موقف الغرب من القرآن الكريمالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-02-15 08:54:04

د. علي عفيفي علي غازي

أكاديمي وصحفي

لا نجد في الدواوين المخطوطة خلال الستة قرون الأولى من ميلاد المسيح عليه السلام أي إشارة إلى الاتصال بين الأوروبيين والعرب، حتى إذا أهل القرن السابع وقع حدث في الجزيرة العربية جعلها تدريجيًّا محط أنظار أوروبا، تمثل هذا الحدث في ميلاد دين جديد هو الإسلام، ولبعض الوقت ظلت أوروبا غير مكترثة بهذا الحدث الجلل، حتى قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عام 632م، حين أضحت القوة العسكرية الصاعدة والهيمنة التي فرضها الإسلام مصدر قلق للإمبراطورية الرومانية المقدسة، فبعد أن أرسى الإسلام دعائمه في بلاد فارس وسوريا ومصر وتركيا وشمال أفريقيا، تغلب الإسلام على أسبانيا وصقلية وأجزاء من فرنسا خلال القرن الثامن، وشهد القرنان الثالث عشر والرابع عشر امتداد النفوذ الإسلامي إلى الهند وإندونيسيا والصين، وقد أثار هذا الانتشار الخارق للإسلام خوف أوروبا وفزعها.

ومع اندلاع الحروب الصليبية بدأ عهد جديد من الاحتكاك المباشر بين العالم العربي والغرب، فالإفرنج الصليبيون الذين جاؤوا لإنقاذ الأرض المقدسة اعتبروا العرب جنسًا وضيعًا وثنيًّا يتخذون محمدًا إلهًا، ثم بدأوا في الوقوف على بعض الخصائص الرفيعة بالشخصية العربية كالفروسية، والتي لم يستطيعوا منع أنفسهم من الإعجاب بها، كما بدأ ينمو في الغرب فكر جديد واع عن العرب، بيد أن هذا أدى إلى رد فعل جعل الموقف الغربي تجاه العرب والإسلام أكثر عداءً، فقد بدأ الغرب يردد الكثير من اتهاماته السابقة للإسلام، وأتباعه بشكل أكثر ضراوة من ذي قبل.

وفي نهاية القرن السابع عشر انتبهت أوروبا بأسرها إلى تهديد كبير اسمه "الخطر العثماني" في الوقت الذي كان فيه منهج القياس أحد الأمور المسيطرة على عقول المفكرين المسيحيين ممن حاولوا فهم الإسلام، فبما أن المسيح كان أساس العقيدة المسيحية، فقد افترض خطأ أن لمحمد في الإسلام ما للمسيح في المسيحية، ومن هنا كانت التسمية الخاطئة للإسلام بلفظ المحمدية، لقد كان لهذا الاعتقاد الخاطئ أكبر الأثر في تكوين حلقة لم يكن لأي عناصر خارجية مهما بلغ تصورها أن تخترقها، حيث كان المفهوم المسيحي عن الإسلام مكتمل الأركان، ولا يعد أي تصورات مغايرة، ولم تسع أوروبا للتعبير عن الإسلام عن حقيقته بل صورته كما بدا لمسيحي العصور الوسطى.

تحفل كل الكتابات الأدبية الأوروبية عن العرب والإسلام، منذ العصور الوسطى وحتى الحرب العالمية الأولى، التي هزمت فيها أوروبا الدولة العثمانية المسلمة هزيمة ساحقة، بتوجهات عدوانية وتعصبية شبيهة، حيث رأت أوروبا في الإسلام خطرًا حقيقيًّا من نواح كثيرة، فقد كان العالم العربي قريبًا من العالم المسيحي جغرافيًّا وحضاريًّا بشكل يثير القلق، كما أنه قد استند إلى التقاليد اليهودية والهلينية وتضمنت عقيدته بعض العناصر المسيحية ثم إن لديه ما يفخر به من النجاحات العسكرية الفريدة، فقد سيطر على الأراضي المسيحية المقدسة إضافة إلى أن "الشرق الأدنى" (الشرق الأوسط) ظل لأمد طويل يشكل قلب العالم الإسلامي، فمنذ نهاية القرن السابع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى، ظل الإسلام في مختلف أراضيه، من الأرض العربية إلى تركيا والشمال الإفريقي وإسبانيا خطرًا يحدق بأوروبا، فلم يغب أبدًا عن ذهن أي كاتب أوروبي أن الإسلام قد تغلب على روما ذات يوم ودحر المسيحية.

