اللامعنى... أو الجناية على الراهن الإبداعيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 21:39:33

د. غانم حميد

الجزائر

(المعنى في بطن الشاعر) ساد هذا الاعتقاد حين كان يُنظر إلى الشاعر على أنه يتلقى عن الجن، وأن لكل شاعر شيطانًا يلقي في روعه ما يقول. وفي ذلك أمثلة عديدة من قبيل قصة بدء قرض عبيد بن الأبرص الشعرَ، وأن اسم شيطانه هَبيد، حتى جرى مجرى المثل قولهم: (لولا هبيد ما كان عبيد)، وقد ورد في اللسان قول الأعشى يذكر شيطانه مسحلاً: دعوتُ خليلي مسحلا ودعوا له ...جُهنّامَ جدْعا للهجين المُذَمَّمِ

 وفي ذلك قال أبو النجم:

   إني وكلَّ شاعر من البشرْ

                             شيطانه أنثى وشيطاني ذكرْ

ثم جاء الجاحظ ليقول (المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتمييز اللفظ وسهولته، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من الصيغ، وجنس من التصوير.......). أما معاصره ابن قتيبة فلم يحسم في المسألة بل ترك الباب مواربًا في المدخل النقدي من كتابه "الشعر والشعراء، حيث جعل علاقة اللفظ بالمعنى في الشعر على أربعة مستويات، أعلاها ما حسن لفظه وجاد معناه وهذا هو الأفضل والأبلغ، ودونه ما حَسُن لفظه دون معناه ثم ما جاد معناه جون لفظه، وأدناها ما ساء لفظه ومعناه. ولعل ما بين الرجلين من اختلاف فكري أفرز هذا الموقف، فالنسق الفكري الاعتزالي مضمر في طروحات الجاحظ، في حين أن انتماء ابن قتية إلى بيئة النقاد الفقهاء ألقى بظلاله على موقفه النقدي...  وبعد حوالي قرن يُسأل المتنبي عما يقصد ببعض غوامض شعره ودقائقه، فيقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح (يقصد أبا جِنّي) فإنه يقول ما أردتُ وما لم أُرِدْ.

هكذا حصل تطور نقدي حول تصور إدراك المعنى من المنتج إلى النص إلى المتلقي أو القارئ على تباين مستوياته، فلم يعد المعنى في بطن الشاعر وإن كان مُرسِلا بل أصبح المتلقي مُنتجا للمعنى، بصرف النظر عن مدى موافقة ذلك الفهم لما قصده المنتج أو كان خلاف ذلك. غير أن الثابت في هذه الثنائية أنه لابد من حضور المعنى، بصرف النظر عن حقيقة المعنى المقصود إن كان هو هو أم سوى ذلك. وقديمًا عاب بعضهم الغموض على أبي تمام فقال له: يا أبا تمام لمِ تقول ما لا نفهم؟ فأجاب: ولِمَ لا تفهمون ما لا أقول؟

فأبو تمام يحمل شعره معنى، ولكن الناس لم يتوصلوا إلى الوقوف على هذا المعنى. فهم لم ينفوا وجود المعنى في شعره ولكنهم عابوا عليه التعقيد، وبين أن يكون المعنى عميقًا وأن لا يكون ثمة معنى إطلاقًا كما بين الحي والميت. لذلك فإن ما يروج من دعاوى لإلغاء المعنى من الشعر، والتلذذ بجمالية الشكل ليس إلا استتارًا من الخضوع لمنهج نقدي متكامل والإحالة على حالة من الطرب الزائف الذي سرعان ما يذهب بتكرار التلقي كما يذهب أثر الثمالة بمضي الوقت.

 ومن جميل المعاني التي ضمّنها بعض فحول الشعر العربي شعرهم إكبارهم وإجلالهم للمعنى وللرسالة في الوظيفة الشعرية هذه الشواهد:

قال أبو تمام: وَلَولا خِلالٌ سَنَّها الشِعرُ ما دَرى

                      بُغاةُ النَدى مِن أَينَ تُؤتى المَكارِمُ

وقال المتنبي: أنام ملء جفوني عن شواردها

                         ويسهر الخلق جرّاها ويختصم

وقال شوقي: والشعر إن لم يكن ذكرى وعاطفة

                             أو حكمة فهو تقطيع وأوزانُ

ولعل مردَّ عزوف كثير من المثقفين والمختصين في اللغة والأدب عن الإقبال على قراءة الدواوين والمجاميع الشعرية للكثير من التجارب الشعرية المعاصرة إلى الغلو في الغموض إلى حد الإبهام، حيث يقول الشاعر ما لا يستجيب لفك أية شيفرة لغوية، مما يجعل النص الشعري خارج عناصر الرسالة اللغوية التي ضبطها جاكوبسون. ولطالما سألت نفسي: لماذا نحفظ عشرات القصائد والأبيات للشعراء من كل العصور السابقة: الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي والأندلسي وشعر عصر النهضة في القرن العشرين، ولا نحفظ شيئًا من هذا السيل العرم من هذه الإصدارات؟ ولا نعضّد كلامنا بشاهد لغوي أو عبارة مُقتبسة أو معنى وجيه؟

وأكاد أجزم أن استخفاف كثير من المنتسبين إلى الموجة الإبداعية المعاصرة بتمثل المعنى في نصوصهم، أو افتقارهم إلى استحضار أي معنى للحياة وقضاياها هو ما جعل معظم تلك التجارب خديجة بتراء لا يصمد أمام سنة البقاء منها إلا القليل. ثم إن هذه العلة في حد ذاتها ـ إن بحثنا فيها ـ ألفيناها تأكيدًا لحالة من الافتقار إلى الأصالة والمَلَكة والمُكنة والروح الشاعرة التي تولد مع الإنسان ولا يمكن أن يُدخلها على نفسه لاحقًا استجابة لرغبة عارضة تغري بالتميّز والتألق أو النضج قبل الأوان.


عدد القراء: 646

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-