من أعلام الفكر الإسلامي: الثائر المصلح محمد الخضر حسين 1293 - 1377هـالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-02-15 08:44:55

صبري بن سلامة شاهين

الرياض

ولد  رحمه الله في بلدة نفطة بتونس عام 1293هـ - 1873م من أسرة تهتم بالعلم، ويغلب عليها الصلاح والتقوى. وأصل أسرته من الجزائر من عائلة العمري من قرية طولقة في الجنوب الجزائري، واسمه محمد الأخضر بن الحسين، وغلب عليه اسم الخضر، ويتصل نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم. ولما ناهز الحلم انتقل مع والده إلى العاصمة تونس، والتحق بجامعة الزيتونة أرقى المعاهد الدينية وأعلاها شأنًا في بلاد المغرب العربي، وحصل منها على الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية.

تزوج الخضر أربع مرات ولكنه لم يرزق منهن ذرية.

وقد حباه الله قلمًا سيالاً، قلَّما تجد له نظيرًا في العصور المتأخرة، فأوتي بيانًا ساحرًا، وبلاغة وفصاحة، بل إنه كان يضارع أرباب البيان الأوائل.

وكان ذا همة عالية، ونفس أبيَّة كريمة، وحمية إسلامية، قلَّما تجتمع كل هذه الفضائل في شخصية، وخاصة في ظل لوثات الاستعمار التي لم يسلم منها إلا القليل، فكان هادئ الطبع، حسن المعشر، لَيِّن العريكة، جم التواضع، ذا زهد وقناعة. وكان متفننًا متفوقًا في علوم الشريعة في الأصول، والتفسير، والفقه، ونحو ذلك، وكان إمامًا من أئمة العربية في العصور المتأخرة، وفذًّا من أفذاذ علماء الإسلام .كما وصفه العلامة الطاهر بن عاشور.

وتولى القضاء في مدينة بنزرت عام 1906م، ولكنه وجد في عمله هذا عائقًا يحول بينه وبين الدعوة إلى الإصلاح والجهاد، فتركه واشتغل بالتدريس في جامع الزيتونة أستاذًا للعلوم الشرعية والعربية، كما تولى التدريس في مدرسة الصادقية بتونس.

وأصدر مجلة السعادة العظمى عام 1321هـ، وهي أول مجلة ظهرت في المغرب، ثم أغلقتها سلطات الاستعمار الفرنسي.  لما وجدوا فيها دعوة صريحة إلى التحرر وخلع ربقة المستعمر من أعناقهم، فأثار حفيظة المستعمر، فحكموا عليه بالإعدام لاشتغاله بالسياسة ودعوته إلى التحرير، فما كان منه إلا أن هاجر إلى دمشق مع أسرته عام 1331هـ، وأقام فيها زمنًا تولى فيه التدريس والدعوة، وأعاض الله به أهل الشام بعد رحيل علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي، فكان الخضر من أسباب النهضة العلمية في بلاد الشام.

رحل عدة رحلات إلى الآستانة، وألمانيا، وقد أتقن اللغة الألمانية وكتب عن مشاهداته في برلين ، ثم عاد بعد ذلك إلى دمشق، فلحقته سلطات الاحتلال الفرنسي، فرحل إلى مصر لاجئًا سياسيًّا عام 1920م، والتقى بكبار علمائها ورجالها، وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية مع شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد مصطفى المراغي رحمه الله، وكان هدف الجمعية محاربة الفساد والتحلل والإلحاد، الذي بدأ ينتشر بين الشباب، وقد رأس الجمعية وأصدر مجلة تحمل الاسم نفسه.