عندما استقر المسلمون في بعض البلاد المجاورة للغرب، وخاصة في بلاد الشام وفلسطين ومصر وبلاد فارس، ثم بعد ذلك في قلب أوروبا في الأندلس، بدأ الاهتمام يتزايد بما جاء به هؤلاء العرب من مفاهيم دينية جديدة تغاير المفاهيم اليهودية والمسيحية المنتشرة في تلك البلاد حتى ذلك الحين، ومن هنا بدأ الغرب في السعي وراء معرفة ما جاء به هؤلاء القادمون من صحراء قلب الجزيرة العربية، لأجل تفسيره التفسير الذي يحقق مصالحه وحاجاته لأجل دحض ما جاء به هؤلاء القادمون الجدد على الخريطة العالمية، ومن ثم تمت ترجمة النص القرآني إلى الكثير من اللغات، واحتوت النصوص المترجمة على تشويه أحيانًا عن وعي، وأحيانًا أخرى عن غير وعي، ولكن هذه الأنواع من الترجمة حملت بداخلها أهدافًا وأبعادًا سياسية بالدرجة الأولى. ولأن القرآن يمثل جوهر الإسلام، فلم تكن محاولة الغرب تفسير وترجمة القرآن الكريم إلا محاولة لتفسير الإسلام، والشرق.

غير أن دراسة ترجمات القرآن الكريم المختلفة، تكشف لنا عن أن هناك تحولات في تفسير النص القرآني اختلفت باختلاف الحضارات والأزمان، التي تمت فيها الترجمة، وذلك بقصد أن تفي بأغراض معينة، ذلك أن كل مترجم هو أيضًا مفسر، ولا يمكن لتفسيره أن يجيء محايدًا أو موضوعيًّا، ولهذا جاءت كل ترجمة محكومة بقيود اجتماعية وحضارية وسياسية معينة، فقد تمت مثل هذه الترجمات من أجل خدمة مصالح وأهداف معينة، ويتضح ذلك من التغيرات التي طرأت على موقف الغرب من القرآن الكريم والإسلام، عبر العصور التاريخية المتطورة.

ففي العصور الوسطى الأوروبية، التي شهدت ظهور الإسلام كقوة سياسية على المسرح العالمي، ثم زحف الإمبراطورية الإسلامية تجاه ثلاث قارات في وقت واحد، وفي مدة زمنية قصيرة نسبيًّا (القرنين السابع والثامن الميلاديين) بدأت تظهر إشكالية موقف أوروبا من الإسلام، كنتيجة لوصول الفتوحات الإسلامية لقلب أوروبا الشرقية، ثم تطورت تلك المواقف إلى مرحلة الصدام عندما فتح المسلمون أسبانيا في القرن الثامن الميلادي، وكان أول رد فعل للمسيحيين الأسبان أساسه عدم معرفتهم بالإسلام، فقد بدا الإسلام للمسحيين في العصور الوسطى نظامًا حياتيًّا ومجتمعيًّا ودينيًّا مختلفًا، وأصبح بالنسبة لهم تحديًّا، ثم أصبح يمثل مشكلة عميقة الأغوار، وصارت معرفة بعض الحقائق عن تلك المشكلة من الأهمية بمكان.

ولما تغلغل الإسلام بين الناس، عمل رجال الدين المسيحي بصفة خاصة على السعي لأجل مناقشة تعاليمه ودحضها، ولهذا لا نتعجب أن تمت أول محاولة لترجمة القرآن الكريم في أسبانيا، وعلى يد رجال الدين أنفسهم، فقام الراهب بطرس المبجل Peter the Venerable بالمحاولة الأولى لإزاحة الجهل الغربي عن القرآن الكريم، في القرن الثاني عشر، بهدف إعلام المسيحيين الغربيين بالإسلام، كمحاولة في مساعدة الإرساليات التي ذهبت لإعادة تنصير الأهالي في الأراضي التي أعيدت للمسيحية، ولهذا عند زيارته لبعض الأديرة الأسبانية في عامي 1141 و1142، قام بإعداد خطة لدراسة القرآن الكريم، وترجمة الكتاب المقدس للمسلمين، وبرغم ادعائه أنه لم يغير شيئًا من المعنى إلا لكي يوضح النص، إلا أنه قام بحذف أجزاء بأكملها، وأخطأ في الترجمة، وأعاد ترتيب السور، وأضاف من عنده ليشرح السور المنفصلة ويصلها ببعضها البعض، واستخلص نتائج لا وجود لها ولا صلة بينها وبين القرآن الكريم البتة.

 وظهرت بعد ذلك ترجمة شبه كاملة للقرآن الكريم في القرن الحادي عشر الميلادي، وهي ترجمة إلى اللغة اللاتينية، اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولجميع مقاطعاتها في أوروبا، وقام بهذه الترجمة في مدينة طليطلة بالأندلس "روبير دي ريتين Robert de Retines"؛ بناء على طلب رسمي من بابا الكنيسة الكاثوليكية في روما خلال زيارته الأندلس ما بين (1141-1143م)، ولم تكن هذه الترجمة أبدًا، ترجمة مخلصة صادقة، وكاملة للنص القرآني، وبرغم عدم تداولها بسبب عدم ظهور الطباعة، إلا أنها ظلت الترجمة الوحيدة حتى القرن الرابع عشر الميلادي، حينما قام "ريمون ليل" بترجمة أخرى للقرآن إلى اللغة اللاتينية أيضًا، غير أنه بعد العثور على ترجمة أخرى باستانبول القديمة بتركيا عام 1543م في مكتبة القديسين المبشرين بالمسيحية بعنوان "القرآن أبيتوم Alcorani Epitome" تبين أن هذه الترجمة لم تكن الوحيدة، ولكن على ما يبدو ظل الجهل بالإسلام وبالقرآن منتشرًا في بعض البلاد الأوروبية إلى أن ازدادت الترجمات في عدة مدن أوروبية مهمة، وفي الأوساط العلمية في إيطاليا، وفرنسا، وهولندا، وسويسرا، حيث ظهرت أولى الترجمات المطبوعة باللغة اللاتينية في مدينة بازل لعام 1543م في سويسرا للمترجم "بيير دي كولني"، ثم إلى اللغة الإيطالية في فينيسيا لمؤلفها "أندريه ريجان" عام 1547م، والتي نسبت القرآن إلى الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم".

