قراءة في روايـة الجريمة والعقاب للكـاتب فـيودور دوستويفسكيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-02-01 08:18:15

إبراهيم بن مدان

باحث في السيميائيات وتحليل الخطاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة محمد الخامس بالرباط

الكتاب: "الجريمة والعقاب"

المؤلف: فيدور دوستويفسكي

ترجمة: سامي الدروبي

الناشر: المركز الثقافي العربي

عدد الصفحات: 888 صفحة

نشرت رواية الجريمة والعقاب في البداية في مجلة أدبية روسية وهي مجلة "الرسول الروسي" في اثني عشر مقالاً سنة 1866، ثم بعد ذلك نشرت في رواية وهي مكونة من جزأين وتعد من قمم الأعمال الإنسانية العالمية وذلك باعتبارها ذلك اللغز المفتوح على النفس البشرية وما يدور حولها. في رسالة بعث بها دوستويفسكي إلى المجلة قبل نشر حلقات الرواية قال: إن هذه الرواية إنما هي "عرض سيكولوجي لجريمة (…) والحدث يدور في زمننا الراهن أي في هذه السنة بالذات. أما صاحب الحدث فهو شاب طالب في الجامعة من أصول بورجوازية لكنه يعيش في فقر مدقع، لذلك يقرر تحت تأثير بعض الأفكار الغريبة، التي نراها رائجة هذه الأيام، أن يخرج بضربة واحدة من وضعه المزري: "لقد قرر أن يقتل امرأة عجوزًا هي أرملة لمستشار وتعمل اليوم في الربا"

قال عنه عالم النفس فرويد: "دوستويفسكي معلم كبير في علم النفس. لا أكاد أنتهي من بحث في مجال النفس الإنسانية، حتى أجد دوستويفسكي قد تناوله قبلي في مؤلفاته"، قال عنه الفيلسوف نيتشه: "دوستويفسكي هو معلم النفس الوحيد الذي استفدت منه". وبالتالي فدوستويفسكي هنا هو مؤسس علم نفس الرواية في العالم كما يذهب لذلك جل الباحثين والدارسين المهتمين بمجال علم النفس وعلاقته بالأدب. فدوستويفسكي ركز على القواسم المشتركة بين الناس إذ نجد أن معظم أعماله الروائية تدور حول فكرة محورية وهي الصراع بين الخير والشر وهذا ما بدى واضحا في الرواية.

فالشيء المدهش في الأمر وأنت تطالع أحداثها تجد أنها لا تدور حول عالم الجريمة فحسب وإنما تغوص في نفسية المجرم، وكيف هي الحالة التي يكون عليها قبل وبعد ارتكاب جريمة معينة. قد صورت الرواية بالتفصيل الدقيق ما يدور في نفس المجرم وهو يُقدم على فعل جريمته، مصورا بذلك مشاعره في ثلاث مراحل، مرحلة ما قبل ارتكاب الجريمة، ومرحلة ارتكاب الجريمة، ومرحلة ما بعده. وذكرت صحيفة "كوريري ديلا سيرا ” الإيطالية، في تقرير لها، أن دوستويفسكي هو الوحيد القادر على الإجابة عن تساؤلات كثيرة تفسر دوافع قيام إنسان بقتل إنسان آخر.

فالرواية باختصار تتحدث عن طالب جامعي يبلغ من العمر 24 سنة اسمه راسكولنيكوف، يعيش بمدينة سانبترسبرغ وهي عاصمة الإمبراطورية الروسية في تلك اللحظة، مضمون الرواية يتمحور حول نشوء فكرة في رأس الطالب راسكولنيكوف حول الجريمة وكيف لو كان من حق الإنسان ارتكاب الجرائم. فهو ذو شخصية مزدوجة تدور في رأسه صراعات حول ارتكاب جريمة قتل لتنتهي هذه الصراعات التي تدور في رأس الطالب راسكولنيكوف إلى قرار ارتكاب الجريمة. فهذه المرأة التي يقرر قتلها هي امرأة ثرية تمتلك أموال باهضة وتتعامل بالربا.

