جوزيف كونراد الروائي الإنسانالباب: وجوه

نشر بتاريخ: 2022-10-01 08:30:30

فكر - المحرر الثقافي

جوزيف كونراد Joseph Conrad، روائي وكاتب قصة قصيرة، وهو أحد أعظم الروائيين الناطقين باللغة الإنجليزية. بولندي المولد إنجليزي الجنسية، يُعَدُّ واحداً من أكبر الكتّاب المحدثين. استكشف في أعماله أغوار الضعف والاضطراب الأخلاقي الكامنين في النفس البشرية، وصوَّر الخطر الكامن في مظاهر الطبيعة من بحار وعواصف وأدغال، وكفاح الإنسان في مواجهتها، فضلاً عن اهتمامه بقضايا التفرقة العنصرية والاستعمار.

ولد كونراد في بيرديشيف Berdichiv (التي كانت آنذاك تابعة لبولونيا (بولندا)، لكنها باتت اليوم من مدن أُكرانيا)، واسمه الأصلي جوزيف تيودور كونراد نالتش كورجنيوفسكي Józef Teodor Konrad Nalecz Korzeniowski. كانت أمه إيوا من عائلة ثرية نبيلة، وكان أبوه شاعراً ومترجماً، وقد قرأ كونراد الفتى مع أبيه ترجمات بولندية وفرنسية للروايات الإنجليزية.

كان والد كونراد أبولو ناليتش كورزينيوسكي، شاعر ووطني بولندي متحمس، أحد منظمي اللجنة التي استمرت في عام 1863 لتوجيه التمرد البولندي ضد الحكم الروسي. اعتقل في أواخر عام 1861 ونُفي مع عائلته إلى فولوغدا في شمال روسيا، وفي أثناء هذه الرحلة أصيب كونراد بذات الرئة، وسارع المناخ القاسي بوفاة والدته بسبب مرض السل عام 1865. ثم لحق بها والده في عام 1869.

عاش كونراد في كنف خاله تاديوس بوبروفسكي الذي عُنيَ بتعليمه، ومساعدته ماليًا. أرسل كونراد إلى المدرسة في كراكوف ثم إلى سويسرا، لكن الصبي كان يشعر بالملل من المدرسة وكان يتوق للذهاب إلى البحر.. كان تلميذًا شكسًا ومتمردًا، وتمكّن من إقناع خاله بالسماح له بالعمل في البحر، وفي عام 1874 غادر كونراد إلى مرسيليا بنية الذهاب إلى البحر، حيث أمضى بضع سنوات أتقن خلالها اللغة الفرنسية وعَمَل البحّارة، والتحق بالبحرية التجارية الفرنسية بحارًا متدربًا، فقام بثلاث رحلات إلى جزر الهند الغربية، كما كوّن في أثناء إقامته في فرنسا علاقات شتّى، وتعرف من خلال أصدقائه «البوهيميين» على الدراما والأوبرا والمسرح، وتمتنت صلاته بالعمّال الذين التقاهم على متن السفن، فكونت تجاربه معهم خلفية ذلك الوصف الحيّ الذي اشتهرت به رواياته.

الحياة في البحر

منحه خاله بوبروفسكي بدلًا قدره 2000 فرنك سنويًا وجعله على اتصال بتاجر يُدعى ديلستانج Delestang، أبحر كونراد في سفنه في خدمة التجار الفرنسية. كانت رحلته الأولى مسافرًا من مونت بلانك إلى مارتينيك. في رحلته التالية أبحر كمتدرب. في يوليو 1876 أبحر مرة أخرى إلى جزر الهند الغربية، وفي هذه الرحلة، يبدو أن كونراد قد شارك في بعض الأعمال غير القانونية، ربما تهريب السلاح، وأنه أبحر على طول ساحل فنزويلا، التي كانت ذكرياتها تجد مكانًا في رواية (نوسترومو). كان أول رفيق له للسفينة كورسيكي يُدعى دومينيك سيرفوني، نموذجاً لبطل تلك الرواية وكان يلعب دوراً رائعاً في حياة كونراد وعمله.

