مصائر أبطال روايات نجيب محفوظالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 19:54:43

محمود قاسم

القاهرة

هل كان يمكن للروايات الكبرى، والمسرحيات، والأعمال الدرامية، التي تنتهي بمأساة أن تبقى في أذهان الناس بشكل أقل، لو كانت نهايات هذه الأعمال غير مأساوية..

"روميو وجوليت" لويليام شكسبير مثلاً، ثم أعمال مهمة من طراز "الجريمة والعقاب" لفيدور دوستيوفسكي، و"وداعًا للسلاح" لارنست هيمنجواي، و"تريستان وايزولت"، و"نانا "تأليف أميل زولا، و"غادة الكاميليا" لأليكسندر ديماس الابن والمئات من الروايات العالمية والعربية. وكانت النهايات الحزينة، خاصة التي تنتهي بالموت مكتوبة بأقلام أصحابها بابداع راق ساعدعليابقاء هذه الروايات والمسرحيات في ذاكرة الأجيال.

كانت النهايات المأساوية لأبطال، وبطلات هذه الأعمال وغيرها سببًا في بقائها، بالإضافة، بالطبع، إلى جودة كتابتها.

نجيب محفوظ من الذين أدركوا هذه النقطة، وتوقفوا عندها بقوة في أغلب رواياته، خاصة الأعمال الأولى، كما في النهايات المفتوحة لأعماله التالية اعتبرت النهايات فيها بمثابة امتداد للمرحلة الأولى.. وبشكل عام فإننا يمكن أن نلاحظ التالي..

الموت المأساوي ينتظر أبطال نجيب محفوظ، وهو موت محتوم، يأتي في ظروف بعينها، مثل مقتل عباس الحلو في " زقاق المدق" في معركة بالكباريه التي تعمل فيه حميدة، التي كان رحيلها عن الزقاق هو أصل المأساة التي حدثت، وأيضًا موت رشدي مريضًا بالسل الذي أنهكه وسط أسرته، فلم يهنأ بحبيبته، جارته، وأيضًا الموت المأساوي في مظاهرة سياسية قام بها فهمي في رواية "بين القصرين" من بين ثلاثة عشر شهيدًا أثناء ثورة 1919، وكان أبوه أحمد عبدالجواد أول من استلم النبأ. ثم الموت الذي اختاره حسنين لنفسه وأخته نفيسة في نهاية رواية "بداية ونهاية"، بأن جعلها تغرق نفسها في النيل، وبعد دقائق لحق بها وهو الذي وجد أن مثل تلك النهاية هي الأكثر لياقة بهما.

يأتي الموت في الصفحات الأخيرة من الرواية ليحسم مصائر الشخصية الرئيسية، بعد مسيرة طويلة عشناها مع هذه الشخصيات في معترك الحياة، خاصة حميدة، وحسنين، ونفسية، وكأنما الكاتب يرى أن الأنسب هو وضع هذه المصائر بشكل محدد قاطع، فليس بعد الموت أمل جديد في مسيرة إضافية لأي من هذه الشخصيات..

والموتفي أغلب هذه الأعمال هو نوع من العبث وليس العقاب يخص أناس أبرياء، هم الذين يدفعون الثمن، مثل مصرع عباس الحلو، فما ذنبه إذا كان قد أحب، وأخلص، وذهب ليعمل في الأورنس ليدبر المال، وفي رواية "الطريق" ماذنب الابن أن يكون أبوه مجهول المكان، وأن يولد ويتربي في كنف أمه العاهرة، ويظل لفترة طويلة يبحث عن أبيه، وعندما يظهر الأب الحقيقي يكون الابن في طريقه إلى المقصلة.

والنهايات المأساوية عند نجيب محفوظ تمس الشباب وحدهم، وهم في حالة الفوران الحياتي، يريدون أن يأخذوا منها المزيد، والكثير من هذه الشخصيات جذبته أنوار الدنيا، وهو القادم من ظلام الفقر وقسوته، واستطاع أن يتلمس لذة النقود التي تقوده إلى أضواء الحياة، مثل حميدة التي تمردت على الزقاق الضيق، وعواجيزه الذين يودون الزواج منها، وشبابه الذي ذهب للعمل في معسكرات الإنجليز فأرادت أن تخرج مثل خروجهم إلى عالم الليل، وهناك تمكنت من الحصول على المزيد من المال، والملابس والمسكن، وهي لم تحس أنها ساقطة، وكان يمكن لهذا العالم أن يستمر بها سنوات لولا أن جاء عباس الحلو إلى المكان، وحدثت المشاجرة الكثيرة، التي أصيب فيها الشاب الغيور على شرفه الضائع فكان مصيره هو ما يسمي بالموت غير المنتظر و حتى وإن ذهب إلى هناك متعمدًا مصطحبًا جاره معه بحثا عن التعضيد.