واشترك في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، واستلم رئاسة تحرير مجلة نور الإسلام التي يصدرها الأزهر، والمعروفة اليوم باسم مجلة الأزهر. وانضم إلى علمائه، وعين مدرسًا للفقه في كلية أصول الدين، ثم نال الأستاذية في التخصص، وعين عضوًا في مجمع اللغة العربية في القاهرة في بداية نشأته، كما عين عضوًا في المجمع العلمي بدمشق، واختير عضوًا في جماعة كبار العلماء بعد أن قدم رسالته العلمية القياس في اللغة العربية. وصار رئيس تحرير مجلة لواء الإسلام، كما ترأس جمعية  جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية.

ونظرًا لجهوده المباركة في علوم الشريعة واللغة العربية وقع الاختيار عليه عام 1952م ليكون إمامًا لمشيخة الأزهر، فقام بما كلف به خير قيام، ويعد الشيخ الخضر هو آخر عالم تولى الأزهر بترشيح العلماء، ثم أصبح بعد ذلك شيخ الأزهر يعين من قبل الحكومة.

لقد فتحت مصر أبوابها مشرعة في أوائل القرن الرابع عشر الهجري لزعماء النهضة والإصلاح، واستقبلت القادة العظماء فحلوا بها خير محل، وتبوؤا فيها أعلى المناصب، ولقوا فيها الحفاوة والتكريم، فصارت القاهرة كعبة العلماء ومهوى الأفئدة حينًا من الدهر، فاستقبلت محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، ومحب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية المجاهد المعروف، ومحمد الخضر حسين وغيرهم. ولم تكتف بحسن الاستقبال، بل منحت بعضهم الجنسية، وبوأته أعلى المناصب الدينية، فكانت مشيخة الأزهر من حظ الشيخ الخضر حسين لما له من مكانة عالية ومنزلة سامية أهلته للوصول إلى هذه القمة. 

ويعد العلامة الشيخ الخضر من العلماء القلائل الذين جمعوا بين الأصالة والمعاصرة، فتمرد على الكلاسيكية الأزهرية والعقم المنهجي، فكان من المصلحين الكبار الثائرين المتمردين على الأوضاع في البيئة الدينية والسياسية، فموسوعيته الثقافية أهلته ليقود حركته التحررية. فلم يسلم من الاضطهاد فسجنه جمال باشا السفاح لإلقائه الدروس في المدرسة السلطانية بدمشق، ثم خرج وعاد مرة أخرى لإلقاء دروسه بالمدرسة نفسها وكذا الجامع الأموي، ثم أرسلته وزارة الحربية العثمانية إلى ألمانيا مع مجموعة من المشايخ في أثناء الحرب العالمية الأولى لتحريض المغاربة ضد الاستعمار الفرنسي والإيطالي، وفتح مسجدًا في ألمانيا للجنود المسلمين وألقى فيه الدروس والمحاضرات عن الحرية ومناهضة الأعداء، ولما سقطت استانبول بأيدي الحلفاء عاد من ألمانيا إلى تركيا، ثم منها إلى دمشق، ولما سقطت الشام في أيدي الفرنسيين، وقد كانوا حكموا عليه بالإعدام إبَّان تواجده في تونس، فلم يجد بدًّا من السفر إلى مصر، فعمل مصححًا في دار الكتب المصرية بشفاعة أحمد تيمور باشا.

وفي القاهرة أنشأ جمعية تعاون جاليات أفريقيا الشمالية، وفي تلك الأثناء أسقط الهالك كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية، فتطلع الناس إلى بلد آخر تقام فيه الخلافة الإسلامية، فاتجهت الأنظار إلى مصر لتكون مهدًا للخلافة، وفي هذا الوقت ألف علي عبدالرازق كتابه المشؤوم (الإسلام وأصول الحكم) أنكر فيه أن يكون للإسلام سلطة ودولة، فقامت عليه قيامة العلماء والمفكرين وفصل من هيئة كبار العلماء سنة 1925م، واتهم بالزندقة والإلحاد، وحينها ألف الشيخ الخضر كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم)، ونال بهذا الكتاب حظوة عند الملك فؤاد الذي كان يطمع بالخلافة، وعلى صعيد آخر من مساجلاته، فقد اختلف مع طه حسين عندما ألف كتابه (في الشعر الجاهلي)، حيث شمل كتاب طه حسين انحرافات خطيرة، منها اتباعه لأقوال المستشرق الإنجليزي مرجليوث وطعن في القرآن، فاشتد غضب علماء الأزهر على طه حسين، وألف الشيخ الخضر كتابه (نقض كتاب في الشعر الجاهلي)، فكان هذا الكتاب من أهم الردود وأقواها حجة على كتاب طه حسين باعتراف طه حسين نفسه.

