الثقافة بين البناء وتأجيج الصراعاتالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-11-17 09:22:41

د. إدريس سلطان صالح

أستاذ مشارك بجامعة المنيا - مصر

تعني الثقافة في أبسط معانيها جميع السمات الروحية, والمادية, والفكرية, والعاطفية التي تميز مجتمعًا بعينه, أو فئة اجتماعية بعينها, وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة, كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات التي يؤمن بها.

وتتميز ثقافة أي مجتمع بالتجانس العام بين أفراده، لأنها تشتمل على السمات الأساسية المشتركة بين أفراد هذا المجتمع، مثل: اللغة، والتاريخ، والقيم، والقانون العام، والعادات والتقاليد المشتركة، وهي سمات ثقافية متأصلة في أفراد المجتمع، بكل فئاته وبيئاته، وتوجد داخل هذه الثقافة الواحدة المتجانسة ثقافات محلية متنوعة، وأحيانًا يطلق عليها ثقافات فرعية، وذلك نتيجة تنوع فئات المجتمع وبيئاته وأنشطته البشرية، مثل تنوع المهن والحرف كثقافة الأطباء وثقافة المهندسين وثقافة العمال، وتنوع البيئات الجغرافية كثقافة الريف وثقافة الحضر وثقافة البدو وثقافة السواحل، وتنوع القبائل والعشائر، وتنوع الأعراق والاجناس في بعض المجتمعات العربية كالعرب والتركمان والأكراد.

والحديث عن ثقافات فرعية داخل الثقافة الواحدة المتجانسة للمجتمع، لا يعني الحديث عن هويات فرعية لجماعات أو بيئات أو فئات بعينها، فهوية المجتمع واحدة، تكونت عبر تاريخه نتيجة تفاعل الإنسان مع الأرض عبر الزمن، وإنما داخل الهوية الثقافية الواحدة المتجانسة خصوصيات تميز بعض الناس في لهجتهم أو أزيائهم...إلخ.

تتجانس هذه الثقافات الفرعية مع الثقافة العامة للمجتمع في السمات والخصائص العامة، وتنصهر فيها دون انفصال، وتتميز بخصائص ثقافية تعبر عن أهلها، مثل لهجتهم، وأزيائهم، وطعامهم، وطرق احتفالاتهم ... إلخ. والأمثلة كثيرة، فنجد أهل الريف لهم أزياء ولهجة ومأكولات وطرق احتفالات تختلف عن الحضر والبادية، وذلك نتيجة تفاعلهم مع البيئة التي يعيشون فيها، والتي تأثروا بها وأثروا فيها.

وبرغم ما تتميز به هذه الثقافات الفرعية من خصوصيات تميزها عن غيرها من الثقافات الأخرى، إلا أنها تشترك معها في عموميات تشكل ثقافة المجتمع الواحد، فلا يوجد تعارض بينها، إذا تشكل هذه العموميات رابط لوحدتهم وتجانسهم تحت راية هوية ثقافية متجانسة.

وإذا كانت المجتمعات تركز على دعم عمومياتها الثقافية بوصفها العناصر الأساسية المشتركة بين كل فئاتها الاجتماعية أو الثقافية أو أقاليمها وبيئاتها، فإن العناية بالخصوصيات الثقافية المتنوعة داخل هذه المجتمعات لا يقل أهمية عن عمومياتها الثقافية، لأنها تمثل دعمًا أساسيًّا للمواطنة الفعالة في أي مجتمع، خاصة مع أهمية البعد الثقافي في تشكيل هوية المجتمع وتنمية المواطنة لدى أفراده.

ولعل ما كتبه بريان تيرنر عن المواطنة وتفسيره للمواطنة على بعد المواطنة الثقافية، التي يرى أنها تعني التمكين الثقافي الذي يزيد من قدرة ثقافات البيئات المتنوعة على المشاركة الفعالة ضمن الثقافة الوطنية، يدعونا إلى التفكير في أهمية ثقافتنا وما بها من ثقافات وخصوصيات فرعية. خاصة بعد انتشار التخوف من السيطرة على الثقافات الفرعية، واستغلالها في حدوث صراعات مجتمعية بين فئات أو بيئات بعينها.

الخطورة هنا في تهميش ثقافة أو بيئة لها خصوصيات ثقافية بداعي خطورتها على المركب العام لثقافة المجتمع، أو تشكيلها تهديدًا أو عاملاً للتفكك والصراعات الداخلية، لأن ذلك التهميش سيشعر أصحاب هذه الثقافة أو البيئة بعدم أهميتهم في ثقافة المجتمع، وعدم الاعتراف بما يميزهم من خصوصيات ثقافية، مما يجعلهم لقمة سائغة لمن يريد استغلالهم وتأجيج مشاعر الكراهية والتعصب، ومن ثم يصبحون عاملاً للهدم وليس البناء.

والأمثلة كثيرة ومتنوعة على استغلال التنوعات الداخلية وما بها من ثقافات فرعية مهمشة في حدوث قلاقل ثقافية داخل المجتمعات، ولعل ما يحدث في العراق من تأجيج مشاعر العداء بين العرب والتركمان والأكراد، وما تشهده سوريا واليمن وليبيا من صراعات تزداد تأججًا بفعل التهميش والسعي للسيطرة.

ولذلك فإن جهود التنمية الثقافية الحقيقية، التي تسعى للحفاظ على ثقافتنا، وما توجهه من أخطار العولمة ومحاولات فرض نماذج ثقافية دخيلة قد تسبب طمسًا لهويتنا الثقافية، عليها أن تنظر للثقافات الفرعية بوصفها عنصر إثراء وقوة للثقافة العامة، لا عنصر تهديد أو خطر عليها.  


عدد القراء: 1081

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-