وجوه التّمرّد في أقصوصة: "الجدار العالي" لإبراهيم درغوثيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2015-05-10 09:40:36

عباس سليمان

تونس

الجدار العالي1 أقصوصة من أقاصيص إبراهيم درغوثي كتبها خلال سنة 2009 أي بعد أكثر من عشرين عاما من اُنخراطه في التّأليف والنّشر. جاءت ضمن مجموعته "منازل الكلام"2 ثمّ ضمّتها مختاراته القصصيّة التي سمّاها "تصبحون على خير ". قرأناها فأثارت فينا قراءتها الحيرة والتّساؤل ونروم أن نضمّن هذه الورقة الحيرة التي ركبتنا والأسئلة التي ثارت فينا.

ونريد أن نبيّن منذ البدء أنّ مدار حيرتنا وأسئلتنا كان ما حفل به هذا النصّ من  تعدّد لوجوه العدول والإرباك أو وجوه التّمرّد، التي ظهرت جليّة في الشّكل وفي المضمون، والتي سنشير بشكل برقيّ إلى أنّها تعلّقت بتعالق خصائص النصّ الشّفاهي بخصائص النصّ المكتوب وبوقوف الكاتب مرارًا ومطوّلاً عند التّفاصيل الدّقيقة وباختلاط الحقيقيّ بالمجازيّ بشكل مربك وبتداخل المعجم الفصيح بالمعجم العامّي في مواطن عديدة وبالغموض الذي اكتنف النّصّ برغم ما تخلّله من توضيحات وما تلا مفرداته وجمله من شروح وتعليقات.

وعلى أهمّية هذه الوجوه التي ذكرنا فإنّنا سنعدل عنها جميعا لنركّز اهتمامنا على وجه عدول واحد وجدناه أعمق وأشدّ للانتباه وأكثر جلبًا للاستفادة (على اعتبار أنّنا متّفقون على أنّ النّقد  الأدبيّ إنّما يستفيد ويثري نفسه، ويطوّر آليّاته وطرائقه واتّجاهاته انطلاقا من النّصوص) ووجه العدول الذي نقصد هو ما ظهر في  الأقصوصة من تداخل ظاهر بين الكاتب والسّارد وهو تداخل سندرسه دراسة كميّة من خلال إحصاء أخضعناه إليه ثم سنتدرّج نحو قراءة ما تبوح به نتائج الإحصاء تحليلاً وتأويلاً .

فقد احتوت أقصوصة "الجدار العالي" موضوع دراستنا هذه على 197 سطرًا تعلّقت منها بالسّارد 56 فيما ذهبت البقيّة وعددها 140 إلى الكاتب وعلى 82 جملة لم يحز منها السّارد على غير 33، بينما ذهبت إلى الكاتب 49 وعلى1747 كلمة أخذ منها السّارد 489 فيما ارتبطت البقيّة الباقية وقدرها 1258 بالكاتب.

ويقودنا هذا الإحصاء الى استنتاج لا لبس فيه مفاده هيمنة الذّات الكاتبة على الذّات السّاردة واحتلالها في مساحة النصّ وفي ذهن المتلقّي مساحة فوق العاديّة افتكّتها عبر تدخّلاتها المتكرّرة التي تراوحت بين كلمتين أحيانًا وأزيد من صفحة كاملة أحيانًا أخرى .

نحن أوّلاً إزاء كاتب جرّد من نفسه ساردًا وأوكل له أن يقصّ علينا حكاية رجل الجدار العالي، ولكنّه بدأ منذ السّطورالأولى ينازعه مهمّته ويفتكّ منه دوره ويفرض عليه وعلينا نفسه.

 ونحن ثانيًا إزاء سارد يفقد منذ بدايات النصّ وقبل أن يصيبه التّعب أو الملل أو يلمّ به النّسيان السّيطرة على السّرد ويفقد تقريبًا دوره وإشعاعه حتّى لَيكاد يُنسى وذلك لفائدة كاتب بدا له أنّه أقدر من سارده على الاضطلاع بمهمّة الحكي هذه، وعلى إيصال القصّة إلى القارئ كما يريدها أن تصل: "ركن السّيارة الفارهة في الظّلّ الممدود تحت الجدار العالي، وأسكت المحرّك بعصبيّة ظهرت في حركات أصابعه، وفي التّقطيبة بين الحاجبين، ثم دسّ المفتاح في حافظة جلديّة أخرجها من جيبه، ومدّ يده إلى قارورة صغيرة من العطر الفاخر(في الظّاهر فقط، أمّا في الحقيقة فهو مغشوش/فالصو، لأنّه مصنوع -سو ليسانص-في إحدى البلدان العربية ) ص 78 .