أما حسنين وأخته، اللذان ذاقا الفقر بالملعقة، نقطة وراء الأخرى، فإن موتهما المأساوي، جاء بعيدًا عن الشقة الجديدة التي استأجرها الضابط الشاب، بعد أن عاشت الأسرة سنوات طويلة في قاع المنزل، يرون الشارع من أعلى إنه موت يأتي بشكل عبثي إلى الشاب، تم باختياره، وكان لا يمكن له أن يتراجع، وهو في قمة تألقه، بعد أن طلب من الباشا أن يزوجه ابنته، وعقب أن صار ذا مكانة مرموقة، ومسكن منشود، لكن الوحل ينتظره في سلوك أخيه حسن الهارب من العدالة، وأيضًا في قيام الشرطة بالقبض على نفيسة ووضعها في الحجز مع العاهرات مثلها.

أما النهاية المأساوية لسعيد مهران في "اللص والكلاب"، وهو شاب، لم يأخذ من الحياة سوى جدران السجون والمطاردات، والاختباء في حانة المعلم طرزان، وشقة العاهرة نور، فإن نهايته جاءت في كهف مهجور، طاردته فيه الشرطة، وتناول الطرفان إطلاق النيران، وفي النهاية قرر أن يسلم نفسه، وفي ذلك عودة إلى الجدران، أو إلى المشنقة، وهو مصير من يقتل عن عمد. وقد يبدو سعيد مهرن أقل عبثًا في مصيره، فهو في حالة انتظار لعقاب سماوي، وهو يخطط لتنفيذ خططه للانتقام أما من عليش ونبوية، أو من الصحفي رؤوف علوان إلى جعل منه مادة في الصحفية التي يحقق بها نجاحاته المهنية.

النهاية قريبة لما حدث لصابر صابر الرحيمي الذي تم القبض عليه، بعد أن قتل صاحب الفندق، لصالح كريمة الزوجة الشابة للرجل العجوز، ولما ضاقت من حوله حلقات المطاردات، أسلم نفسه، في انتظار حبل المشنقة، لأنه قتل مع سبق الإصرار والترصد وكما أشرنا فإن سخرية الموت المنتظر تأتي مع العثور على ابيه، حين يأتي إليه المحامي وينبئه بالخبر اليقين.

وأبطال محفوظ الذاهبين إلى الموت هم من الشباب الغارق في الحب، والمقبل علي الحياة، مثل الطالب فهمي المؤمن بالثورة التي يخرج لمناصرتها كافة أبناء الشعب، فهمي هذا يختلف تمامًا عن الرجال الأكبر منه سنًّا داخل أسرته، خاصة أبوه السيد أحمد عبد الجواد، الذي يعيش حياتين متباينتين ما بين المجون والتشدد، أما أخوه ياسينو وهو غير شقيق، فهو بالغ المجون، مزواج، وهو أشبه بأمه الزوجة السابقة التي انفصلت عن زوجها. لذا فإن حب الحياة عند فهمي يختلف تمامًا عن أبيه، وأخيه، والموت يختاره هو ويترك الماجنين يهنئان بما يفعلاه سنوات طويلة. لقد مات، صاحب الموقف السياسي، والاجتماعي، المغرم بجارته مريم، الأقرب إلى قلب أبيه أحمد عبدالجواد، والذي يختلف تمامًا عن أخيه ياسين، وهو الذي سيصير قدوة لأخيه الأصغر كمال. هذا الشاب الوسيم، هو الذي سوف يموت في نهاية الجزء الأول من الثلاثية ليحطم قلب الأسرة، والقارئ معًا، ليظل دائمًا في الذاكرة، ولا يموت أبدًا.. بينما يمكن للذاكرة أن تنسى شخصيات ظلت حية في الرواية ولم تمت، على الأقل بشأن مأساوي..

إذن، فنجيب محفوظ الذي اختار هذه النهايات المأساوية لأبطاله الشباب، هو أيضًا يساعد على آرائهم أحياء، في الوقت الذي يلعب فيه دور القدر، فيختار لهم الموت الحتمي، مهمًا فعلوا.