قبل أن يقوم بجريمة القتل كان يعتقد أنه بمال هذه المرأة يستطيع أن يحرر نفسه من الفقر لأنه كان فقيرًا معدمًا، بالإضافة إلى أن هذه الأموال ستمكنه من القيام بالعديد من الأعمال الخيرية التي تعود بالنفع على الآخرين. في الرواية نجد كذلك أنه يتناول قضايا الخير والشر في نفسية المجرم من خلال الصراع النفسي الذي كان يمر به راسكولنيكوف قبل ارتكاب الجريمة. فالطالب راسكولنيكوف ومن خلال حالة الفقر التي كان يعيشها دفعت به للعمل من أجل إعانة نفسه، فقد كان يقطن في غرفة صغيرة جدًا فقد كان الطالب يعيش البؤس في أبهى تجلياته يقول السارد: "أيها السيد الكريم، ليس الفقر رذيلة ولا الإدمان على السكر فضيلة، أنا أعرف ذلك أيضًا. ولكن البؤس رذيلة، يستطيع المرء في الفقر أن يظل محافظًا على نبل عواطفه الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك يومًا، وما من أحد يستطيع قط. إذا كنت في البؤس فإنك لا تُطرد من مجتمع البشر ضربًا بالعصا، بل تطرد منه ضربًا بالمكنسة بغية إذلالك مزيدًا من الإذلال. والناس على حق في ذلك لأنك في البؤس أول من يريد هذا الذل لنفسه هنا أستحضر مقولة هناك من ينسبها للشاعر العباسي عباس بن الأحنف وهناك من ينسبها للإمام الشافعي تقول: يمشي الفقير وكل شيء ضده والناس تغلق دونه أبوابها- وتراه مبغوضًا وليس بمذنب ويرى العداوة لا يرى أسبابها- حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة خضعت لديه وحركت أذنابها- . وإذا رأت يومًا فقيرًا عابرًا نبحت عليه وكشرت أنيابها.

ومن هنا تأتي للطالب راسكولنيكوف فكرة قتل هذه المرأة المرابية عديمة الضمير التي كانت تقرض الطلاب النقود، وبالتالي هنا فالرواية ومن خلال شخصياتها نجد أنها تتطرق لمختلف الطبقات الاجتماعية، والتركيز على  طبقتين اجتماعيتين مختلفتين وهي الطبقة الفقيرة المعدمة التي يمثلها راسكولنيكوف، الإنسان المُحبط المليء بالفشل الدراسي والمالي والطبقة البرجوازية والتي تمثلها المرأة فبعد انتهائه من التحضير لجريمته يذهب إلى شقة هذه المرأة التي تدعى (أليونا إيفانوفنا) فيقوم بضربها بالفأس على رأسها فتسقط على الأرض مدرجة بدمائها ومن غريب الصدف هنا أن أخت هذه المرأة ستأتي إلى منزل أختها في تلك اللحظة من أجل زيارتها، الشيء الذي يجعلها ترى الجريمة بكل وضوح، فيخاف هنا راسكولنيكوف من أن يفضح أمره فيقوم بقتلها هي الأخرى فهو في البداية لم يكن يخطط لقتل المرأتين الاثنتين بل امرأة واحدة ولكن سياقات الحادثة تغيرت فاضطر لقتل أختها أيضًا مخافة أن ينفضح أمره. فنتيجة للخوف والقلق الذي انتاب راسكولنيكوف عندما ارتكب جريمة القتل لم يقم بسرقة كل الثروة التي بحوزة المرأة بل اكتفى فقط بجزء بسيط منها وترك ثروتها الهائلة ولاذ لافرار.

يقول السارد: إن الرجال ينقسمون، بحكم قوانين الطبيعة، إلى فئتين، بوجه عام: فئة العاديين الذين لا وجود لهم إلا من حيث إنهم مواد إن صح التعبير، وليس لهم من وظيفة إلا أن يتناسلوا، وفئة عليا هي فئة الخارقين الذين أوتوا موهبة أن يقولوا في بيئتهم قولاً جديدًا. ولا شك أن هناك تقسيمات فرعية لا حصر لعددها، ولكن السمات المميزة التي تفصل هاتين الفئتين قاطعة. فأما الفئة الأولى، وهي فئة المواد، فإن أفرادها، على وجه العموم، أناس، "خُلقوا محافظين"، أناس معتدلون يعيشون في الطاعة ويحلو لهم أن يعيشوا في الطاعة. وعندي أن عليهم أن يطيعوا، لأن الطاعة هي ما كُتب لهم، وليس في طاعتهم ما يسيء إليهم أو يذل كرامتهم. وأما الفئة الثانية فهي تتألف من رجال يتميزون بأنهم جميعًا يكسرون القانون، بأنهم جميعا مُدمِرون، أو بأنهم جميعا ميالون إلى أن يصبحوا كذلك بحكم ملكاتهم. وجرائم هؤلاء الرجال تتفاوت خطورتها وتتنوع أشكالها طبعًا. وأكثرهم يريدون تدمير الحاضر في سبيل شيء أفضل. فإذا وجب على أحدهم، من أجل تحقيق فكرته، أن يخطو فوق جثة، أو فوق بركة دم، فإنه يستطيع (في رأيي) أن يعزم أمره على أن يخطو فوق الجثة أو بركة الدم مرتاح الضمير، وكل شيء رهن بمضمون فكرته، وبما لها من أهمية طبعًا.

