تاريخ جراحة التجويف البطني - الإسهامات العربية (2-2)الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-11-05 14:22:11

أ.د. مهند الفلوجي

لندن

هذا بحث تاريخي أصيل مُعمق عن الإسهام العربي في جراحة التجويف البطني مع تسليط الضوء على إنجازهم في فتح البطن جراحياً.

لقد أبدع أبو القاسم الزهراوي (636 – 1013 ميلادي)  في كتابه: (التصريف لمن عجز عن التأليف)  في أول وصف لجراحة البطن الذي لم يرد في بحوث الطب سابقاً.  كما وصف طُرق إرجاع الأمعاء وتخييط جدار البطن وغلقه. وابتكر أبو القاسم الزهراوي استخدام كماشات النمل العربي لتخييط مفاغرة الأمعاء؛ وكان أول من خاط الأمعاء بخيوط دقيقة مستخرجة من أمعاء الحيوان.

قلنا في الجزء الأول: إن العرب وضعوا ضروريات خمسة لإجراء العملية الجراحية الناجحة: 

معرفة علم التشريح، ومعرفة العدوى والوقاية منها (التعقيم)، والتخدير لقتل الألم، والسيطرة على النزيف الدموي (ايقاف النزف)، وأخيرًا الأدوات الجراحية المناسبة للتداخل الجراحي.

شرحنا في الجزء الأول معرفة علم التشريح عند العرب والمسلمين بإسهاب.

وفي هذا الجزء الثاني (والأخير) نتناول الضروريات الأربعة الأخرى:

2. العدوى والتعقيم:

منع الإسلام اختلاط المرضى (المصابين بالأمراض المعدية) بالأصحّاء تحوّطاً؛ فكما أن الإسلام يحثّ أتباعه بعلاج المرض بأخذ الدواء ومراجعة الطبيب, فإنه أيضاً ومن باب الأخذ بالأسباب لمنع العدوى، يرشد أتباعه بالفرار من مرضى الجُذام بالطريقة التي يفرّون بها من الأسد (كما جاء في الأحاديث النبوية المتفق عليها: «فر من المجذوم كما تفر من الأسد»،

وقال أيضاً: «لا يورد ممرض على مصح»).

 كما وينصح الإسلام بعدم الدخول إلى، المناطق الموبوءة بالطاعون، أو الخروج منها وبذلك يقرر ولأول مرة بوضوح علمي مبدأ الحجر الصحي (كرنتينه) في مكافحة الأمراض المعدية (كما جاء في الحديث النبوي الذي رواه أحمد ، والبخاري ومسلم عن الطاعون:

«إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا، فراراً منه » أي منعاً لسريان عدوى الطاعون).

في الواقع، عندما جاء الرازي إلى بغداد، تمّ اختياره من قبل الخليفة (من أصل 100 الأطباء) ليكون صاحب القرار لموقع المستشفى التي بدأ تأسيسها حديثا، والمسماة باسم الخليفة المعتضد (892 - 902 م). 

قام الرازي بتعليق قطع من اللحم في أنحاء بغداد وزواياها المختلفة واختار مكان قطعة اللحم االتي كانت آخر من تحللت وتفسخت ليكون موقع تأسيس المستشفى (دليلا على أن نقاوة هواء هذا الموقع كانت الأفضل بين المواقع كلها وأقلّها كثافةً بجراثيم التفسخ). ومن ثم صار الرازي رئيس هذه المستشفى.

كان الرازي كيميائيا أيضاً، وقام بتحضير الكحول عن طريق التقطير (من العصير الحلو المُخمّر) وللمرة الأولى في التاريخ. ومن ثم استخدم الكحول كمطهر للجروح.

علاوة على ذلك، فإن العرب كانت تستخدم الخبز المتعفن المسحوق لذرّه في علاج التهاب اللوزتين، ومن ثم بقصد أو من دون قصد، لهم الفضل في إدخال المضادات الحيوية قبل الكسندر فليمنغ بوقت طويل.

ومن طرائق تطهير الجروح قبيل العمليات ما يلي:

• تطهير الجلد بالكحول (الذي اكتشفه واستعمله الرازي).

• تطهير الجلد بالصابون والماء. بدايةً، اكتشف العرب القوة التطهيرية لرغوة أوراق النبق أو السدر. ومن ثم قام كيميائيو العرب بتصنيع الصابون.

