ثرثرة حول أعمال العملاق الياباني هاروكي موراكاميالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-01-31 22:03:57

رقية نبيل عبيد

الرياض

هناك شيء لطيف وساحر وخفيف الأثر في الروايات التي يغزلها لنا الكاتب الياباني الشهير هاروكي موراكامي، مثل وقع حبات المطر في هطولها الناعم الهش، حينما تبدأ بالقراءة فأنت لا تستطيع التوقف، وكأن قوى مجهولة تملك جاذبيتها الخاصة قد سحبتك في أعماقها للأبد، أو على الأقل حتى تصل نهاية الرواية بين يديك.

غير أنني في كل مرة أقرأ لموراكامي لا أملك إلا أن أتعجب من سبب قراءتي له أصلًا! فالمغزى في قصصه تائه تمامًا، وسير الحكاية تشعب لمليار طريق، وبعد تخبط وتتبع ومسيرة طويلة جدًا في عشر مائة حارة وزقاق مختلف تصل أخيرًا.. إلى لا شيء!

لا لغز اتضح، ولا مقاصد قد انكشفت، ولا دوافع عرِفت منابتها! توهان كامل! يذكرني الأمر حرفيًا بكثير من الأنميات التي اعتدت مشاهدتها، حيث أشعر بالحيرة والتخبط الذي يصيب الشخصيات يكاد يصيبني بالخبال مما أدى لعزوفي الكلي عن متابعتها مجددًا.

أمر عجيب! أأنا أمتدح الكاتب أم أنتقده؟! حتى هذه لا أستطيع تحديدها.

شيء واحد أنا متيقنة منه، هو أنني عاجزة عن التوقف عن القراءة له، ثمة عالم جديد مدهش تنفتح لي بواباته بمجرد أن أقلب صفحة غلاف إحدى رواياته لتتكشف لي كعروس في ثوبها الأبيض الناصع الصفحة الأولى.

إن كلماته ناعمة سلسلة وعذبة تشل القلب من فورها وتدخله في توهان لذيذ، كلذة أحلام اليقظة عند غفوة العصر، وسلاسته تلك لا تنحصر في وصف مشهد طبيعي خلاب أو مشاعر رقراقة متدفقة، لا إنها في كل شيء، في كل صفحة وكل حرف، وخلال مشاهد الرواية جميعها! في روايته سبوتينك الحبيبة مثلًا يصف مشهدًا بسيطًا لصباح باكر وذهاب بطلا القصة لمقهى قريب فيقول "سرنا جنبًا إلى جنب في شارع الجامعة الكبير وتوقفنا بمقهانا المفضل، طلبت سوماير قطعة الكعك المعتادة مع القهوة، كان سماء يوم أحد صاف قبيل نهاية شهر نيسان، وكانت محلات بيع الزهور مكتظة بالزعفران والزنبق، هب نسيم ناعم بعث عبق الأشجار الصغيرة على مهل، عقدت يدي خلف رأسي وراقبتها تتناول كعكتها ببطء ولهفة "قد يكون مشهدًا لا معنى له لكنه يغرقني في تفاصيل جميلة للغاية.

