم لا يَدَّعون أنهم شاركوا ثقافة مشتركة أو أصبحوا مواطنين أكثر إنسانية. لا، ما يتذكره الكثيرون، أي ما بدا لهم مُهمًّا، هو أنَّ هذه القراءة فتحت لهم بُعْدًا آخر؛ تقول امرأة "كلَّ مساء، يُولَد عالمٌ مُوازٍ في صوت أُمّي"، ويقول شاب: "اكتشفت وجود سيء آخر، عالَـم آخر"، أو حتى "إنّه مشهدٌ مفتوح بأكمله، ممّا وسَّع إلى حدٍّ كبير المكان الذي عشْتُ فيه". من خلال النصوص التي كانت تُقرأ لهم، والرسوم التَّوضيحيَّة التي عُرِضَت عليهم، اكتشفوا كَوْناً مُوازيّاً وغير مرئي، كَوْنٌ أكثر شساعةً وأكثر كثافةً، والذي، مع ذلك، يُثَبِّتُهم أكثر في العالم الحقيقي كلَّما عادوا إليه.

يمنَحُ، الاستماع إلى لغة أدبيَّة وشاعريّة وقليلة الغناء، الأطفال والمراهقين إمكان الشعور بتحقيق رفاهيَّة خاصَّة جدًّا والإحساس بالانتماء، وأنْ يكونوا هُم ويجدوا المكان-شعور مؤقت، شرط أن يلائم الجسم والعقل ويترك آثارًا. يبدو الأمر كما لو أنَّهم منسجمون، بالمعنى الموسيقي للمصطلح، مع ما يحيط بهم: ليس فقط مع العائلة والأصدقاء والناس، ولكن أيضًا مع السماء والبحر والجبل والمدينة والحيوانات التي يشعرون بالارتباط بها. جُزءٌ من الكُلِّ، أو الكُلّ برُمَّته. إنَّهم يفهمون، بِفضل نصٍّ، أنَّ أمورًا كثيرة تَشغلُهم، ليس من خلال المنطق لكن عبر نَوعٍ من فكِّ تشفير غير وَاعٍ.

في الواقع، عندما نقرأ للأطفال، وعندما نروي لهم قصصًا، رُبَّما يكون معنى حركاتنا قبل كلّ شيء: أُقدّمُ لك عالمًا تَجاوزَني فيه آخرون وحصلتُ عليه، عالم اكتشفتُهُ وبَنَيْتُه وأحببتُه1. أُقدّم لكَ ما يحيط بنا وتنظر إليه مندهشًا ومشيرًا بإصبع إلى قطَّة أو نجمة أو طائرة. أقدّم لك السَّماء مُغنّيًا: Au clair de la lune, mon ami Pierrot, j’ai perdu ma plume pour écrire un mot

[في ضوء القمر، صديقي بييرو، لقد فقدتُ قلمي لكتابة كلمة...]، وطوال حياتك سيُرافقُكَ بييرو وقلمُه عندما سترى ضوء القمر. أُقدّم لك البحر، وأُغنّي لك Bateau sur la mer [قارب على البحر]، أقرأ لك قصص القراصنة أو روبنسون Robinson. أقدّم لك الجبل والغابة والصحراء والنَّهر بواسطة الخرافات والأعمال الفنّية. أُقدِّم لك المدينة لكي تستطيع العيش فيها.

فَنُّ العيش

أُقدّمُ لكَ كذلك العالَـم الذي جئتَ منه، وأُسجّلكَ في الأجيال القادمة. أقدّم لك أولئك الذين سبقوك، لكن أقدّم لك أيضًا عَوالِـم أخرى حتى لا تكون خاضِعًا لأسلافكَ أكثر ممَّا ينبغي. وسَأُعطيك أغانِيًّا وقصصًا لتُكرِّرها لنفسك حتى تتمكَّن من قضاء الليل وتستَغني عنّي تدريجيًّا، ثم تَعدَّ حالات الانفصال المتعدّدة التي يجب أن تعيشها. سوف أُسَلِّمك شذرات من المعرفة والخيال حتى تكون قادرًا على مواجهة أسرار الحياة والموت، قدر الإمكان، واختلاف الجنسين والحُبّ والخوف من الهجر أو المجهول، والتَّنافس. هكذا، يُمكنُك كتابة قصَّتكَ بين السطور المقروءة.