• تطهير الجلد بالقطن المغموس أو المنقوع بزيت الورد.

• تطهير الجلد بالماء والعسل.

3. التخدير:

كان استخدام نقيع الأفيون خلال العمليات الجراحية (قُبيل، في أثناء، وبُعيد العملية) شائعًا في حالات الالتهابات المصحوبة بالألم الشديد، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية المؤلمة، مثل قلع الأسنان وتعديل الكسور. 

واستخدمت بذور الخشخاش عن طريق الفم قُبيل وبُعيد العمليات الجراحية كشراب مُسكن أو كمعجون. وغالباً ما تستخدم محلولها المغلي للاستنشاق. 

ومع ذلك تحتوي ألف ليلة وليلة (ترجمة السير ر. بيرتون) إشارة إلى التخدير عن طريق الاستنشاق. يرتبط اسم الجراح ثيودوريك البولوني (من بولونيا في إيطاليا 1206-1298)، مع 'الإسفنجة المنومة، ولكنه استقى معلوماته من المصادر العربية. حيث تُغمس الاسفنجة في المعطرات والمنومات ثم تُجفف؛ وتُبلل بالماء عند الحاجة وتوضع على شفاه الفم وفتحة الأنف.

وهذا الابتكار العربي يقتضي غمر ما يسمى بــ(الإسفنجة المخدرة) في محلول من الماء المغلي المخلوط بمزيج فريد من الحشيشة (من العربية الحشيش) أوپيوم أي الأفيون (من العربية أفيون)، سي-هيوسين (من العربية ست الحسن)، و زؤان (عربي يعني محلول القمح كحامل وناقل للمواد الفعالة بعد تبخر الماء).

كما أن العرب في الأندلس كانوا الرواد الأوائل في تصنيع الثلج الاصطناعي. وصار التجميد بالثلج يستخدم في التخدير الموضعي في العمليات الجراحية الخارجية ذوات الطبيعة البسيطة.

4. إيقاف النزيف الدموي:

يتم بالضغط (بقطنة مغموسة بالخمر مع زيت الزيتون أو بالخلّ مع زيت الزيتون) أو بربط الوعاء الدموي النازف بخيط القط أو بخيط القطن.  وعـدّد أبو القاسم الزهراوي (5) طرائق مهمة لغـلق الجرح البطني أو التجويف البطني، (وبعضها مقتبس من خياطة الإسـكافـيّين والفـرّاءين)، ويمكن معرفة تفاصيلها المهنية من خلال مراجعة المصادر في آخر هذا البحث.

5. الأدوات الجراحية:

اخترع  العرب العديد من الأدوات الجراحية وأبدعوا في تصنيعها لحد الكمال كما هو موضح في كتاب (التصريف لمن عجز عن التأليف) لأبي القاسم الزهراوي، وفي كتاب (كامل الصناعة الطبية) أو (الكتاب الملكي) لـ علي بن عباس، وكتاب (العمدة في صناعة الجراحة) لابن القُفّ.

تشمل هذه الأدوات الجراحية: أدوات للتشريح وللقطع والروابط المختلفة باستخدام خيوط القيثارة، وخيوط  القط، والكتان والحرير.

كما واستخدم أبو القاسم الزهراوي فكوك النمل بصورة مبتكرة كـ (كُلاّبات أو كمّاشات ميكانيكية) بعد وضع رؤوس النمل على الجرح حيث ينجذب النمل كيمياوياً لسائل الجرح (Chemotaxis) فتغرسُ النملةُ فكّيها على طرفي الجرح تلقائياً، ثم تُقطـّع الرؤوس وتُفصل عن أجسام النمل، فيظل الرأس معلقاً بالفكـّـين المنغرسين بطرفي الجرح. كما ويفرز النمل سائلاً لعابياً مُعقماً يحوي حامض النمليك أو حامض الفورميك (formic acid)؛ مما يجعل من فكيها آلة تعقيم مثالية للخياطة.

كذلك تمّ استخدام الكيّ والمواد الكاوية لتخثير الدم، وخاصة في علاج المصابين بنزف الدم (هيموفيليا).