من العوامل الجذابة في روايات هاروكي هي شخصية البطل حيث يكون دومًا مخفقًا في كثير من جوانب حياته لكنه يتحلى بشجاعة خلاقة وشهامة نادرة وقلب عطوف صادق، وفي معظم الحالات يكون قد سئم عمله وغالبًا يقرر أخذ إجازة طويلة يغربل فيها حياته وينظر فيم أنفق عمره حتى الآن وماذا مضي وماذا بقي وكيف سيكمل من الآن فصاعدًا، ويتخلل هذه الإجازة عادة عملية بحث متواصلة عن امرأة كانت ذات يوم في الماضي ويصيبه شجن وحنين بينما الذكريات تنساب من ذاكرته أثناء بحثه، في روايته الأشهر الغابة النروجية يفتش البطل وهو شاب جامعي ترك جامعته لأجل غير مسمى عن فتاة هو الآخر، وكانت الرواية قد بدأت بتصوير للغرف الجامعية التي تغص بالشباب الثائرين المتأثرين بشتى أنواع الروايات الأجنبية وبالحركات السياسية الدائرة في اليابان، ويترك البطل كل هذا لينطلق في رحلة طويلة عبر البلاد إلى مصحة نفسية عرف أن زميلته وصديقة طفولته ترتادها، وكانت أختها الكبيرة قد انتحرت وكذلك صديقهما المشترك، ولا أدري حقيقة ما حكاية اليابانيين مع حب الانتحار! المصحة لم تكن سجنًا بأسوار وزنازين وأربطة تقيد المرضى، بل كانت أقرب إلى جنة معزولة عن البشر، الأسوار العالية موجودة لكنها فقط هناك لحماية من بداخلها من العالم الخارجي، المصحة عبارة عن مساحات خضراء شاسعة قائمة فوق تلال وروابي، وكأنما تسمو عن أي شرور يدور أسفل منها، وتترامى فيها مزارع وحقول لتربية الحيوانات الأليفة ويشترك كل المرضى في الزراعة والرعاية، ويقابلها الشاب الجامعي ويتعرف على زميلتها في الغرفة، امرأة أربعينية مرحة لا يكاد المرء يرى فيها أيما خطب ويكتشف كم ظلمها مجتمعها، تنتهي الرحلة ويعود الشاب لحياته الجامعية محاولًا مواصلة حياته بعد العودة إلى أرض الواقع، فمهما كانت الهموم هنا فهي واقعية، ملموسة ومحسوسة جدًا والاتصال بالبشر حقيقي، فيما كانت العزلة داخل المصحة تحيطك بجدار من الوهم والزيف، في النهاية تصله رسالة لتنبئه بانتحار الصديقة برغم كل جهوده ليحول دون ذلك! لكن المرض الذي انتشر في خلايا أختها من قبلها كان قد بذر سرطانه فيها بالفعل، خلال الرحلة يكتشف البطل أمور كثيرة عن نفسه وعمن حوله، قصصًا وحكايا تُسرد طوال الوقت، يكتشف خبايا عن الحياة، وعن صراع المرء كي يعيش ويُحِبً ويُحَب، وعن كفاح كل منا كي يجد لنفسه موطئ قدم وبصمته الخاصة في خضم هذه الدنيا المزدحمة.

ثمة فكاهة كذلك مرحة في كل أعمال موراكامي فضلًا عن نكهة محببة من الغموض، حيث تحصل دومًا أمورًا عجائبية لأبطال قصصه ويظل غالبها معلقًا دون تفسير، مثل كافكا على الشاطئ، بطلها يهرب من منزله وينزل في مدينة غريبة عنه وتبدأ أمور غريبة تحصل له، فوالده يقتل وقاتل والده يهرب في حين تظهر دماء أبيه الميت على قميصه هو!، هذه الرواية بالذات فيها من التخبط دون جدوى مالم أستسغه مطلقًا!

رقص رقص رقص كانت رواية جميلة له، وفيها مسحة رعب ولغز من ماض بعيد زادتها جمالًا، كما أنها تلقي الضوء على حال كثير من فئات المجتمع الياباني، وكم أن المظاهر خداعة وكم تطوي الصدور على مآس تحت أضلعها، ويتحدث الكاتب عن كائن يسكن مكانًا أثيريًا غامضًا خارج حدود الزمان والمكان، ويحاول الاتصال بالبطل في فندق الدولفين الفاخر والذي أقيم على أطلال فندق قديم متهالك أقام البطل مرة نزيلًا في إحدى غرفه، وقابل فيه امرأة اختفت دون أثر بعدها، ويحاول البطل كالمعتاد العثور عليها بعد سنوات فيذهب للفندق ليجده قد هدم منذ زمن بعيد وأقيم محله فندق فاخر يتألف من مئات الطوابق، وتحدثه إحدى عاملات الاستقبال عن حادثة غامضة صادفتها مرتين أثناء عملها في فندق الدولفين، كيف أنها تستقل المصعد إلى طابق بعينه، وحينما يقف وتنزلق أبوابه المذهبة بنعومة مفتوحة تخطو خارجة منه دون تفكير وعقلها ملبد بالأفكار، فقط حين تنغلق الأبواب تدرك أن ثمة خطب مروع، فالظلام الذي شملها فجأة دامس، شديد العتمة، وحينما تخرج أصابعها لا تراها! وهذا مستحيل هنا حيث تعمل الكهرباء ومولدات الطاقة الاحتياطية بأعلى كفاءتها، وهناك شيء آخر، الرائحة! رائحة عطنة وكأن المكان لم تطأه قدم منذ مئات السنين، الأرض مكسوة بالتراب الذي يخربش تحت حذائها، الإدراك المفزع الآخر كان أنها ليست وحدها! هناك كائن ما موجود معها، تعود أدراجها وقدماها تكادان تتحولان إلى عجين وتتحسس الأزرار طالبة المصعد وهي تدعو أن يكون صوت الخطوات الذي تسمعه متجهًا نحوها مجرد وهم! ينفتح المصعد فتدخله وتضغط أي زر لتنغلق أبواب المصعد ويعيدها إلى رخام فندق الدولفين الفاخر مرة أخرى.