الاستماع للقراءة، ثم القراءة، وكذلك مشاهدة الأمثلة التوضيحيَّة أو الأفلام، والغناء والسَّرد والرَّسم والكتابة كلُّها أنشطة تسمح بالتَّداخُل بين الحقيقي والذَّات بِنَسيج كامل من الكلمات والمعارف والقصص والتَّخيُّلات التي سيَظلُّ العالَـم بدونها باردًا أو عدائيًّا، كما تسمح بتشكيل هذا الكَوْن الخَفيّ والحقيقي تمامًا مثل العالَـم الذي يُمكننا لمسُه والمُكَمّل لهُ، وبتحويل المُزعج إلى مألوف، بل أيضًا بجعل المألوف مُدهشًا، وبإعطاء ما يحيط بنا تلوينًا رمزيًّا وخياليًّا وأسطوريًّا، وعُمقًا نَحلُم من خلاله ونتَّحدُ ونفكّرُ.

نحن حيواناتٌ شِعريَّة

بهذا المعنى يُعدُّ الأدب، الشفهي والمكتوب، والممارسات الفنّية عنصرًا أساسيًّا لِفنّ الحياة، ولهذه الأنشطة التي تَتمثَّل وفقاً للمهندس هنري كودان Henri Gaudin في: "إقامة صِلات بين جميع أنواع الأشياء المُحيطة بنا لتُصبح مألوفة ونجعلها أقلّ اختلافًا. إنَّ العيش، هو هذا، التَّخلص من الأشياء في جوارنا، وتقليصُ المسافة مع غَرابَة كُلّ ما هو خارجي عنَّا"2.

وغَنيٌّ عن القول إنَّنا لسنا مُتغيِّرات اقتصاديَّة فقط، كما أننا لا نحصر أنفسنا في أدوارنا الاجتماعيّة، مهما كانت جوهريّة. نحن أيضًا، ورُبَّما قبل كلّ شيء، حيوانات شعريّة وسرديَّة: فقد ابتكر البشر أعمالاً فنيّة وحَكوا قصصًا، أكثر تعقيدًا أو أقلّ، ومتكرّرة وفقًا للسياقات الثقافيَّة، قبل فترة طويلة من اختراع النقود والزراعة. بعض الشعوب أكثر رَقصًا وأكثر حَكيًا وأكثر رسمًا، لكن هناك شعريّة دائمًا، فالمَنفعة لا تكفينا أبدًا.

من خلال تقديم مقاربة نفعيّة وقَلقة للقراءة، قمنا بجعل الاستثناء قاعدة روتينيّة. نحن لا نحكم على مزايا غناء الأطفال بحقيقة أنهم سيصبحون موسيقيين. لماذا يطرح باستمرار مستقبلهم المعرفي والدّراسي والمدني عندما يتعلَّق الأمر بالقراءة؟ عندما يستمعون إلى قصة، وعندما يفتحون كُتبًا، فإنَّهم يفعلون ذلك لأنَّهم يحتاجون إلى بُعدٍ آخر، ولأن يجعلوا الكلمات والقصص والاستعارات والصُّور وسيطًا بينهم وبين هذا العالَـم الغريب الذي يُحيط بهم، ولأنهم فضوليُّون وقلقون، يبحثون عن أسرار مَرِحة وشاعريّة، ولأنَّ الكُتب تمنح شكلاً للرَّغبات أو المخاوف التي يعتقدون أنَّهم الوحيدون الذين يعرفونها، كما تسمح لهم باستبدال الفوضى بقليل من النّظام والاستمراريَّة والجمال.

 

الهوامش:

انظر ميشيل بوتي:

- 1 Michèle Petit ,Lire le monde. Expériences de transmission culturelle aujourd’hui, Belin, 2014.

2 - هنري كودان Henri Gaudin «Embrasure», Villa Gillet, 1996.

3 - مقالٌ من مؤتمر "S’accorder au Monde"، اجتماعات وطنية "Lire et faire lire"، 2018.


عدد القراء: 641

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-