عام من العزلة و الرحيل المدويالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-05-10 05:40:36

حمزة شباب

ناقد فلسطيني

الموت والأدب شريكان لا ينفصلان، يقدمه الأديب كوجبة دسمة يطرح فيه عصارة فكره و نتاجه الأدبي لمرحلة تأمل قوية، لطالما حدثته روحه بالبحث عنها، ويخوض في تفسير جدلية الوجود والموت، بناء على نظرته للأعمال التي قدمها لتلقى مصيرها المجهول بعد أن يجف الذهن، وتنضب منابع الإبداع، ويضع نفسه نصب فنائه ليجعل أعماله المتمركزة حول ذاته وسيلة يدافع فيها عن البقاء، حتى وإن وافاه غده المنتظر باللاحياة المادية في مقابل الحياة الروحية، التي قد يلقاها عند محبيه، لأن الإنسان لا يموت ما حيي ذكره كما قال الشاعر، ثم إن الأدباء كانوا ولا زالوا يبحثون عن تفسير لهذه النهاية الحتمية كغيرهم من علماء الإنثروبولوجيا وما يرافق ذلك من مشاعر القلق والحرمان على آثارهم التي سيتركونها بعد حين، إلا أنهم قد برعوا في تصويره والسخرية منه، بل وجعله طريقًا لاكتشاف الذات، فالموت فكرة تختمر في عقلية المبدع، ولها إرهاصات داخلية تمنعه من بوحها في بداية مشواره نحو الإبداع، لأن الحديث عنه في تلك المدة يعد عائقًا في سبيل تحقيق المجد والتغني بالانتصارات، وبما أن الموت موضوع واضح المعالم ومشترك الخصائص في هذا العالم، فمن الطبيعي أن يكون مائدة المبدع التي يتحدث عن عالمه كيف يشاء، ومن الطبيعي أيضًا أن يكون فكرًا مبنيًّا على جدار من العالمية دون أن يحتوي على أيدولوجيات أو نظريات مرتبطة بجوانب سياسية أو اجتماعية أو تاريخية.

ظهر أبو العلاء المعري في قصيدته " غير مجد في ملتي واعتقادي . . . " متناولاً الموضوع بقدر من السوداوية البحتة لنهاية المطاف الدائر حول موت الإنسان، حيث لا ينفع نوح ولا ترنم، لأن صوت الحمامة المبني على النواح خلق ليزيد في التفكير فيه، ولا يشكل أي معنى لموت أو حياة، أما الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث التي مثلت واقعًا أدبيًّا في شهادتها على الموت بعد أن واجهها الاكتئاب، وكانت ترويه كأنه أنشودة للحياة الأخرى، فالوصول إلى كمال المرأة - وليس جمالها الذي سينتهي في حياتها - هو غاية الوصول، فتقول في قصيدتها "الحافة": (أدركت المرأة كمالها أخيرًا / جسدها الميت/ يحمل ابتسامة التحقق/ وهم قدر إغريقي/ ينساب بين طيات ثوبها / قدماها العاريتان كأنهما تقولان /كثيرًا مشينا، كفى)، وقد كتب محمود درويش جداريته على أنقاض التفكير بالموت في حالته المرضية، التي فرضت على أوتار ديوانه إيقاعًا خاصًّا بمواجهته مواجهة شرسة لإثبات الأنا، أما على صعيد الرواية فما أن يشرع الروائي في رسم الخطوط الأولية لروايته حتى يعود في تأمل نهايتها المناسبة لحياتها التي أوجدها بفكره، غير أن الروائي الحاذق هو من يطرح الموت بسردية عالية مع تنامٍ تام للأحداث وفق ما يقتضيه المآل، وليس من يخلق الموت للتخفيف من عبء السرد فيحاول إنقاص شخوصه وإزاحتها بعد أن تعددت السطور والأوراق التي خدمت روايته، فينكر جميل شخصية ما صنعت الأحداث بفرضه عليها، فلا ينبغي له أن يجد في الموت ملاذًا للخلاص، بل أن يتخذه عنصرًا فعالاً في تبجيل الرواية لكسب عقلية القارئ، ونرى في أعمال فرانز كافكا مثالاً على الاهتمام الوجودي به، وما يعتري النفس من حالات الإنطوائية والتقوقع حول الذات في مواجهته - رغم حكمه عليها بالموت حرقًا - كروايته القصيرة التحول (المسخ)، ونرى في المسلسل الإيطالي "اعترافات زينو" عام 1966 م المأخوذ عن رواية للكاتب إيتالو سفيفو ما يحاول إبقاءه على طبيعته، لتدور الأفكار حوله بخطوط بيانية طبيعية تبدأ من لحظة الولادة، فيعلو السهم ويرتفع، ثم يدنو ويهبط في مرحلة الضعف والموت، مما يشكل قصر الحياة، ويخلص إلى نتيجة لا جدواها، لكنه يعود يفعم صفحات الرواية عبقًا شديدًا كما في "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي التي تبدأ بفقد البطل لأحد أطرافه في ظاهرة تمثل الموت الجزئي لعنصر رئيس في الرواية، التي لا تلبث إلا أن تتوسع دون التفكير بمحاكمة الجاني (الكاتب)، الذي بزخ الموت في وجوه تلك الشخصيات كأغاثا كريستي، التي ارتكبت أكثر من ستين جريمة في رواياتها.

