الأخلاق كُلّ لا يتجزّأالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2022-09-30 06:44:21

د. عمر عثمان جبق

سلطنة عمان

الأخلاق كُلّ لا يتجزّأ ولا ينفصل، وهي لا تتبدّل بتبدّل المكان والزمان؛ فالصادق والأمين والشريف والنزيه والمستقيم يتمثّل هذه الأخلاق في منزله وخارج منزله، وفي مكان عمله، واليوم وغدًا وطيلة حياته؛ لأنها جزء لا يتجزّأ من شخصيته وهويّته. والأخلاق موجودة في كل الثقافات والمجتمعات والبيئات البشرية منذ القِدَم، وهي خصال حميدة يُقاس بها سلوك الإنسان والتقدّم البشري، وتخضع لها المجتمعات البشرية لضبط العلاقات داخلها ولضمان وجودها واستمرارها. كانت الأخلاق وما تزال عند العرب والمسلمين خاصّة ميزانًا يقيس سلوك المرء ومدعاة للفخر والثناء والرفعة. فهذا عنترة بن شدّاد، وهو شاعر جاهليّ، يغُضّ طرفه عند لمحه جارته فيقول:

وأغُضُّ طرفي إنْ بدتْ لي جارتي

                                حتى يواري جارتي مأواها

وجاء الإسلام فأكّد على أهمية الأخلاق؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إنما بُعِثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق). ولقد (القلم، 4)، وجعله قدوةً لنا، نحن المسلمين، وللعالم أجمعين فقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب، 21).

ولا تختلف أخلاقيات العمل، كما يسمّيها المختّصون وأرباب العمل، عن الأخلاق التي نعرفها، ولكنّها أكثر تحديدًا وارتباطًا ببيئة العمل الخاصّة، وتهدف إلى تنظيم العلاقات في بيئة العمل بين الموظّفين وزملائهم وبين الموظفين ورؤسائهم وبين الموظّفين والعملاء/المراجعين وبين الرؤساء والعملاء أيضًا. من هذه الأخلاقيات على سبيل الذكر لا الحصر الالتزام بأوقات العمل الرسمية المعتمدة، وإنجاز العمل كما ينبغي دون تأخير أو مماطلة، واحترام الزملاء والرؤساء والعملاء، والصدق وتجنّب الغيبة والنميمة والسلوك العدائي والتحرّش اللفظي والفعلي والتنمّر الوظيفي ولاسيّما من قبل الرؤساء تُجاه مرؤوسيهم. وينبغي لأرباب العمل أولاً أن يتمثلّوا هُم أنفسهم الأخلاق التي يحضّون موظفيهم من رؤساء ومرؤوسين على الالتزام بها، ليس من أجل نجاح عملهم من الناحية المادية وحسب بل من أجل خلق بيئات عمل جذّابة ومُشجّعة تضمن استمرار عملهم كمًّا ونوعًا. وليست أخلاقيات العمل شعارات رنّانة نرفعها ونتغنّى بها ونتفنن في صياغتها وتعليقها على الجدران والمواقع الإلكترونية، بل هي واقع ينبغي ممارسته بشكل يومي، والالتزام به من كل الأطراف المعنية، بغضِّ النظر عن جنس الموظّف وجنسيته ولونه وعرقه وعمره ورتبته الوظيفية.