هذا المشهد كان كفيل بإرعابي أكثر من كل روايات ستيفين كينج مجتمعة! وكأن المصعد ينقل راكبه إلى عتبة عالم آخر، أو أن هناك طابق مجهول غير مرئي ولسبب ما يتوقف فيه المصعد بين فترة وأخرى، غير أن الرعب يتوقف هنا وتعود الحيرة والضبابية مجددًا وبالطبع لا يتضح لنا سوى أن هذا عالم موجود منذ الأزل ويمكن لكل من يخطو إليه أن يتيه ويُفقد للأبد ولا يعود بإمكانه إيجاد طريقه إلى عالمنا مجددًا.

ويكتشف البطل في الأخير أن فتاته ميتة منذ زمن ويقرر التركيز على حياته التي بين يديه من جديد ويلفي نفسه واقعة في غرام عاملة الاستقبال.

في روايته ما بعد الظلام يحولنا موراكامي إلى كاميرا ليلية تتنقل بحرية وترينا خفايا لا يمكن لسوانا أن يراها، في فكرة ساحرة راقت لي للغاية، ونرى ليل اليابان المدلهم عن قرب حقيقي، ترافقنا بطلة القصة التي لا تريد العودة إلى منزلها، وتقابل زميل لها وتبدأ شيئًا فشيء تحكي عن أختها الكبرى التي تفوقها جمالًا وشعبية، في حين تنطوي هي على نفسها كل يوم، وكيف تتسع الهوة بينهما وكيف كانت تحسدها على محبة الناس لها، حتى ذات يوم تعلن أختها الكبرى فيه أنها ذاهبة للنوم، عبارة عادية لا يلتفت لها أحد من أهل المنزل، لكن الأخت الكبرى تنام لأشهر دون أن تصحو! إنها ليست إغماءة وليست غيبوبة وليس مرض، بل هي فقط نائمة وتتنفس بعمق وانتظام، وتتخلل الليلة حوادث عدة تخوضها البطلة مع كل ساعة تمضي من هذه الليلة اليابانية، في النهاية تتوثق الصداقة بينها وبين زميلها وتكتشف أشياء كثيرة عن نفسها وعن أختها، تخبره أنها راحلة في بعثة فيخبرها بثقة تدهشها وابتسامة أنه سينتظرها!، تعود مع أول خيوط الفجر للمنزل وتتجه رأسًا لغرفة أختها وتدس بنفسها في سريرها محتضنة إياها في نومتها الطويلة لأول مرة وتترك دموعها تنساب على رقبتها الملساء بينما تبتهل بصمت أن تستفيق، ليدب الدفء في أوصال شقيقتها الباردة أخيرًا للمرة الاولى منذ نومتها.

إن هاروكي يصف اليابان بشوارعها وحاراتها وليلها وصباحاتها، وبما خفي عنا من أناسها، أفكارهم وتصوراتهم ونتف من حياتهم وصراعهم مع أنفسهم والمجتمع من حولهم، ربما لهذا رواياته لها ذلك الرواج المدوي في أنحاء العالم، لصدقها في نقل حكاياتهم ودقتها في وصف تفاصيل بلاده، لأن الرواية ببساطة إن كانت من القلب فهي تمس قلوبًا كثيرة لا تحصى وتلجها بعفوية دونما عناء.


عدد القراء: 911

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-