الإدراك خارج الحسالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-02-15 06:33:27

د. وليد فتيحي

كثيرًا ما نتحدث عن أمور نشعر بها ونعايشها، لكن يصعب علينا تفسيرها على مستوى المادة، هذه الظواهر أطلقت عليها علوم المخ والأعصاب (ظواهر الإدراك خارج الحس) (Extra Sensory Perception) مثل التخاطر أو الرؤية عن بعد والرؤى الصادقة والإحساس بالشيء قبل حدوثه، كالشعور بحدوث مكروه لمن نحب في اللحظة التي يقع فيها المكروه، كقلب الأم.. فهل هناك تفسيرات علمية مادية لهذه الظواهر غير المادية؟ ترى.. هل أودع الخالقُ الإنسانَ وسائل تواصل وتأثير على محيطه غير المادي المرئي المحسوس؟ وماذا يقول العلم الحديث عن هذه الظواهر؟

بدأ الاهتمام بهذه الظواهر عام 1963م من قبل علماء القوى الذهنية، وأُطلق عليها (التفاعل الذهني المباشر مع الأنظمة الحية) (Direct Mental Interacting Living Systems).

وأولى الدراسات كانت على يد عالم النفس والباحث في الوعي تشارلز تارت، حيث قام بتجربة على نفسه لدراسة تفاعل الأشخاص مع آلام غيرهم، فعرض نفسه لصدمات كهربائية خفيفة، وفي غرفة مجاورة معزولة تمامًا خضع متطوع للمراقبة الطبية لتسجيل إذا ما كان جهازه العصبي المنبه (sympathetic nervous system) سيلتقط رد فعل تارت بأي شكل من الأشكال، وكانت النتيجة مذهلة!! فكلما تعرض تارت لصدمة كهربائية عانى المتطوع من تغيرات فسيولوجية، مثل انخفاض ضغط الدم وزيادة معدلات ضربات القلب، وكأنه هو الذي يتلقى الصدمات الكهربائية.

تلت هذه الدراسة دراسات عديدة، كلها بينت نتائج متشابهة، ومن هذه الدراسات المهمة في مجال التأثير الذهني المباشر دراسة أجريت عام 2005م على يد مجموعة من الباحثين في جامعتي واشنطن وباستير على 30 زوجًا ممن يمارسون التأمل وتربط الزوجين علاقة عاطفية ونفسية قوية، وفصلوا كل زوج عن زوجته في غرف تبعد عن بعضها بعشرة أمتار، وأُخضع أحد الأفراد لضوء وامض، وطلب منه أن يرسل صورة ذهنية لزوجه، وتم تسجيل النشاط الكهربائي لمخ هذا الشريك، فظهرت لديه زيادة في نشاط القشرة الدماغية البصرية في اللحظة نفسها التي رأى فيها الزوج المرسل الضوء، أي أن دماغ المستقبل يتفاعل، وكأنه يرى الصورة نفسها التي يراها المرسل في الوقت نفسه، بالرغم من أنهما منفصلان تمامًا ومتباعدان جدًّا.

هناك دراسة أخرى على شخصين تقابلا لأول مرة وتعارفا، وحدث بينهما توافق روحي، قاموا بفصل الشخصين بعضهما عن بعض على بعد 50 قدمًا في غرفتين معزولتين تمامًا، سلطوا على عين الأول الضوء وتم تسجيل ما أحدثه صورة ضوئية في الدماغ، وفي الوقت نفسه سُجلت الصورة الضوئية نفسها في دماغ الشخص الآخر دون تسليط أي ضوء عليه، وأكدت هذه الدراسة أنه على قدر الوقت الذي يقضيه شخص مع شخص آخر ويتواصل معه، على قدر ما تصبح أدمغتهم متصلة من خلال الطاقة المتبادلة بينهما.