إنّنا إزاء انقلاب عناصره ثلاثة: البطل وهو الذّات الكاتبة أي الذّات الحقيقيّة (إبراهيم الكاتب)، والضّحية وهي الذّات المتخيّلة (إبراهيم السّارد )- فيما سنترك 2 للقارئ أن يحسم إن كان المسرود له ضحيّة هذا الانقلاب أم مستفيدًا منه-وأدواته عمليّة اختراق هي اختراق كلامُ المؤلّف خطابَ السّارد اختراقًا  توزّع بين الشّرح والتّعليق والتّكذيب والتّصويب والسّخريّة والتّعقيب حتّى ليتوهّمَ

المسرود له أنّه إزاء شخصين لا شخصيّة واحدة جرّدت من نفسها حكاّء تخيّلته.

وتقودنا هذه الاستنتاجات الأوّليّة إلى الملاحظات النّقديّة الآتية:      

1 - أصبح هذا النّصّ بفعل هذا التّنويع وفعل هذا التّوزيع الجديد للأدوار وهذه الإضافات المتراوحة بين الشّروح و التّعقيبات والتّكذيبات والهزء متمتّعا بحيويّة غير عاديّة ما كانت لتتحقّق لو حافظ صاحبه على قطبين أحدهما يبثّ وهو السّارد، وثانيهما يكتفي بالتّقبّل وهو القارئ، وذلك عندما أضاف قطبًا ثالثًا ظاهرًا غير مستتر هو الكاتب الحقيقيّ، فتحوّل المقروء من مشترَك بين اثنين إلى جامع لثلاثة رؤوس، ومن مقروء عاديّ إلى مقروء مُربك محفّز على التّفكير، وفاتح لأبوابٍ على النّقد جديدة، وتغيّرت وجهة النّص القصصيّ من الانفتاح على شريحة عريضة من القرّاء إلى التّوجّه المخصوص نحو فئة هي فئة القرّاء المفكّرين. أصبح النّصّ إذا منتجًا لا للخيالات والمتعة والأحلام، بل لنوع جديد من القرّاء قادر على الحفر في ثنايا ومقاصد الأدب.

يتبدّى إذًا أنّ من وجوه التمرّد في هذا النصّ توسيع دائرة الأطراف المتدخّلة في الوضعيّة التواصليّة برمّتها عبر إضافة عنصر ثالث إضافة لم تأت عرضيّة ولا عاديّة، وعبر السّعي نحو الارتقاء بالمقروء من المعتاد إلى العجيب، وإيجاد صنف جديد من القرّاء يؤمنون بالقراءة المفكّرة الفاعلة المنتجة.

2 - ليس صعبًا أن نتّفق على تأويل آخر مفاده أنّ القصّة في حدّ ذاتها قد ذابت في خضمّ الجدل بين السّارد والكاتب ويكفي الرّجوع إلى نتائج الاحصاء الذي استهللنا به المداخلة للتّأكّد من ذلك، ومفاده أنّ مركز اهتمام المتلقّي  أصبح ما بين الطّرفين الحقيقيّ أي الذّات الكاتبة والمجازيّ، أي الذّات السّاردة من تبادل غير عادل للأدوار، حتّى إنّه لم يعد ينتظر مآل الأحداث إنّما تدخّل الكاتـب لردع السّارد أو كشف سوء نواياه، أو توضيح ما أضمر إغماضه، أو التّعليق عمّا أورده أو السّخريّة من محتوى سرده ومن كيفيّة نقله، أو تكذيب خبر من أخبار حكايته، ثمّ تصحيح الأمر بعد ذلك على طريقته."كان كلّما اقترب أحد الرّجال من المدخل،(مدخل بناية الجدار العالي الذي ذكره السّارد في بداية القصّة، ولكنّه سكت عن التّفاصيل) رأى وكأنّ رمحين متقاطعين يسدّانه .ثمّ وكأنّ يدًا تندسّ داخل جوفه (يعني جوف الرّجل الذي تقدّم ناحية الرّمحين) ص: 84