أصبح كونراد متورطًا بشدة في الديون عند عودته إلى مرسيليا ويبدو أنه حاول الانتحار دون جدوى. بصفته بحارًا في البحرية التجارية الفرنسية، كان عرضة للتجنيد الإجباري عندما بلغ سن الرشد، لذلك بعد تعافيه وقع في أبريل 1878 بصفته عاملاً على متن سفينة شحن بريطانية متجهة إلى القسطنطينية مع شحنة من الفحم. بعد رحلة العودة، رست سفينته به في لوستفيت Lowestoft بإنجلترا في يونيو 1878. كان ذلك أول هبوط إنجليزي لكونراد، ولم يتكلم سوى بضع كلمات من اللغة التي كان سيصبح سيداً معروفًا بها ثم بقي كونراد في إنجلترا

عمل كونراد في صفوف البحرية التجارية البريطانية على مدى ستة عشر عامًا، وترقى هناك من بحار عادي إلى رئيس للبحارة. مُنح الجنسية البريطانية عام 1886، وأطلق على نفسه اسم جوزيف كونراد. وفَّرت له تجربته قبطاناً لمركب بخاري نهري في الكونغو مادة روايته «قلب الظلام» Heart of Darkness 1902، كما أبحر إلى أنحاء كثيرة من العالم، بما في ذلك أستراليا، وموانئ المحيط الهندي، وبورنيو، والملايو، وجزر المحيط الهادئ، وأمريكا الجنوبية، إلى أن انتهت حياته البحرية في عام 1894. بدأ كونراد الكتابة في أثناء رحلاته، فقرّر وهب نفسه للأدب بعد أن استقر في إنجلترا وهو في السادسة والثلاثين. وترك وراءه ثلاث عشرة رواية وثمان وعشرين قصة ومجلدات من الرسائل والمذكرات، على الرغم من أن الكتابة، بالنسبة إليه، كانت مثقلةً بالألم والمصاعب - فهو لم يكتب سوى بالإنجليزية، لغته الثالثة التي تعلمها على كبر بعد البولندية والفرنسية - فضلاً عمّا لازمه طويلاً من الفاقة والمرض والشعور الحاد بالعزلة.

مهنة الكتابة: الأعمال البارزة

من أعمال كونراد الأولى روايته «حماقة ألماير» Almayer’s Folly، التي أمضى خمس سنوات في العمل عليها قبل أن تُنشَر عام 1895، وهي تصوّر ألمانيًا مشرَّدًا يتخبّط في أنهار بورنيو وغاباتها، ويبدأ فيها كونراد استخدام أسلوب التكرار في مؤلفاته، حيث يكون الراوي غالبًا رئيس بحارة متقاعد، رأى بعض النقـاد أنه يمثّل الأنـا البديل alter ego لكونراد ويسبغ على أعماله صفة السيرة الذاتية. أما «زنجي السفينة نرجس» The Nigger of the Narcissus  1897، فهي قصة معقدة عن عاصفة تهب عند رأس الرجاء الصالح وعن بحّار أسود يلفّه الإبهام والغموض. وتُعد رواية «اللورد جيم» Lord Jim 1900 من أبرز أعماله وأشهرها، وفيها يستكشف مفهوم الشرف الشخصي من خلال أفعال وعواطف رجل يقضي حياته في محاولة للتكفير عن فعل جبان كان قد اقترفه وهو ضابط شاب عند تحطّم إحدى السفن.

في عام 1889، كانت دولة الكونغو الحرة تبلغ من العمر أربع سنوات ككيان سياسي وكانت معروفة بالفعل باعتبارها مجالاً للاستغلال الإمبريالي. اتخذ حلم طفولته شكلاً إيجابياً في طموحه لقيادة باخرة في نهر الكونغو. ما رآه وفعله وشعر به في الكونغو تم تسجيله إلى حد كبير في روايته «قلب الظلام»، أشهر قصصه وأجملها وأكثرها إبهامًا، وعنوانها لا يشير فقط إلى قلب إفريقيا والقارة المظلمة، بل يشير أيضاً إلى قلب الشر - كل ما هو فاسد وعدمي وخبيث - وربما قلب الإنسان. القصة أساسية في عمل كونراد ورؤيته، ومن الصعب عدم التفكير في تجربته في الكونغو على أنها مؤلمة. لقد عانى من صدمة نفسية وروحية وحتى ميتافيزيقية في الكونغو، كما تضررت صحته الجسدية؛ طوال حياته، كان يعاني من الحمى المتكررة والنقرس.