ورشدي الشاب الصغير، العاشق في "خان الخليلي"، اختار له الكاتب أن يموت بالمرض نفسه الذي مات به أبطال عديدين في الأدب العالمي والعربي، مثل مرجريت جوتييه في "غادة الكاميليا"، و"زينب" عن محمد حسنين هيكل. والتقارب هنا أن موت شخص عاشق، لم يهنأ بقصة حبه، يتألم وحده، ويرحل تاركًا من يحبونه يتألمون من أجله، رغم أن الحبيبة هنا اتسمت بسلبية ملحوظة.. وكما نرى فإن الشيء المختلف هنا أن البطل ا لذي مات هنا رجل، باعتبار أن النماذج العالمية والعربية عن النساء غالبًا، أما الشباب الذين يموتون في نهايات روايات محفوظ هم من الرجال غالبًا، والنساء تمثل استثناءات، مثل رباب التي ماتت أثناء اجهاضها رواية "السراب"..

فالذي دفع نفيسة إلى الانتحار، هو أخوها حسنين في "بداية ونهاية"، بعد أن ذهب إلى قسم الشرطة واستلمها كعاهرة تم ضبطها متلبسة، ودون هذه المصادفة، كان يمكن للحياة أن تستمر، وقد ضاعف الكاتب حدة المأساة  في نهاية الرواية، بالانتحار الحتمي ـ الاختياري للاثنين معًا، وسط أسرة مكونة أنجبت ثلاثة رجال وامرأة، هذه الرواية بدأت وانتهت بالموت، ففي البداية يأتي شخص إلى الفصل ليأخذ الأخوين ويبلغهما وفاة الأب، هذه الوفاة التي ستغير تمامًا من مصائر الأسرة، من العيش على حد الكفاف إلى العوز الشديد، هذه الأسرة لم يعرف أفرادها، منذ رحيل عائلها، أي نوع من الفرحة، وعندما اقترب الأمل، جاءت المصائب تباعًا، كي تبقى الأم، بعد نهاية الرواية، نادبة حياتها، أشبه بمأساويات التراجيديا اليونانية القديمة..

وفي رواية "السراب" فإن الحالة النفسية والتربوية التي وجد فيها الشاب كامل نفسه دفع الزوجة إلى أن تدفع الثمن، كامل غير قادر على الاتصال بالفتاة التي يشاهدها عند محطة الترام، يحاول أن يكلمها ويعبر لها عن مشاعره، لكنه عاجز حتى أن يبدأها بالكلام، هو ليست له أي علاقة مسبقة بأي امرأة، ولذا فإن الفترة الزمنية التي يستغرقها كامل تبدو بالغة الطول حتى يتمكن من الحديث إليها، هي تذكرنا بالترقب الطويل الذي يقوم به آشنباخ تجاه الغلام الذي يجذبه في رواية "الموت في فينسيا" للكاتب الألماني توماس مان، أحد الذين تأثر بهم نجيب محفوظ كثيرًا ليس فقط رواية "آل بودنبروك" والموت في فينسيا" وأعمال أخرى، رباب هذه تجد نفسها زوجة في بيت كامل، وهو غير قادر على معاشرتها كزوج، واكتشف إنها حملت من الطبيب الذي عاشرها، وتموت أثناء إجراء عملية إجهاض.

ويتنوع الموت في مصائر هؤلاء الشباب، بين أن يكون عقابًا دنيويًا مأساويًا، وتبدو هذه المصائر هنابالغة القسوة، فالشنق موتًا من حق صابر الرحيمي، لأنه قتل مع سبق الإصرار والترصد، وسعيد مهران الذي سيقوم بتسليم نفسه يستحق أيضًا أن يموت بعد محاكمته، إلا أن مصير عباس الحلو، ونفيسة كان أكثر قسوة، ماذا لو قام القانون بالحكم عليها، فقد أطلق القانون سراح نفيسة دون محاكمة، لكن أخاها قام بعمل هذه المحاكمة السريعة عليهما معًا، وأصدر حكمه النهائي بالموت الاختياري. وأن يكون القفز في النهر هو آخر ما يفعلاه معًا.