ولا يمكن تأويل كلامنا هذا سوى في اتّجاه إصرار الكاتب على تشييد جدار عال لا يضاهي طوله بقيّة الأطوال أي على بناء نصّ جديد يعدل فيه عن تكثيف الأحداث وإيرادها جافّة ليخرجه بشكل جديد، يصبح فيه التّعليق عن الحدث أهمّ من الحدث في حدّ ذاته، ويصبح فيه للقارئ حقّ في التّمـــتّع بالتّـــعقيـب والشّروح والتّصحيح والتّكذيب.

3 - لنا أن نستنتج أيضًا أنّ الكاتب قد وفّق  من خلال هذا التّوزيع الجديد للأدوار، ومن خلال هذا التّعديد المقصود للأصوات في أن يجعل قارئه يعيش الاضطراب والارتباك بخصوص حدود كلّ من السّارد والكاتب، أو حدود كلّ من المجاز والواقع، ففي اللّحظة التي يصدّق فيها هذا القارئ انسياب الخيال يتدخّل الواقع هازئًا أو مكذّبًا أو معلّقا أو واصفًا أو مفسّرًا بما يعني إيمان الكاتب بأنّ الخيال لم يعد مثيرًا إثارة الواقع، وبأنّ الواقع تجاوز في إثارته وإرباكه كلّ حدود المجاز.

تمحي إذا الحدود بين الخيال والواقع من خلال تدخّل الكاتب في السّرد تدخّلاً يعمد فيه إلى استعمال ضمير المتكلم الذي هو ضمير الاعتراف وإلــــــى إخراج هويّته كاملة واضحة للقارئ: "وأنا، أي إبراهيم بن محمّد بن خليفة الدّرغوثي بلحمه وشحمه أراقب الموقع من بعيد ...." ص 85- وقد تكرّر تدخّل الكاتب للتّعريف بنفسه ثلاث مرّات بأساليب مختلفة - كما تمحي الحدود بين الأصل والفرع بشكل يضاعف حيرة المتلقّي حتّى إنّه لَيسأل وهو يقرأ: من يثور على من؟ لينتبه في الأخير إلى أنّ الثّورة ليست سوى من الكاتب على نفسه الأمّارة في البداية بايجاد سارد، والأمّارة بعد البداية بالتمرّد عليه. يثور الكاتب على نفسه ويحتجّ على نهجه السّابق في الكتابة، وعلى تقنيته القديمة في البناء، وعلى كلّ الأنهج والتّقنيات في اتّجاه اعتماد تقنية، تحقّق جدارًا عاليًا أعلى من جدرانه السّابقة وأعلى من الجدران المجاورة.

يثور الكاتب على صوته الذي جرّده منه، فيُسكته دائمًا بالحلول محلّه بعث صوت جديد مختلف يحقّق الجدّة والطّرافة، ويشدّ الأسماع بغية الخروج بالنصّ القصصيّ إلى مدارات أرقى.

إنّنا لا نستطيع أن نفهم العلاقة بين العنوان "الجدار العالي" والأقصوصة إلّا في هذا الاتّجاه، اتّجاه إصرار الكاتب على بناء نصّ جديد ينهل من التّقنيات القديمة المتعارف عليها كالمقامة والخبر ثمّ يتجاوزها مستفيدًا من رؤيته الخاصّة للتّجريب، ومن اطّلاعه على تقنيّات السّينما والمسرح المعاصريْن، وذلك بغية الوصول إلى نصّ راقٍ وأسلوب في القصّ متفرّد.

إنّ تدخّل الكاتب إذًا ليس غير ذريعة لتحويل النصّ القصصي من نصّ تقليديّ قائم على انسياب أو تتابع الأحداث إلى نصّ تجريبيّ يُربك المتلقّي ويقطع عليه من حين لحين لذّة القراءة ليُحلّ محلّها إحساس الدّهشة وإلحاح السّؤال.