وكان مهتما بالشأن التونسي خاصة والشأن المغربي على وجه العموم، فجعل بيته قبلة لهم، وسخر مكانته العلمية والدينية من أجل مساعدة المدافعين عن قضايا المغرب العربي، وكان أهم ما يشغله هو الإصلاح التربوي والاجتماعي والديني.

 وقد ترك آثارًا علمية قيمة، منها: الحرية في الإسلام، ورسائل الإصلاح، والسعادة العظمى، والهداية الإسلامية، ومحاضرات إسلامية، والدعوة إلى الإصلاح، ونقض كتاب الشعر الجاهلي، ونقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، وأسرار التنزيل، والخيال في الشعر، ودراسات في الشريعة الإسلامية، وبلاغة القرآن، وديوان شعر :خواطر الحياة .

زكاه العلامة الشيخ عبدالرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، رحمه الله، وأثنى عليه خيرًا وخاصة بعد أن قرأ بعض مؤلفاته وكتبه، فقال:

تشترك هذه الكتب الستة في قوة الأسلوب، وعلوه، مع سلاسة العبارة، ووضوحها، وسمو المعاني، ودقتها، وإصابة الهدف من قرب بلا تكلف فيها، ولا غموض، ولا حشو، ولا تكرار.

وتشترك في الدلالة على سعة علم المؤلف، وتضلعه في العلوم العربية، والاجتماعية، والدينية، واستقصائه في بحثه، وفي نقاشه لآراء مخالفيه، وأدلتهم، واعتداله في حكمه، وفتاويه.

ويتمثل فيها نزاهة قلم المؤلف، وحسن أدبه، ونبل أخلاقه. ولكن لم يمنعه ذلك أن ينقد الملحدين، ومن انحرفَ به هواه عن الجادة، والصراط المستقيم نقدًا لاذعًا لا يخرج به عن الإنصاف، ولا يتجاوز حد الأدب في المناقشة؛ رعاية لحق مخالفيه، وصيانة لعلمه ولسانه عما يشينه، وسيرًا مع الكتاب والسنة وآدابهما في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فلا جهل، ولا سفاهة، إنما يقابل سيئة خصمه وسبَّه بالحسنة، وغض الطرف عنها.

ويتمثل فيها الصدع بالحق، والكفاح عنه بحسن البيان، وقوة الحجة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، لا يخشى في ذلك لَومة لائم، عماده في ذلك كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودليل العقل، وشاهد الحس، والواقع مع ذكر الشواهد من اللغة، والقضايا التي جرت في العالم.

وقال عنه تلميذه علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار رحمه الله :أستاذنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، عَلَمٌ من أعلام الإسلام هاجر إلى دمشق في عهد علامتي الشام المرحومين: جدي عبدالرزاق البيطار، وأستاذي الشيخ جمال الدين القاسمي؛ فاغتبطا بلقائه، واغتبط بلقائهما، وكنا نلقاه، ونزوره معهما، ونحضر مجالسه عندهما، فَأُحْكِمَتْ بيننا روابط الصحبة والألفة والود من ذلك العهد.