لقد أظهرت أبحاث التفاعل الذهني المباشر مع الأنظمة الحية أن هناك تبادلاً لطاقات نبض القلب، وموجات الدماغ، ونشاط الجهاز العصبي اللاإرادي بين شخصين متحابين، ليؤثرا في بعضهما حتى وإن كانا متباعدين ومنفصلين. ولكن كيف حدث ذلك؟ ما هذه الطاقة؟ وكيف انتقلت من إنسان إلى آخر؟ وهل يمكن لهذه الطاقة أن تنتقل من إنسان إلى غيره من الكائنات الحية غير الإنسان؟

إن أول من افترض أن النباتات تتأثر بالنشاطات الذهنية للإنسان وأن الكائنات الحية يمكن أن تتجاوب مع أفكار الشخص ونيته هو كليف باكستير(Cleve Backster)، حيث استخدم باكستير جهاز كشف الكذب الذي يقوم بتسجيل الزيادة في التوصيل الكهربائي للجلد على هيئة رسم بياني عندما تُهدد حياة الإنسان، فأوصل الجهاز بإحدى أوراق شجرة الدرايسينيا (Dracaena) الطويلة، ثم فكر أن يهدد حياة النبات بأن يحرق طرف الورقة بعود من الثقاب، وفي اللحظة التي فكر فيها باكستير أن يحرق الورقة تأرجح قلم تسجيل الرسم البياني في الجهاز إلى أعلى مستوى، إنه لم يحرق النبات، لم يشعل عود الثقاب، إنما فكر فحسب.. مجرد أنه فكر. أبعد باكستير الفكرة المؤذية للشجرة عن ذهنه، فهدأ الرسم البياني ورسم القلم خطًّا مستقيمًا، كرر التجربة عشرات المرات وحصل على النتيجة نفسها، حتى عندما أبعد النبات عنه عشرات الأمتار أو وضعها في غرفة بعيدة.

كرر باكستير التجربة على قشيرات الجمبري الحية، وكل مرة يلقي فيها الجمبري في الماء المغلي كانت النباتات تستجيب على الجهاز وإن كانت في غرفة مجاورة.

خلص باكستير إلى أن أفكار الإنسان السلبية تطلق موجات تلتقطها النباتات وتتفاعل معها، وتحمل العالم باكستير سخرية وسخافات المهاجمين سنوات عديدة، حتى جاء عالم الفيزياء الألماني (فريتز ألبيرت بوب Fritz-Albert Popp)الذي اكتشف أن جميع الكائنات الحية من وحيدة الخلية إلى أكثرها تعقيدًا كالإنسان تبعث تيارًا مستمرًّا من وحدات الضوء (الفوتونات) وسميت (الانبعاثات الفوتونية الحيوية) (Biological Photons) وأنها أهم من الكيمياء الحيوية كوسيلة لتنسيق العمليات بين الخلايا الحية، بل واستطاع إثبات وجودها بتسجيل الترددات التي تنبعث من الحمض النووي (DNA).

واستطاع عالم النفس الشهير بجامعة بنسلفانيا جاري شوارتس (Gary E. Schwartz) بمساعدة الدكتورة كاثي كريس (Cathy Creath) أستاذة علم البصريات، ولأول مرة في التاريخ تصوير الضوء المنبعث من النبات بدقة شديدة وتفاصيل مذهلة، بل واستطاع شوارتز أن يصور صورًا واضحة لتيارات الضوء التي تتدفق من أصابع خبراء المعالجة عن بعد، فاستنتج أن نية المعالجة لدى هؤلاء الخبراء تولد موجات من الفوتونات الحيوية. هل هذا يفسر ما كانت تفعله جدتي عندما كانت تتحدث مع النباتات وتحن عليها، وتعتقد أن طرح الثمار يقل في أثناء سفرها، لأن هذه النباتات تفتقدها؟

ومن آليات التواصل الأخرى النشاطات الكهربائية والمغناطيسية التي ترسلها أجسامنا، حيث استطاع جاري شوارتز عام 1994م تسجيل النشاطات الكهربائية، فوجد أن كل حركة نقوم بها ترسل إشارات كهربائية وأنها تتضاعف مئات المرات في أثناء التركيز العقلي والتأمل، واستنتج أنه ليست حركاتنا فقط هي التي تولد الطاقة بل وأفكارنا كذلك. بل واستطاع أحد أعظم علماء الفيزياء المعاصرين الدكتور وليام تيلر (William Tiller) رئيس قسم خواص المواد بجامعة ستانفورد ومؤسس علم ما بعد الفيزياء المعاصرة، استطاع تصميم جهاز عبقري وبناءه لقياس قوة مجالات الطاقة الكهربائية التي تنتجها أفكارنا، وأنها يمكن أن تتضاعف آلاف المرات بتركيز النية على عمل معين، وبذلك أثبت بما لا يقبل الشك أن أفكارنا تنتج طاقة فيزيائية كهربائية، وأنها قابلة للقياس.

وكذلك سُجلت التغيرات في المجال المغناطيسي باستخدام جهاز صُمم لذلك، ووجد تغير كبير في المجال المغناطيسي والقدرة على تمرير الطاقة من شخص إلى آخر.