وتعد روايته «قلب الظلام» التي أثارت خيال مخرجين سينمائيين ونقّاد بارزين، مثل فرانسيس فورد كوبولا الذي بنى على أساسها فيلمه الشهير عن الحرب الفيتنامية «القيامة الآن» Apocalypse Now 1979، فتستكشف خفايا النفس البشرية؛ فبطل الرواية مارلو Marlow يبدأ رحلة طويلة في نهر إفريقي كبير للوصول إلى قلب القارة حيث يقيم ويعمل كُرتز Kurtz ويسيطر على السكان المحليين بوسائل بربرية. وتسبر رواية «نوسترومو» Nostromo 1904 أغوار الهشاشة والفساد لدى الإنسان، فضلاً عن اشتمالها على واحد من أشد الرموز إيحاءً لدى كونراد، ألا وهو منجم الفضة، حيث تقود شهوة المغامرة والمجد الإيطالي نوسترومو إلى الهلاك، ويضيع بموته سر الفضة إلى الأبد.

أقام كونراد في الكونغو لمدة أربعة أشهر، وعاد إلى إنجلترا في يناير 1891. قام بعدة رحلات أخرى، ولكن بحلول عام 1894، عندما توفي خاله تاديوس بوبروفسكي، وانتهت حياته البحرية. في ربيع عام 1894 أرسل كونراد رواية «حماقة ألماير» إلى الناشر اللندني فيشر أونوين، ونُشر الكتاب في أبريل 1895. وبصفته مؤلف هذه الرواية، اتخذ كونراد الاسم الذي يُعرف به: لقد تعلم من تجربة طويلة أن اسم كورزينيوسكي Korzeniowski كان صعبًا على الشفاه البريطانية.

من مؤلفات كونراد الأخرى: «الورثة» The Inheritors 1901، و«الشباب» Youth 1902، و«مرآة البحر» The Mirror of the Sea 1906، و«العميل السري» The Secret Agent 1907 وهي الرواية التي كان ألفرد هتشكوك قد بنى عليها فيلمه «عمل تخريبي» Sabotage 1936، و«تحت أنظار غربية» Under Western Eyes 1911، و«الإنقاذ» The Rescue 1920.

كتب ما يعتبر الآن أفضل رواياته - «اللورد جيم» 1900، «نوسترومو» 1904، وآخرها ثلاث روايات من المؤامرات السياسية والرومانسية - أن وضعه المالي أصبح آمناً نسبياً. حصل على معاش تقاعدي قدره 100 جنيه استرليني، وبدأ جامع الأعمال الأمريكي جون كوين في شراء مخطوطاته - مقابل أسعار تبدو منخفضة بشكل مثير للسخرية. حصلت روايته على فرصة نجاح في نيويورك هيرالد في عام 1912، وروايته النصر، التي نُشرت عام 1915، لم تكن أقل نجاحاً. على الرغم من إعاقته بسبب الروماتيزم، استمر كونراد في الكتابة من سنوات حياته المتبقية.

الحياة الشخصية

عانى جوزيف كونراد من مجموعة من الأمراض الجسدية، معظمها بسبب التعرض لها خلال السنوات التي قضاها في البحر. عانى من النقرس ونوبات الملاريا المتكررة. كما عانى أحيانًا من الاكتئاب.

في عام 1895 تزوج كونراد من جيسي جورج البالغة من العمر 22 عامًا وأنجب منها ولدان. بعد ذلك أقام بشكل رئيسي في الركن الجنوبي الشرقي من إنجلترا.