ولما توفي شيخنا القاسمي تغمده المولى برضوانه  أوائل سنة 1332هـ لم نجد نحن معشر تلاميذه مَنْ نقرأ عليه أحب إلينا ولا آثر عندنا من الأستاذ الخضر؛ لما هو متصف به من الرسوخ في العلم، والتواضع في الخلق، واللطف في الحديث، والرقة في الطبع، والإخلاص في المحبة، والبر بالإخوان، والإحسان إلى الناس، فكان مصداق قول الشاعر:

 

كأنك من كل الطباع مركبٌ

                                      فأنت إلى كلِّ النفوس محبَّبُ

 

وأخذنا من ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الأُنُف، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالاً لمقامه، وإعجابًا بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعية، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير.

وقد قرأنا عليه في المعقول والمنقول، والفروع والأصول، طائفة من أفضل ما صنف في موضوعه، وهي لعمر الحق دالة على حسن اختياره، وسلامة ذوقه، وقوة علمه، وشدة حرصه على النهوض بطلابه، وإعدادهم للنهوض بأمتهم.

وله رحمه الله مواقف تكتب بماء الذهب ضد الباطل:

فعندما كان في ألمانيا وفي حضور مدير الاستخبارات، وسأله المدير: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟؟ فرد عليه بتعجب: وماذا يقرر؟! فقال مدير الاستخبارات: إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكمًا للأمم. فرد عليه الشيخ الخضر ردًا مبهتًا يدل على حضور ذهن ووعي بمخططات العدو، فقال له مباغتًا: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام، وقد بين ذلك غاية البيان في فصل عقده في مقدمته الشهيرة.

ومن مواقفه الجريئة أنه رفض دعوة السلطات الفرنسية له أن يكون عضوًا في المحكمة المختلطة، التي تضم قضاة مسلمين وغير مسلمين، فرفض أن يشارك في هذه الجناية حيث يتحاكمون فيها إلى غير ما أنزل الله، لأن المحكمة قائمة في ظل الاحتلال وستخدم مصالحه.

ومن مواقفه القوية والشجاعة والمشرفة حينما طلب منه أحد أعضاء مجلس الثورة مساواة الجنسين في الميراث، فأنذرهم مغبة هذا الصنيع، وحذرهم أنه سليبس كفنه، ويدعو الشعب إلى مناهضة الحكومة وزلزلتها لاعتدائها على حكم من أحكام الله عز وجل، فكف ذلك العضو عما نواه وأراده من تغيير حكم الله وتبديله، فما أحوج الأمة لمثل هذا الرجل ولمثل شجاعته وبسالته ووقوفه في وجه أعداء الملة والدين.

وقد استقال من مشيخة الأزهر عندما حدثت الحادثة العظمى بضم القضاء الشرعي إلى القضاء الأهلي، الذي اخترعه العدو الإنجليزي، وقال قولته الشهيرة: إن الأزهر أمانة في عنقي أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأت أن يحصل للأزهر مزيد ازدهار على يدي، فلا أقل من ألا يحصل له نقص.

ولما جاء وفد من الرئيس جمال عبدالناصر يساومه على دينه، فأجابه قائلاً: قل للرئيس يكفيني من دنياكم كسرة خبز وكوب لبن، وقد ضمنها الله لي، وهذه استقالتي تحت تصرفكم.

وبعد استقالته من المشيخة تفرغ للبحث والمحاضرة حتى وافته منيته، فتوفي رحمه الله عام 1377هـ، 1958م، ودفن في المقبرة التيمورية إلى جانب صديقه العلامة أحمد تيمور باشا رحمهما الله بناءً على وصيته.

وقد مُنح اسمه (وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى)، بمناسبة الاحتفال بالعيد الألفي للأزهر.

لا زالت حياته، وآراؤه، ومؤلفاته، ومواقفه، وسيرته موضع الدراسة، والتحليل. ولا زال العلماء يتلقون كتبه بالعناية، والقبول، والثناء.

سائلين الله تعالى له المغفرة والرحمة وأن ينزله منازل الأبرار والصديقين الأطهار، اللهم آمين.


عدد القراء: 1247

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-