كم تجيد توظيف المواقف؟الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-02-15 06:38:34

محمد بن عبدالله الفريح

كاتب ومفكر

وُلد "كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور" يوم 17 كانون الثاني/يناير 1942م في مدينة لويفيل بولاية كنتاكي، ثم تحول إلي الإسلام وعرف باسم "محمد" لأسرة مسيحية فقيرة من الزنوج الأمريكان، وعانى مع أسرته من سياسة التفرقة العنصرية التي كانت سائدة في هذه الحقبة.

كان الأب يعمل رسامًا على الجدران، فكان من هذه الحرفة يأتي بلقمة العيش، والأم أوديسا جرادي كلاي كانت تعمل أيضًا منظفة منزل وطباخة.

يُعد محمد علي كلاي واحدًا من أبرز الملاكمين الذين شهدتهم حلبات الملاكمة، فهو وهو صاحب أسرع لكمة في العالم التي وصلت سرعتها 900 كم.

وهو واحد من أعظم الشخصيات الرياضية في القرن العشرين ، فقد توُج وقتها  "برياضي القرن " .

وكانت بدايته في عالم الملاكمة عام 1954م، في تلك الأثناء لم يكن الصبي كاسيوس مارسيلوس كلاي قد تجاوز الـ12 من عمره عندما سرق أحد الأشخاص دراجته الهوائية، وهو يلعب مع أحد أصدقائه في إحدى صالات الألعاب بالمدينة، وثار الصبي ثورة عارمة عندما اكتشف سرقة دراجته، وتلفظ بألفاظ التهديد والوعيد، قائلاً: إنه سيسحق السارق سحقًا أو يضربه ضربًا مبرحًا عندما يعثر عليه. وتوجه بالكلام إلى رجل شرطة وجده أمامه، فما كان من رجل الشرطة إلا أن سخر من الصبي الطويل النحيف قائلاً له: "من الأفضل لك أن تتعلم الملاكمة أولاً قبل أن تحاول ضرب أحد". ولم يخطر ببال هذا الشرطي أنه - بهذه الجملة الساخرة - كان سببًا في تغيير مسار حياة هذا الصبي، وتوجيهه إلى تعلُّم الملاكمة، وبالفعل بعدها ببضعة أيام، بدأ محمد علي كلاي الذهاب إلى صالة جو مارتن الرياضية، ليبدأ تدريب الملاكمة هناك، ليتعلم رياضة الملاكمة  محققًا 100 انتصار من أصل 108 مباريات خاضها بصفته ملاكمًا هاويًا قبل مسيرته الاحترافية، ثم كان احترافه لها في عام 1960، وكان عمره 18 عامًا.

 وفي عام 1964م صدم العالم عندما استطاع إقصاء الملاكم "سوني ليستون" عن عرش الملاكمة، وهو لا يتجاوز 22 عامًا.

لقد واجه محمد علي كلاي الكثير من التحديات، ويعد أكبر تحدي عند اعتناقه الإسلام، ففي اليوم التالي من بطولته مع ليستون عام 1964، أعلن محمد علي  كلاي علي الملأ اعتناقه الإسلام أمام كل الجمهور، مما جعل الجمهور لم يكن سعيدًا بالفعل، فهم يعتقدون إن كل من ينضم إلى الأمة الإسلامية هو عنصري ويكون خيبة أمل على بلاده ، فكانوا غاضبون جدًّا.

وظلوا ينادونه باسم كاسيوس كلاي، فالكثير من الأشخاص يعتقدون أن الديانة الإسلامية هي السبب في تحرير العبيد السود، إلا أن بدأوا أن يعتادوا على الاسم الجديد له، وهو محمد علي كلاي.

 وفي قمة انتصاراته في عالم الملاكمة تم سحب اللقب منه في عام 1967م بسبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية في جيش الولايات المتحدة في أثناء حرب فيتنام اعتراضًا منه على الحرب.