وبذلك خلص العلم إلى وجود ثلاث آليات على الأقل للتواصل وأشكال من الطاقة:

التيارات الكهربائية.

المجالات المغناطيسية.

الفوتونات البيولوجية المتماسكة.

وكلها يمكن أن تصدر نتيجة لنشاطاتنا الذهنية وقابلة للقياس وبدقة.

بل أثبت عالم الفيزياء الحيوية الألماني هيربيرت فروليش (Herbert Frolich) أن أنظمة الطاقة البيولوجية في الإنسان تتوالف وتترابط مع أنظمة الطاقة الأخرى في الكون في حالة واحدة متماسكة عملاقة، كأنها فرقة مشاة مدربة تسير سيرًا، وتنتقل عبر مسافات هائلة بسرعة فائقة، وفي زمن ضئيل للغاية، مثل ضوء الليزر دون أن تفقد طاقتها.

هل هذا يفسر معنى قلب الأم؟ قلب الأم الذي يشعر بآلام أبنائها فتحس بمصابهم لحظة وقوعه، وهل هذا يفسر التواصل الغريب بين الفاروق عمر بينما كان يقف يخطب الجمعة في المدينة، فتواصل مع أحد قادته في فارس حين قال محذرًا إياه: يا سارية الجبل الجبل. وسمعها سارية من على بعد آلاف الأميال فسلم الجيش بتحذيره.

لقد أثبت العالم الفيزيائي العظيم د. وليام تيلر، تأثير التركيز الذهني على إحداث تغيير ما في الوسط المحيط على بعض العمليات الكيميائية والبيولوجية، أي بمعنى آخر تأثير النية البشرية، وكانت النتائج حقًا مذهلة، فعلى سبيل المثال على المستوى الكيميائي استطاع العلم أن يثبت أنه بالتركيز الذهني (استحضار النية) يمكن تغيير درجة حموضة الماء (PH) بالزيادة أو النقصان بمقدار وحدة كاملة، وهذا مقدار كبير جدًّا يستحيل حدوثه تلقائياً. أما على الفئران، فقد استطاع التركيز الذهني للشخص المراقب للفأر، رفع كفاءة أحد أهم أنزيمات الكبد لدى الفأر بمقدار 30 %.

لقد أصبح هذا العلم مجال اهتمام مئات العلماء الباحثين والمرموقين حول العالم، ومن أدق الدراسات والأبحاث تلك التي قام بها الدكتور وليام براد (William Braud) في تكساس، والتي أثبتت أن الأفكار البشرية والنية والتركيز يمكنها التأثير على اتجاه سباحة الأسماك وحركة الحيوانات الأخرى مثل الفئران، بل وأثبتت أبحاثه الدقيقة أن الإنسان قادر على التأثير على الجهاز العصبي اللاإرادي لشخص آخر سلبيًّا أو إيجابيًّا.

نعم إن الذهن البشري يرتبط ارتباطًا لا ينفصل عما حوله، وهو قادر على التأثير على غيره من البشر والحيوان والنبات بطاقات كهرومغناطيسية وفوتونات حيوية أودعها الله إياها.

بل وكذلك على المواد والأجهزة من حولنا، حيث يثبت العلم أن للأفكار التي تدور في عقولنا تأثيرًا على الأشياء الجامدة من حولنا، وتسمى بتأثير الجريميلين (Gremlin Effect)، وهناك أناس يمتلكون حقل تأثيرٍ سلبيًّا قويًّا، ومنهم العالم الفيزيائي باولي (Pauli)، فكثيرًا ما كانت الآلات تتعطل فور وصوله مختبره، خاصة إن كان مزاجه سيئًا.

وقد قضى د. روبرت جان (Robert Jahn) العميد السابق لكلية الهندسة بجامعة ستانفورد، أكثر من 30 عامًا ليجمع الأدلة مع تحري المنهجية العلمية الدقيقة، وتوصل إلى إثبات تأثير الأفكار على الآلات الإلكترونية.

لقد اكتشف جاك بينفينزت (Jack Benvenist) أن الإشارات الرئيسية بين الجزيئات الحية ليست كيميائية، ولكنها إشارات كهرومغناطيسية، ولذلك فهي أكثر تأثيرًا بما يصدر عن عقولنا وأفكارنا من طاقة، وهذا قد يفسر قدرة النية السيئة الهدامة مثل الحسد على إنزال الضرر بالآخرين، كما يفسر بالطبع التأثير على المعدات والأجهزة من حولنا. 