ولهذا السبب فإن هذه الشخصيات كانوا ضحايا الحياة، والموت غير المنتظر معًا، ومن هنا يأتي التعاطف معهم، ويعني هذا الاختيار الذكي للكاتب، وهو يسطر مصائر أبطاله، بشكل متعمد، فلا يكاد يخلو من هذا المصير أشخاص آخرين، ومنهم رباب بطلة رواية "السراب" التي ماتت على إثر النزيف، بينما بقي زوجها كامل يبكي عليها، رغم أنه أحد الجلادين الذين شاركوا في صنع هذه النهاية، والزوجة هنا آثمة، وعقاب هذا النوع من الإثم في الدراما هو الموت على هذه الشاكلة. وقد جاء هذا المصير بعد أن قرأ القاريء كافة التفاصيل التي أدت إلى ذلك، ولاشك أن المرء ليشعر بمزيج من المشاعر المختلطة المتناقضة إزاء مصير الزوجة في السراب على سبيل المثال، فهي ضحية لزوجها، وأمه، والطبيب المعالج. وقد صورتها الرواية كأنها بلا جذور، فلم تعضد موقفها أو تقف بجانبها.

إذا كان الموت كان المصير المحتوم للكثير من أبطال نجيب محفوظ، فإن نهايات مأساوية أخرى كانت في انتظار أبطال الكثير من روايات أخرى، فعيسى الدباغ قد قوبل برفض شديد وتجاهل من عشيقته السابقة، ابنة الليل ريري ، التي تابت، وأنجبت الطفلة التي نسبتها إلى أب آخر في رواية "السمان والخريف"، وهي نهاية بليغة باعتبار أن الدباغ سبق أن أنكرها وطردها من المقهى الذي صار ملكًا لها وابنتها بعد أن مات الزوج العجوز، الذي منح اسمه لابنتها السفاح بينما أنكر الأب الحقيقي نسب الصغيرة إليه، وهو الموظف الكبير في آخر حكومة ملكية، ما يعني هنا أن العقاب الذي ناله عيسي كان مستحقًا عليه وقبل الذهاب من المقهى بلا عودة، أن العقاب من العمل نفسه.

كما أن مصير زهرة في "ميرامار" صار غامضًا بعد أن غادرت البنسيون إلى مكان مجهول، وهي التي هربت من بلدتها البحيرة للإقامة في الإسكندرية، وكان دخولها البنسيون مدخلاً لأحداث جسام، كانت هي بؤرتها، وانتهت بمقتل سرحان البحيري وصار عليها أن تبحث عن مصير آخر، تركه الكاتب دون تحديد، ما يعني هنا أنه في البداية والنهاية كان الهروب إلى مكان آخر هو المصير المحتوم لزهرة.

وفي هذه المرحلة الثانية من إبداع نجيب محفوظ، ترك الكاتب مصائر أبطاله معلقة دون أن ينزل عليهم العقاب نفسه، مثل سعيد مهران، وصابر الرحيمي، وعيسى الدباغ، والحمزاوي في رواية "الشحاذ"، أما في روايات التي كتبها في السبعينيات، فإن المصائر بدت أشبه بالنهايات المفتوحة، مثل ضابط الشرطة في روايته القصيرة "أهل القمة"، وفي تلك الفترة كانت أغلب روايات الكاتب قصيرة، مثل "الحب فوق هضبة الهرم" التي كان مصير الزوجين الشابين هو الاقتياد إلى المحاكمة لمجرد أنهما مارسا الحب في مكان بعيد عند أطراف القاهرة.

في هذه الروايات، كانت المصائر فردية، باعتبار أن إنسان معلق بمصيره، لكن هناك قليلة للغاية، كانت المصائر فيها جماعية، وذلك مثلما حدث لمجموعة الصحبة الذين يلتقون بالعوامة في رواية "ثرثرة فوق النيل"، فهم جميعًا آثمون. فوق أرض واحدة، وقد اقترفوا الجرائم والآثام معًا، وها هو مصير مجهول ينتظرهم معًا.

لم يحصر نجيب محفوظ مصائر أبطاله في هذه الحدود فقط، فقد اختار لأبطال أعمال أخرى عديدة مصائر متعددة مثل عثمان في رواية "حضرة المحترم"،  ومثل الفتوات وأبناؤهم في "الحرافيش"، والجبلاوي الذي مات شيخًا هرمًا مقتولاً على يدي أحد أحفاده، وأيضًا مصائر الكثير من أبطال قصصه القصيرة، مثل "سائق القطار" الذي أصابه الجنون، وانطلق بالركاب إلى حيث لا يعلم أحد..


عدد القراء: 816

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-