وأعتقد أنّ كُبرى الشركات العالمية الرائدة، الحكومية وغير الحكومية، لم تصل إلى ما وصلت إليه من نجاح وازدهار إلا لأنها تتمسّك بأخلاقيات العمل وتتمثّلها وتطبقّها واقعًا ملموسًا تعيشه يوميًا. كما وأعتقد أيضًا أنّ تلك الشركات تقوم بتنظيم ورشات عمل وجلسات تعريفية لموظفيها الجُدد للتعريف بأخلاقيات العمل المعمول بها لديها، وتحثّهم على اتباعها أيضًا، وتُحذّر من مغبة تجاوزها أو مخالفتها. وهذا أمر مهم جدًا لأنّه يقوم بالتوعية الضرورية بأخلاقيات العمل ونشرها في بيئة العمل. لقد أصبحت معظم بيئات العمل في عصرنا هذا متعدّدة الجنسيات، وتضمّ أعدادًا مختلفة من الموظفين والموظفات أيضًا، وهذا بدوره يجعل من تعريف الموظفين والموظفات الجُدُد بأخلاقيات العمل المتّبعة أمرًا مهمًا جدًا؛ لا بل وضروريًا، تفاديًا لأي مشكلة قد تظهر بسبب الجهل بتلك الأخلاقيات. من خلال التجربة الشخصية في بيئات عمل جامعية في بلدان عربية مختلفة أقول وبكل أسف لم يكن هناك ورشات عمل أو جلسات خاصّة للتعريف بأخلاقيات العمل المتبّعة فيها، ولا أدري إن كانت الجامعات في باقي البلدان العربية تحذو حذو تلك الجامعات التي عملت فيها! وهذا لا يعني خلو تلك الجامعات من ميثاق العمل الخاص بها أو أخلاقيات العمل المعمول بها، فهي موجودة، ولكن لا يتم توعيّة الموظفين بها سيّما الجُدُد منهم، ولا يتم نشرُها أو إيصالها إلى الموظفين كي يطلعوا عليها ويتقيّدوا بها.

إن إطلاع الموظفين والمنتسبين إلى أي جهة عمل على ميثاق العمل أو أخلاقيات العمل المعمول بها أمر غاية في الأهمية لأنه يقوم بتوعية الموظفين بالأخلاق والسلوكيات المسموح بها والسلوكيات غير المسوح بها حتى لا يتفاجأ أحدهم لاحقًا بسلوك أو تصرّف ما يعتقد أنه إيجابي وغير ضارّ، لكنّه حسب ميثاق العمل وأخلاقيات العمل المعمول بها سلبيّ ومؤذٍ وقد تترتّب عليه إجراءات عقابية أو قانونية! والأهم من ذلك هو تطبيق ميثاق العمل وأخلاقيات العمل على جميع العاملين، دون أي استثناءات، حتى لا يكون هناك ازدواجية في المعايير تُحوّل بيئة العمل إلى بيئة مسمومة محمومة غير آمنة يتصارع فيها الموظفون، ويترصّد بعضهم زلّات بعضهم الآخر، وتتدنّى معاييرهم الأخلاقية، ويسود فيها جوٌ سلبيّ مشحون يعطّل العمل ويؤثر سلبًا على سمعة هذه الشركة أو تلك المؤسسة، وبالتالي تتجه إلى الإغلاق بسبب الإفلاس الأخلاقيّ قبل الإفلاس الماديّ! على أرباب العمل مسؤولية القيادة من خلال القدوة الحسنة في اتباع أخلاقيات العمل المعمول بها، وتشجيع موظفيهم على الحذو حذوهم في اتباع تلك الأخلاق، وعدم السماح للانتهازيين والمنافقين بالتوغّل في بيئات العمل، أو تبوّأ مناصب قيادية لأنهم سيقلبون أخلاقيات العمل رأسًا على عقب، وسينشرون ثقافة الانتهازية والنفاق في بيئات العمل، ولنا أن نتخيّل ماذا سيحدث فيها وإلى أين ستتجه الأمور! قد يبدو هذا السيناريو الأخير مألوفًا في بلدان دون غيرها، ولكنّ مؤشرات أدائها وسمعتها تكشفها، فالحقيقة لا يمكن إخفاؤها، سيما في عصرنا الرقمي حيث الأخبار تتناقل بسرعة فائقة تتجاوز الحدود الجغرافية والرقابة التقليدية.

إنّ نجاح أي شركة أو مؤسسة، حكومية كانت أم خاصّة، مرهون بأخلاقيات عملها المتّبعة قولاً وفعلاً، من أعلى قيادة فيها إلى أصغر موظف، لأنها قائمة على مجتمعات بشرية في الأصل، ولابد أن يحكُم هذه المجتمعات أخلاقيات سامية توفّر بيئات عمل صحيّة تستقطب موظفين وعملاء وتبني سُمعة حميدة تساهم في استمرار هذه الشركة وتلك المؤسسة، وصَدَقَ شوقي عندما قال:

"إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ

                       فإنْ هُمُ ذهبتْ أخلاقهم ذهبوا".


عدد القراء: 803

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-