أطلق الناقد الفرنسي رولان بارث فكرة موت المؤلف لبلورة منظور جديد من البنيوية القائمة على عزل النص عن ظروف إنتاجه، فما وجدناه من أعناء بعد مضي عام من العزلة الأدبية والرحيل المدوي لشخصيات ألهبتنا أشعارهم، وأثارتنا أقلامهم، وطافت بأروقة الصفحات أنظارنا باحثين عن عقلية مبدع أغنى الأدب العالمي بنماذج راقية من المشاعر والأحاسيس والانفعالات التي تجسدناها في يومياتنا، وإن كانت القضية النقدية موت المؤلف ضمنيًّا فكيف سيكون المشهد بعد وفاته الفعلي، وهل ذنبنا كقراء أننا عشنا معهم؟

عام 2014 كان أكثر الأعوام دموية في رحيل الأدباء، فقضى نحبه عدد كبير منهم على فترات متقاربة، وتساقطت أوراق غالبيتهم في تشرين، رحل "غابرييل غارسيا ماركيز" تاركًا أعوامًا من عزلته المئة، ورحل "أنسي الحاج" رائد قصيدة النثر العربية، ورحل "سعيد عقل" بعد قرن من الإبداع، ورحل شاعر الرواية العربية "محمد ناجي"، ورحلت قيثارة فلسطين التي ستخرج من صورتها ذات يوم رحل "سميح القاسم"، ورحل "سيجفريد لينز" في دقيقة من الصمت، ورحل صاحب طرب هذه ليلتي "جورج جرداق"، وما يكاد العام يلفظ أنفاسه الأخيرة، حتى رحلت صاحبة ثلاثية غرناطة في جزئها الأخير "الرحيل"، رحلت رضوى عاشور، ولعلي لم آتِ على ذكرهم مرتبين لهول الرحيل، وقد كررتها لفظًا ومعنى، لأنهم شكلوا تراثًا فريدًا و نتاجاً عظُم بيانه عند جمهور القراء والمثقفين، فأفردت لكل منهم كلمة الرحيل للتعبير عن وقع مدوٍ، وخبر تجاوز الأسماع ليخاطب الوجدان الثقافي في مرحلة يكتنفها الحزن على الأنساق المخلفة لهؤلاء الأعلام.

لعل القضية التي تنشأ بعد رحيل الأديب هي سياسة تكريمه بناء على الواقع الذي قدمه وتأثيره في المجتمع، ولا يعد ذلك من باب (البرستيج)، لأن هذه الشخصية قضت إلى حياة مختلفة تمامًا عن عالم مادي، وإن تعلق الأمر بالأحياء فنجيب محفوظ رفض مكافأة جائزة نوبل ومنحها لزوجته كي تتصرف بها، كما رفض عباس العقاد جائزة الدولة التقديرية لأنها تضعه في خانة تحد من إبداعه، مع الأخذ في الحسبان المفارقة الشاسعة بين تكريم الغرب والعرب للأدباء، فمهما تعددت أشكال التكريم في بناء التماثيل ووضع الصور على العملات والطوابع ذات المظهر الغربي أو تسمية اسم شارع باسم ذلك المبدع في التقاليد والأعراف العربية، فإنها لا تنحو منحى ثقافي تبرز الخوف على تراث الأدب العالمي لفقد قلم قد لا يتكرر إنتاجه، وظاهرة قد تمحى معالمها في إطار مدرسة نقدية جديدة تدعو إلى التجديد في مرحلة تطلق على نفسها ما بعد بعد و بعد بعد الحداثة، ومهما اختلفت الطرق المتبعة في إقامة حفلات التكريم الغربية والعربية في إيجاد بيئة حية للإبداع يقوم على أساسها شكر الأديب على صنيعه، وتوفير الصيت الأفضل له خاصة مع سرعة تأسيس المؤسسات الثقافية، التي تأخذ على عاتقها تكريم أديب/ـة بناء على جهد روائي واحد أو قصيدة مترفة استظلت شعورها بظل مسابقة ثقافية مادية، وهذا يقودنا نحو حقيقة بناء أنطولوجيا لكيان ذلك المبدع تقديرًا لنشاطه الإبداعي يتناسب وحجم إنتاجه وتنوعه في خدمة الأدب باعتباره مفهومًا عالميًّا وليس قوميًّا ضيقًا، والمعنى الحقيقي لذلك التقدير هو إعطاء المبدع حقه من التقدير ثقافيًّا كي لا نعيش في حالة من الاغتراب الممنهج فيظن الذين سيأتون من بعدنا أن ماركيز كان لاعب كرة قدم أو رضوى عاشور كانت نائبة معارضة في إحدى البرلمانات العربية، حريٌّ بنا أن ننظر للتكريم كرسالة شكر وتقدير ثقافي وليس كواجب عزاء بيروقراطي يقودنا إلى أعوام من العزلة بعد هذا الرحيل المدوي.

 


عدد القراء: 1038

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-