كيف تمنحنا صور الطبيعة الإثارة والبهجة؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 17:46:39

د. عبدالرحمن إكيدر

المغرب

كاث باوند  Cath Pound

ترجمة: د. عبدالرحمن إكيدر

بينما كان العالم يتأقلم مع الوباء في مارس 2020، أصدر ديفيد هوكني David Hockney صورة لأزهار النرجس الصفراء الزاهية بعنوان: "تذكر أنهم لا يستطيعون إلغاء الربيع". وفي خضم هذا الخوف وعدم اليقين، قُدمت موجة من التفاؤل التي أصبحت الحاجة إليها ملحة لتذكرنا جميعًا بأن الطبيعة مع دوراتها المستمرة من إعادة الولادة وإعادة التجديد، لا تزال توفر لنا الأمل.

لطالما قدّر هوكني العالم الطبيعي، سواءً لإلهامه الجمالي أو لصفاته العلاجية، يقول: "لا يمكننا تجديد أنفسنا إلا من خلال النظر إلى الطبيعة". إنها وجهة نظر تشاركها الكثير منا خلال العام الماضي، حيث قطعنا أشواطا طويلة لتهدئة عقولنا المتسارعة. يمكن أن تكون النتائج ملموسة؛ فقد ثبت أن البقاء لمدة عشرين دقيقة في بيئة طبيعية يقلل من مستويات التوتر، بل حتى النظر إلى صور الطبيعة يمكن أن يُحدث فينا تلك التأثيرات نفسها، لذلك فليس من المستغرب ربما أن يتدفق الزوار إلى معرض (متعة الطبيعة) المخصص لهوكني وفان جوخ Van Gogh  في متحف الفنون الجميلة في هيوستن، بينما كان سكان لندن ينتظرون بفارغ الصبر حضور معرض هوكني الذي يحمل عنوان (وصول الربيع) المرتقب افتتاحه في الأكاديمية الملكية. تقول آن دوماس Ann Dumas، أمينة معرض هيوستن في أوائل شهر مارس متحدثةً إلى BBC Culture: "إن الناس يحبون العرض حقًا، لقد كان وقتًا سيئًا للغاية، قضيناه هنا مع ظروف الجائحة، وما ترتب عنها من حالة جمود أدت إلى توقف كل شيء، وافتقدنا خلالها تلك الإشراقة التي ترتسم على محيا الزوار عند ارتيادهم لصلات العرض".

يكشف المعرض - الذي يعد بمثابة إعادة عمل لمعرض 2019 والذي يحظى بشعبية كبيرة في متحف فان جوخ في أمستردام - حب الفنانين للطبيعة، بالإضافة إلى تأثير فان جوخ الواضح على هوكني. لقد كان رد الفعل تجاه الطبيعة لكلا الفنانين سببه تغيير المشهد. فعندما انتقل فان جوخ إلى جنوب فرنسا، حقق اختراقات في الألوان أدت به إلى اعتماد الألوان الزاهية التي لا تزال حية، وكذا المناظر الطبيعية المشمسة التي ترفع معنويات كل من يشاهدها. في حين أن عودة هوكني إلى يوركشاير  Yorkshireبعد سنوات عديدة في لوس أنجلوس، أعطته تقديرًا متجددًا للمناظر الطبيعية المحلية التي صورها في لوحته النابضة بالحياة بشكل فريد. قال هوكني: "لطالما وجدت العالم جميلًا جدًا، أنظر إليه ... أنظر فقط. وهذا شيء مهم أشاركه مع فنسنت فان جوخ : كلانا يستمتع حقًا بالنظر إلى العالم"، ومما لا يثير الاستغراب أن تتداخل موضوعاتهما كثيرًا. تقول دوماس : "لدينا لوحة جميلة لفان جوخ تبرز بشكل لافت الجزء السفلي لبعض جذوع الأشجار في فضاء غابوي إبان فصل الربيع، حيث تبدو تلك الجذوع وكأنها مستلقية على الأرض المغطاة بسجادة رائعة من الزهور البرية". استكشف هوكني الموضوع نفسه في كتابه الضخم (وصول الربيع في وولدجيت) Woldgate، شرق يوركشايرYorkshire  في 2011، حيث "تم تضخيم كل شيء، وتم تفجير جميع الزهور البرية"، وفقًا لتعبير دوماس. تحفل اللوحة باللون الأخضر وبالنباتات الخضراء المورقة وفروعها المكسوة بأوراق تبدو وكأنها تتلوى، إنها تتلوى بفرح وهي بلا شك واحدة من المعالم البارزة في العرض. ووفق المنظور نفسه، قدم هوكني عملاً آخر موسومًا بـ (الفصول الأربعة) والمكون من أربع لوحات (صيف 2010، خريف 2010، شتاء 2010، ربيع 2011)، وكل منها مكون من تسع شاشات متحركة ببراعة، وهي تعرض المنطقة ذاتها من الغابة حيث تتغير بتغير الفصول. تشير دوماس إلى أن الناس تفاعلوا مع هذه الأعمال بنوع من الدهشة والإعجاب. من الواضح أن رؤية عمل فني هادئ ينتقل بنا من الشتاء إلى الربيع هو بالضبط ما يحتاجه أهل تكساس. تقول دوماس: "لقد كتب الناس إلينا قائلين: شكرًا لكم على إحضار هذا العرض إلينا ". وتضيف: "إنهم ينظرون إلى الأمر بقدر كبير على أنه بارقة أمل".