كانت تدور في ذهنه فكرة الاعتراف بالجريمة لأنه عانى من صراع نفسي حاد وخصوصًا وأن أخبار هذه الجريمة انتشرت بين الناس انتشار النار في الهشيم، مرة أخرى أصبح يمشي في شوارع المدينة بدون أي سبب يُذكر ما جعل المحقق (بوريفري) يضع حوله الكثير من علامات الاستفهام محاولاً بذلك ربط حالته النفسية بالجريمة إلا أنه لا يملك دليلاً ملموسًا على ذلك وخصوصًا بعد أن يعترف أحد الأشخاص أنه هو صاحب الجريمة.

يدخل راسكولنيكوف في علاقة حب يمكن أن نقول عنها إنها طاهرة مع سونيا هذه المرأة التي ألحت عليه بشكل كبير أن يعترف بجريمته، وبعد صراع مرير وخصوصًا بعد علمه أن الحكم سيخفف عنه إن هو اعترف، فيتجه مباشرة إلى مركز الشرطة معترفًا بفعلته فيحكم عليه بالسجن ثمان سنوات مع الأشغال الشاقة في سيبريا، فتتبعه حبيبته سونيا إلى ذلك المكان وتموت والدته متأثرة لعدم تحملها ارتكاب ابنها لجريمة قتل وتتزوج أخته من صديقه في الأخير يشعر راسكولنيكوف بخلاصه من العذاب بعد أن قضى وقتًا في السجن.

إن شخصية راسكولنيكوف هنا هي محاولة لفهم التعقيدات البشرية والدوافع اللاواعية التي تدفع الإنسان أحيانًا للقيام بأعمال تخالف المنطق والعقل السليم. فقد كان كان شابًا طيب القلب ومحبًّا للخير حتى أنه مرة صادف فتاة مغمى عليها في الشارع من كثرة شرب الخمر فمد يده ونبش جيبه وأخرج كل ما بقي له من مال ودفع ثمن سيارة الأجرة لنقل تلك الفتاة لمنزلها والتي لم يكن حتى يعرفها. بالتالي فالفقر هنا والحاجة الشديدة جعلت راسكولنيكوف يعاني من اضطرابات نفسية واكتئابٍ حاد أدى به في الأخير لارتكاب جريمة القتل، يقول عالم النفس سيغموند فرويد: " إن دوستويفسكي هو أول إنسان أعطانا فكرة عن أنفسنا" ففرويد اعتمد على هذه الرواية في تحليلاته السيكولوجية لنفسية المجرم وأبعادها النفسية والاجتماعية.

لكن دوستويفسكي يطرح في هذه الرواية استحالة معرفة الإنسان معرفة دقيقة مبينًا أن النفس الإنسانية تحمل المتناقضات بين جوانبها فهي في الآن نفسه تحمل أسمى المثل وأحذ الدناءات، وكيف أن الإنسان يحمل في نفسه الرغبة في القيام بالجريمة وكذلك الرغبة في القيام بالعدالة. يقول عالم النفس ألفرد أدلر في كتاب "الطبيعة البشرية": "إن دراسة الطبيعة البشرية يمكن التفكير فيها على أنها فن من الفنون الراقية، والذي يمكن فيه استخدام العديد من الأدوات المختلفة، وهو فن قريب من الفنون الأخرى ومرتبط بها كلها وهذا له مغزاه الخاص في الأدب والشعر على وجه التحديد، لأن هدف هذه الفنون هو توسيع مداركنا وزيادة معلوماتنا عن أفراد المجتمع البشري، وهذا سوف يمكننا من تحسين أنفسنا" أختم هنا بمقولة للأديب أنطون تشيخوف: "سيصبح الإنسان أفضل عندما تجعله يرى حقيقته وما هو عليه"، وأعمال دوستويفسكي الأدبية فعلاً تجعلك تغوص في النفس البشرية بمختلف أبعادها وكينوناتها، وفعلاً كان فرويد محقًّا عندما كان يجلس في مكتبته التي تضم أعمال دوستويفسكي والأدباء الآخرين ليقول هؤلاء هم أساتذتنا فالأدباء هم أساتذة العالم بدون منازع.


عدد القراء: 619

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-