تشكل مؤلفات كونراد جسرًا يصل بين التقليد الأدبي لدى كتّاب مثل ديكنز ودستويفسكي وبين مدارس الكتابة الحداثية الناشئة. وإذا ما نُظر إلى مؤلفاته من منظور خلفيته البولندية واختياره اللاحق للإنجليزية وسيلةً للتعبير، فإنها تشكّل مأثرة أدبية مدهشة من حيث قيمتها الأدبية والنفسية الرفيعة. ومع كون البحر والسفن موضوع كونراد الأثير، لكنهما والظواهر الطبيعية كافة لا تشكّل جوهر أعماله الذي يتجلى في استكناه القوى الغامضة التي تقف خلف الشجاعة والخوف، خلف الخير والشر، وخلف الكائنات التي تعيش ضروباً من العزلة بفعل قوىً خارجية لا تكاد تزيّن لها الوصول إلى شيء من الراحة حتى تلقي بها في مهاوي اضطراب عميق.

موضوع كونراد مألوف لدى عدد لا يحصى من الكتاب السابقين، لا سيما فلوبير، الذي قاسى في «مدام بوفاري» و«التعليم العاطفي» الهوة بين الحقيقة والخيال.

كان المؤلف والناشر الإنجليزي إيدوارد جارنيت من أكبر الداعمين لمستقبل كونراد الأدبي، وقد أعجبه نص كونراد الأول (حماقة ألماير) ولكنه كان محتاراً ما إذا كانت لغته الإنجليزية جيدة كفاية للنشر أو لا. استشار جارنر زوجته كونستانس جارنيت وقد قالت إن أجنبية كونراد كانت شيئاً إيجابياً في سرد الرواية.

رفض كونراد لقب النبالة الذي عُرِضَ عليه في عام 1924، كما رفض من قبل درجات الشرف التي قُدِّمَت له من خمس جامعات.

في 3 أغسطس 1924 توفي في منزله في بلدة بشوبزبورن Bishopsbourne في مقاطعة كنت Kent الإنجليزية إثر نوبة قلبية ودفن مع زوجته جيسي في كانتربري بإنجلترا، بعد أن ترك أثره البالغ في القصّ الحديث، إذ يُعدّ واحدًا من أوائل الحداثيين الذين كتبوا باللغة الإنجليزية. وكانت أعماله قد حظيت باعتراف أبرز معاصريه.

تأثير جوزيف كونراد

كان تأثير كونراد على الروائيين اللاحقين عميقًا بسبب إبداعاته التقنية البارعة وبسبب الرؤية الإنسانية التي تم التعبير عنها من خلالها. إنه الروائي الإنسان في المواقف القصوى. يعتمد، بشكل ملحوظ، من بين أمور أخرى، على فكرة الإخلاص. بالنسبة لكونراد، الإخلاص هو الحاجز الذي يقيمه الإنسان ضد العدم، ضد الفساد، ضد الشر الذي يدور حوله، ولكن ماذا يحدث عندما تنتهي الأمانة، ويتكسر الحاجز، ويعترف الشر الذي بداخله بالشر؟ هذا هو موضوع كونراد في أعظم حالاته.

ميراث

بعد وفاة جوزيف كونراد بفترة وجيزة، ركز العديد من النقاد على قدرته على إنشاء قصص تضيء أماكن غريبة وإضفاء الطابع الإنساني على الأحداث الدنيئة. ركز التحليل اللاحق على عناصر أعمق في خياله. غالباً ما يفحص الفساد الذي يكمن تحت سطح الشخصيات الرائعة. يركز كونراد على الإخلاص كموضوع أساسي. يمكنه إنقاذ الروح وإحداث دمار رهيب عند خرقه.

أثر أسلوب كونراد في السرد القوي واستخدام مناهض للأبطال كشخصيات رئيسية على مجموعة واسعة من الكتاب العظماء في القرن العشرين، من ويليام فولكنر إلى جورج أورويل وغابرييل جارسيا ماركيز، ومهد الطريق لتطوير الخيال الحداثي.


عدد القراء: 314

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-