ضربة من الدوبامين:

الأمل بالتأكيد هو ما احتاجته إديث ديفانيEdith Devaney ، أمينة معرض الأكاديمية الملكية، ففي سنة 2020 أجبرتها الجائحة على إلغاء برنامج معارض المؤسسة لثلاث مرات، حيث دخلت البلاد في عمليات إغلاق متكررة. لقد كان هوكني في نورماندي في فرنسا في ذلك الوقت، حيث كان ينوي التقاط مشاهد الربيع هناك، وبدأ فعلاً في إرسال أعماله المختارة إلى ديفاني التي تعتبر نفسها محظوظة لتكون قائمة على عرضها. تقول: "يجب أن أشير إلى أن كوني متلقية لإحدى تلك الصور جعلني أواصل العمل ... إنها مبهجة بصريًا، ومغيّرة للحالة المزاجية، وهذا أمر مثير للاهتمام حقًا." ليس لدى ديفاني أدنى شك في التأثير الذي سيحدثه تقديم السلسلة المكتملة إلى جمهور أوسع. تقول في هذا الصدد: "إنها واحدة من تلك المناسبات النادرة التي يكون فيها المعرض الفني له صدى لدى كل إنسان على الإطلاق. وسيعني ذلك شيئًا لنا جميعًا بسبب ما مررنا به على مستوى العالم". وتضيف: "إنها فكرة دورة الحياة، عليك التشبث بذلك ... إنها تذكير بأن هناك قوة أعظم منا."

تتجلى هذه الإثارة والحيوية والبهجة المطلقة في كل واحدة من (لوحات iPad)، وهي وسيلة ابتكرها هوكني بنفسه على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك، خاصةً أنه الآن أصبح يتوفر على تطبيق خاص أنجزه أحد علماء الرياضيات في شمال إنجلترا. يتيح له هذا التطبيق شق الطبقات داخليًا وخارجيًا. تنقل هذه اللوحات إثارة لا يسعها إلا أن تكون معدية، وتعتقد ديفاني أن العرض سيمنح الزائرين الذين لم يعيدوا تعريف أنفسهم بالطبيعة رغبة متجددة لفهم العالم الطبيعي من حولهم. "إن أحد الأشياء التي يعلمنا عمل ديفيد القيام به هو النظر؛ إنه هذا النوع من الملاحظة التي نفتقدها، ولدينا العديد من المحفزات البصرية المختلفة الآن، وأكثر من ذلك لأننا كنا جميعًا ملتصقين بشاشاتنا لمدة عام، وهذا تذكير بأن هذا ليس المظهر المناسب في الواقع؛ إن المظهر المناسب هو ما تفعله عندما تكون في الطبيعة". إن فائدة المنظر الحقيقي، سواء من حيث الإلهام الإبداعي أو تحسين الحالة المزاجية، هو شيء تفهمه جيدًا عالمة الطبيعة والمصممة والرسامة إيما ميتشل Emma Mitchell ، لقد عانت ميتشل من الاكتئاب لسنوات عديدة، وفي كتابها (علاج البرية) تكتب بشكل جميل كيف أن الانغماس في الطبيعة وخلق الأعمال الفنية والحرفية قد ساعد في تحسن صحتها العقلية. تقول: "نظرًا لأنني تدربت كعالمة، فأنا مفتونة بما تفعله [الطبيعة] في عقولنا وأدمغتنا ... إن عشر دقائق فقط من الإبداع اليومي والمشي يوميًا بين الأشجار والنباتات يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرا في صحتنا العقلية". وتضيف: "إذا نظرت ببساطة إلى صور الطبيعة، سواء المتحركة أو الثابتة، فستحصل على استجابة استرخاء، إذا خرجت بالفعل للمشي لمدة تتراوح بين 15 و20 دقيقة، فإن مستويات التوتر وهرمون الكورتيزول ستنخفض بشكل ملحوظ ... إن أدمغتنا تتفاعل للاستجابة التي تثيرها الأشجار والنباتات ورؤية الأوراق لا سيما اللون الأخضر.  من المحتمل أيضًا أن تؤدي الأنماط التي تحدث بشكل طبيعي في الطبيعة إلى تحسين مزاجنا. وتوضح ميتشل ذلك بقولها: "عندما نرى الكُسيريات، على سبيل المثال، فإن نمط الفروع والأغصان تحصل على استجابة مماثلة لما يحدث في الدماغ عندما نستمع إلى الموسيقى، والتي يمكن أن تثير الابتهاج والدوبامين".