في مقابلة للدكتور تيلر مع د. عمرو شريف في كتابه (أنا تتحدث عن نفسها) يشبه د. تيلر حالنا بإنسان قابع داخل غواصة كروية ذات طبقات ثلاث متتالية، جوهرها الروح محاط بثلاثة مجالات من الطاقة، العقلي ثم الانفعالي وكلاهما غير ماديين، ثم المجال الكهرومغناطيسي، وهو المجال المادي المحيط بنا، ونشاط الروح ينشط المجال العقلي والانفعالي، ويؤدي إلى رفع طاقة المجال الكهرومغناطيسي، ويزيد بذلك من طاقة هذا العالم من حولنا بناء على ما نمارسه من نية وقصد.

وبالبحث والقياس تبين أن الطاقات تبقى في المكان لفترات طويلة قد تصل إلى عام كامل قبل أن تتناقص ببطء وتتلاشى. هل هذا يفسر ما حثنا عليه الإسلام من صلاة النوافل في بيوتنا، حتى لا تصبح قبورًا؟ أو يفسر إحساسنا بالروحانيات عند دخولنا دور العبادة القديمة ولا نشعر به في بعض المساجد ودور العبادة التي بنيت حديثًا؟ هل هذا بِسبب تعاقب العباد على مر السنين وبقاء هذه الطاقة محفوظة تحف المكان.

يعتقد د. وليم تيلر أن معاناة إنسان الحضارة المادية التي نحياها تشبه السرطان المستشري، هذا السرطان يتمثل في عدم القدرة على أن يحب بعضنا بعضًا بالقدر الكافي، وأن ننظر للعالم بقلوبنا ومشاعرنا كما ننظر إليه بعقولنا، وأن نهتم بعمارة داخلنا، وأن نعتبر أنفسنا جزءًا من الآخرين ونعتبرهم جزءًا منا، فما نضيفه إليهم هو إضافة لنا، ويدعونا د. تيلر إلى أن نعمق الحب بيننا حتى تشع أرواحنا طاقة نشحن بها الوجود من حولنا، هذا الحب الذي هو امتداد للحب المتبادل بين الرب والروح، فمنه ينبثق الوعي، ومن الوعي تنبثق الطاقة التي تؤثر في المادة، إنه مصدر كل شيء، فالحب يجمع والكره يفرق. يقول د. تيلر إن مفتاح تغيير العالم كله هو أن تحب خالقك بكل قلبك وعقلك وروحك، وأن تحب جميع المخلوقات، وأن تغمرها بعطائك بصفتها أعمال الرب، وأن تنظر إلى الحياة بصفتها رحلة ممتعة في عالم الزمان والمكان، وأنها سرعان ما تنتهي لنلحق بوجودنا الأبدي المطلق.

لقد استحق د. وليم تلر أعظم علماء الفيزياء المعاصرين أن يوصف بأن البشرية تفخر بأنه أحد أبنائها.. أليس ما دعا إليه تلر هو ما سبق أن دعانا إليه الإسلام وجاء الأنبياء لينشروه.. حب كل المخلوقات لله وبالله وفي الله؟

هنا أفهم قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء: 107 و(العالمين) كما يقول المفسرون تشمل كل ما سوى الله سبحانه، فرسالة نبينا وديننا رحمة لكل العالمين.. عالم الإنس وعالم الجن وعالم الحيوان وعالم النبات وعالم الجماد وكل ما حولنا.

إذا أردت حقًّا أن تغير العالم من حولك، فابدأ بنفسك، فقد حباك الله طاقات عظيمة غير مرئية تستطيع بها أن تغير أكثر بكثير مما كنت تعتقد سابقًا على قدر صحة النية وحبك لله ومخلوقاته والإنسانية.

إن الحقائق التي استعرضناها في حلقة اليوم قد تبدو شديدة الغرابة لكثير منا، وإني أشارككم هذا الشعور، ولو لم تكن هناك مئات الدراسات العلمية الصادرة من مؤسسات علمية مرموقة متبعة أدق المعايير العلمية البحثية، وأثبتت ما تحدثنا عنه، لكنت أول من يرفض هذه النتائج، لكني أرى فيها بداية عصر تتجلى فيه أعمق صور تحقيق قوله سبحانه وتعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فصلت: 53.

 


عدد القراء: 2449

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-