واخترع العربُ المسلمون أنبوب قـثـطرة Catheter (أو قـذطـرة المسماة خطأً بـ قـسطـرة) لتكون بمثابة أداة تصريف البول في المرضى الذين يعانون من احتباس البول.  والكلمة مشتقة أصلاً من كلمة (قثا- طير) العـربية المركبة من مقطعين:  قثا أو قذى  -  طير (أي ريشة الطير أو نصلها بلا شعيراتها)، وهو أنبوب مجوّف فريد مع نهاية دقيقة مُدببة، كانت تستخدم بدايةً في الكتابة، فوسّع العرب استخدامها كأنبوبة تصريف أيضاً.

واستخدم الغـوز  Gauze أي الشاش (والكلمة أصلاً مشتقة من اللغة العربية غـزّاوي أي من غـزة بفلسطين حالياً حيث موضع التصنيع الأصلي لهذا النسيج) واُستُخدِمت الضمّادات المصنوعة من مواد نسيجية مختلفة استخدمها العرب لتضميد الجرح، كوسيلة لأيقاف النزيف (عن طريق الضغط) وكذلك للنظافة (وحماية الجرح).

وأحياناً، اُستخدِم الضماد بشكل رباط عاصب (Tourniquet) فوق موضع لدغات الثعابين، لمنع سريان السُّـمّ بالدم. واستخدمت الفتائل وأنابيب التصريف أيضاً في تجاويف الخُرّاجات المتقيحة. واستخدم تكويرجلدي كـ زرّاق للحقنة الشرجية (كلمة سيرينج ٍSyringe الإنجليزية هي تحويرللكلمة العربية زرّاق Zarrag أي حقنة).

كما وابتكر الطبيب العربي المسلم (ابن زهر الأندلسي) طريقة التغذية القلزمية بحقن السوائل عبر المستقيم (Proctoclysis) للمرضى المصابين بانسداد أعلى القناة الهضمية (مثل سرطان المريء). كما واستحدث (ابن الذهبيّ) استخدام الموسعات والمصوتات للإحليل والمجاري البولية، بينما اخترع أبو القاسم الزهراوي المسحقة أي آلة سحق الحصاة (Lithotrite) مع حقنة المثانة المعدنية (Litholapexy).

واستخدمت Snares أي الصنّارات (من العربية صنّارة) على نطاق واسع، لإزالة الزوائد الأنفية، واللوزتين المتضخمتين، وكذلك لاستئصال الدوالي، واستئصال البواسير.

كان الرازي أول من أشار ونصح بضرورة فتح فتحة الرغامي (القصبة الهوائية) Tracheostomy، وقام ابن زهر بأول تطبيق تجريبي لفتح فتحة الرغامي في الحيوانات (جرّبها على الماعز)، ولكن يبقى أبو القاسم الزهراوي تاريخياً هو أول من قام بفتح فتحة الرغامي عملياً على الإنسان، حيث أجراها على أحد خُدّامه الموالي وبنجاح.

وكان ابن زهر الأندلسي أول من قام بتنبيب المرئ المنغلق (لإنسداده بالسرطان) وذلك باستخدام أنابيب معدنية ضيقة مصنوعة من الفضة بوصفها علاجًا تسكينيًّا في الحالات المتقدمة (مع تغذية المريض بالسوائل عبر المستقيم – انظر أعلى).

كما وتمّ ابتكار مختلف النظارات والبصريات من قبل أبو الحسن بن الهيثم، واستخدمت على نطاق واسع في طب العيون.

واستخدم الجبسوم Gypsum (أي جبس بالعربية)، من قبل العرب لأول مرة في الكسور لكونه  مسحوق يتصلّـب بالماء.  كما واختيرت الجبائر الخشبية من أشجار خاصة، مثل الرمان، لصلابته.

 

المراجع:

1. (معجم الفردوس) تأليف أ.د. مهند الفلوجي، العبيكان للنشر 2012 .

(أنظر التأصيل العربي للكلمات الواردة في البحث أعلاه).

2. مقالات منشورة عالمياً باللغة الإنجليزية للمؤلف:

a.  Al-Fallouji: History of Surgery of the Abdominal Cavity: Arabic Contributions. (The First Large Bowel Anastomosis in the Literature) International Surgery September 1993; 78:3:236-8.

b.  Al-Fallouji: Arabic Caesarian Section: Islamic History and Current Practice Scottish Medical Journal February 1993; 38:3-4.

c.  Al-Fallouji: Arabs were skilled in anaesthesia. British Medical Journal April 1997; 314:1128.


عدد القراء: 1558

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-