تقوم ميتشل في كثير من الأحيان بجمع الأشياء الطبيعية، والتي تقوم بعد ذلك بترتيبها في صور جميلة للغاية على غرار الكتب المرجعية النباتية في القرن التاسع عشر. يمنح إنشاء الصور لميتشل ضربة دوبامين، لكنها تستخدم أيضًا أبحاثها في القطاع الأكاديمي للتأكد من أنها يمكن أن تقدم فوائد للصحة العقلية لمتابعيها عندما تنشرها على تويتر وإنستغرام. تقول ميشل: "يستجيب الناس حقًا وبشكل إيجابي للتدرجات اللونية اللطيفة، إما للزهور أو الأصداف أو حتى الأوراق في بعض الأحيان في فصل الخريف. إنها تجمع بين فوائد رؤية عيّنة نباتية فردية مع التأثيرات المثبتة للكُسيريات". تشير استجابات الجمهور في تكساس بقوة إلى أن صور الطبيعة لا يجب أن تكون دقيقة علميًا من أجل إثارة الردود والاستجابات نفسها. تقول ميتشل: "إذا كان الكثير من الناس يستجيبون بشكل إيجابي لهذا المعرض، وربما لعناصر معينة منه، فيمكن تحليل ذلك ودراسته". وتضيف: "عندما ننظر ببساطة إلى ما يمكن اعتباره تصويرًا لامعًا تمامًا للطبيعة على جهاز iPad، يكون الأمر كاسحًا تمامًا وأحيانًا تكون الألوان غير متوقعة، ومع ذلك لا يزال يتناغم مع الناس بقوة لدرجة أنه من المحتمل أن يسبب تغيرًا في كيمياء الدماغ".

يبدو أن معرض الأكاديمية الملكية مقدر له أن يقدم نفس تأثير الدوبامين، لكنّ ميتشل تقول إنه يمكننا جميعًا الاستفادة من الطبيعة والإبداع إذا أخذنا ورقة من هوكني وفان جوخ وكتابها الخاص ونزلنا بين النباتات لننظر حقًا. "انظر إذا كان بإمكانك مواجهة شيء ما تعتقد أنه جميل، ربما قد تحضر ورقة أو اثنتين إلى المنزل، أو ريشة أو بنفسجية صغيرة، ثم احتفل بها بطريقة ما عن طريق ملامستها أو التقاط صورة. هذا سيمنحك دفعة طفيفة، وإذا قمت بذلك في اليوم التالي، فسيكون الأمر تراكميًا، وإذا واصلت القيام بذلك، فيمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في صحتك العقلية ".

 

عنوان المقال الأصلي:

Hockney and Van Gogh  How images of nature bring us joy   

موقع:  BBC Culture

 19 مايو 2021.


عدد القراء: 1146

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-