في يونيو عام 1967، حوكم محمد علي، وأدين بالتهرب من الخدمة العسكرية، وتم تغريمه 10.000 دولار، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، واستطاع أن يطلق سراحه بكفالة، ولكن كان هناك الكثير من الغضب الشعبي الذي حظر محمد علي كلاي، ومنعه من الملاكمة بل وجرده أيضًا من لقبه في الوزن الثقيل، فقد رأى الكثير من الأشخاص أن محمد علي مراوغًا.

وتعليقًا على رفضه للحرب: "هذه الحرب ضد تعاليم القرآن, وإننا - كمسلمين - ليس من المفترض أن نخوض حروبًا إلا إذا كانت في سبيل الله ورسوله. كما أعلن في عام 1966: "لن أحاربهم - قاصدًا فيت كونج الجيش الشيوعى في فيتنام - فهم لم يلقبونني بالزنجي".

وفي عام 1970، أمرت المحكمة العليا في ولاية نيويورك أن يستعيد محمد علي رخصة الملاكمة من جديد، وفي السنة التالية ألغت المحكمة العليا إدانته من أي شئ نُسب إليه، وهذا كان قرارًا بالإجماع .

هذا الملاكم الشهير حياته مليئة بالإثارة مما جعله واحدًا من الملاكمين الأكثر شهرة في كل العصور، فاعتناقه الإسلام، وقناعته بضرورة رفضه للخدمة العسكرية، ومنعه من الملاكمة مدة تصل إلى ثلاث سنوات، ولكن بالرغم من كل ذلك فإنه لم يتوقف أو يستسلم.

تعجبت كثيرًا وأنا أقرأ قصة هذه الأيقونة العالمية التي أبهرت العالم بإصراره وصبره. على هذه الرياضة العنيفة والمرهقة، إذ تعد الملاكمة من أكثر الرياضات إجهادًا وإيلامًا وأكثر خطورة على حياة ممارسها. وتعجبت أكثر من هذا الشرطي عندما رد عليه بهذه الكلمات الباردة وهو يستشيط غضبًا بسبب سرقة دراجته، ولم يكن يعلم أنه بهذه الكلمات الباردة برغم قساوتها قد أشعلت نارًا لا يخمد أوارها داخل قلب هذا الشاب اليافع، وتعجبت أكثر من طريقة تلقي محمد على لهذه الكلمات ووقعها عليه، وكيف أنها كانت سببًا لأن يفكر بطريقة استثنائية في رياضة الملاكمة ليسجل اسمه بعد ذلك في سجل قل أن ينساه الناس يومًا. ولاينقصي العجب من هذه القصة إذا كيف استثمر هذا الشاب هذه الواقعة المأساوية بالنسبة إليه في حينها، لتكون سببًا في حرف مساره لاتجاه يجيد الخوض فيه.

كم تمر علينا في اليوم والليلة من مواقف مشابهة؟  وربما أقل قسوة من قصة محمد علي وربما أكثر، وكم نستفيد منها، ونوظفها لصالحنا؟

 يقول الباحث زاهد بخاري - وهو زميل في مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون -: "إنه إذا طُلب من المسلمين في جميع أنحاء العالم أن يذكروا أسماء أكثر خمس شخصيات إسلامية محبوبة في القرن الـ20، فإنني واثق من أن هناك شخصيتين ستكونان ضمن الخمس: وهما محمد علي، ومالكولم إكس". ومن مفارقات الأقدار أن مالكولم إكس هو الذي أقنع محمد علي بالتعرف على جماعة أمة الإسلام، وحبَّبه في الدين الجديد.

كم نحتاج في كثير من الأحيان لنعيد قراءة المواقف التي تمر علينا كل يوم، ونعيد توظيفها واستخدامها بما يعود علينا بفهم جديد أو توظيف أكثر نفعًا، فمن يدري ربما بهذه الميزة الاستثنائية نصبح أيقونات في هذا العالم!!

 

خاطرة:

 ما أجمل قول المتنبي

وكل امرئ يولي الجميل محبب

                          وكل مكان ينبت العز طيب

 

المصادر:

1- http://islamstory.com/ar/

2 - الموقع الشخصي للملاكم محمد علي

3 - مقال باسم محمد علي كلاي شخصية القرن الرياضية


عدد القراء: 2538

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-