فحكاية الجدار العالي ليست إذا فرصة لكتابة قصّة، إنّما هي فرصة لإنتاج نصّ قصصيّ مختلف، لا يسير وفق قواعد القصّ العاديّ، ولا يؤمن بسلطة السّارد ولا تعنيه درجة اطمئنان القارئ ومدى متعته، ولا تهمّه متانة الأحداث، إنّما هو ينبني وفق رؤية الكاتب لا السّارد، لشكل قصّ جديد بأدوات خاصّة أو مخصوصة. فالمعركة إذًا بين السّارد والكاتب هي معركة بين التّقليد والحداثة وبين الاكتفاء بقصّ أحداث متعاقبة وإقحام مقاطع شرح وتفسير وتعليق وتكذيب وسخريّة تزعزع بنية النّصّ وتُثريه وتحقّـق له التّفرّد، وهي بين الاكتفاء بتحقيق الّلذة التي يمكن لكلّ قارئ أن ينالها وبثّ الحيرة وتعليم الصّبر على النصّ، وهو ما لا يمكن أن يكون متاحًا لكلّ القرّاء.

فالعمليّة برمّتها اقترنت بإعادة تشكيل النصّ القصصيّ التّونسي أو العربيّ بما يُخرجه عن سيرته الأولى وعن انسيابه المألوف وذلك وفق رغبة في التّجريب وطموح للتّوجه نحو قارئ مختلف سيحطّ النّص بين يديه إن كان موجودًا وسيبعثه إلى الوجود إن كان مفقودًا .

على سبيل التّلخيص

سارد غامض أو مُغمض يقابله كاتب محبّ للوقوف على التّفاصيل.

سارد غير مبال بالقارئ يلقي الخبر كيفما اتّفق يقابله كاتب محترِم للقارئ مهووس بإغراقه في الشّروح وفي التّعاليق.

سارد غير منتبه إلى أهمّية التّشويق يقابله كاتب راغب في إثراء النّص بتقنيات تشويق حديثة أصلها ثابت في فنون كثيرة أخرى.

حكّاء تقليديّ يَجري منذ بداية النصّ نحو بلوغ الخاتمة يقابله حكاّء متمرّد على

تقاليد القصّ المعتادة لئن كان يتّبعها قليلا فإنّه سرعان ما يحلّق بعيدًا عنها.

ذاتٌ مجازيّة راغبة عن كل تشويش يهمّش النّصّ ويبعثر المتلقّي تقابلها ذات حقيقيّة لا تهمّها الأحداث في حدّ ذاتها بقدر ما يهمّها إرباك القارئ بحواشي الأحداث.

سارد يتّجه نحو قارئ تقليديّ لا يحبّ تعقيد الأمور مقابل كاتب عليم يرغب في الارتقاء عبر تحديث النّص بقارئه من مجرّد التّلقّي السّلبي إلى التّفكير والفعل

ومن القراءة التي يعقبها نسيان إلى قراءة يعقبها تذكّر مستمرّ.

ذلك هو وجه التمرّد الذي أفردنا له من بين الوجوه الأخرى، التي احتواها النصّ هذه الورقة، والذي أتاحت لنا ترجمته إحصائيًّا الوقوف على استنتاجات وملاحظات نقديّة وتأويلات ملخّصها: أنّ تمرّد الكاتب على سارده ومن خلاله على النصّ القصصيّ العاديّ إنّما كان بهدف تطوير الأقصوصة والخروج بها نحو أشكال ومضامين أرقى وإيجاد من خلال ذلك كلّه قارئ يتجاوز الوقوف على المتعة إلى الصّبر على النّصّ ومكابدة مشقّـة السّؤال و الإحساس بلذّة البحث.

 

إحالات:

1 - منازل الكلام :مجموعة قصصية /دار إشراق للنّشر 2009.

2 - الجدار العالي :من مجموعة الكاتب القصصية :تصبحون على خير /الثّقافيّة للنّشر والتّوزيع 201277-87.


عدد القراء: 824

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

التعليقات 1

  • بواسطة ابراهيم درغوثي من تونس
    بتاريخ 2015-07-08 14:04:42

    مقال علمي مكتوب بعرفانية كبيرة تدل على أن صاحبة مطلع على تجربتي في القكاتبة القصصية . مقال يستحق التقدير أشد بيدين مباركتين على يدي الأستاذ عباس وأقول له شكرا من القلب

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-