وكانت هناك محاولة ثانية لترجمة معاني القرآن الكريم بالأندلس في طليطلة، حيث قام "دون أبراهام" بناء على طلب الملك الفونس العاشر (1252-1248م) بترجمة سورة المعارج إلى اللغة الأسبانية، ومن وقتها أخذت الكنيسة الكاثوليكية تهتم بما جاء به الإسلام، ليس بهدف التعرف على هذا الدين الجديد ودراسته موضوعيًّا، ولكن بغرض دحض هذا الدين الجديد، ومحاربة أفكاره وقيمه، ومفاهيمه، وإقناع الناس بأن الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم" الذي جاء بهذا الدين الجديد ليس نبيًّا، وإنما قام بتأليف القرآن، بعد أن تتلمذ على يد بعض الرهبان والأحبار المسيحيين، وأخذوا يصورون الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم" بأنه المسيح الدجال، مدعي النبوة، وساعده على تأليف القرآن راهب نصراني خبير بفحوى الإنجيل والتوراة.

وعلى أي حال، فإن محاولة الفهم والتقييم العقلي للقرآن الكريم والإسلام من جانب الغرب، لم تجد صدى واسعًا في أوروبا في تلك الحقبة، ومن ثم ضمرت الظاهرة بعد ذلك، ولم تستمر، ولم تظهر ترجمات جديدة حتى بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، ولعل ذلك يرجع إلى تصاعد الخطر العسكري للإسلام، منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، فضلاً عن الهزائم التي لحقت بالحملات الصليبية، كما شهدت بدايات القرن الثالث عشر الميلادي بروز المغول ما بين أعوام 1260 و1290، وظهور الحاجة إلى الوحدة بين العالم المسيحي والإسلام لأجل التصدي لهذا الخطر القادم من منغوليا في قلب آسيا، والمتقدم بسرعة رهيبة تجاه أوروبا، وبات يهدد قلبها.

ثم خفقت الاهتمامات الجادة في الغرب بالإسلام في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بسبب الصراعات الداخلية في أوروبا نفسها، بينما كان إمبراطورية الإسلام قد اتسعت رقعتها إلى حدود الصين والهند، بعيدًا عن أوروبا، الأمر الذي جعل الأوروبيين لا يعودون يرون فيه القوة الخطرة التي تهدد أوروبا، إلا أن خطر الإسلام  على أوروبا عاد مرة أخرى وازداد هذه المرة اقترابًا على يد العثمانيين، الذين أصبحوا محكمين قبضتهم على البلقان، وسقت القسطنطينية عام 1453، وباتت المجر مهددة، ومن ثم بات على الأوروبيين أن يقوموا باحتواء هذا الخطر الإسلامي العائد هذه المرة بقوة، والعمل على تحجيمه، فظهرت عدة محاولات لترجمة القرآن الكريم، قام بها كل من: جون السيجوفي John Of Segovia، ونيكولاس القوصي Nicholas Of Cusa، واينياسس سيلفياس Aeneasis Silvius، وجون جيرمين Jean Germain.

وبعد اختراع الطباعة عام 1450، انتشرت ترجمات القرآن، بلغات أوروبية مختلفة، ومنذ ذلك الحين تتابعت الترجمات، فظهرت الترجمة الإيطالية عام 1547، وكانت أول ترجمة إلى لغة أوروبية حديثة.

وخلال القرن السادس عشر كان الإسلام ما زال قوة عالمية، إذ كان قد تم إنشاء ثلاث إمبراطوريات إسلامية: العثمانيين في آسيا الصغرى وشرق أوروبا، والصفويين في إيران، والمغول في الهند، وكان خطر العثمانيين هو أشد الأخطار بالنسبة لأوروبا المسيحية، وكان ارتقاء السلطان سليم الأول العرش بداية لسلسلة هجمات تركية على المجر والنمسا، فتم له فتح بلغراد عام 1521، وحوصرت فيينا عام 1529، وبحلول عام 1541، كان جزء كبير من المجر تحت الحكم العثماني، وفي عام 1542 بات سقوط ألمانيا قاب قوسين أو أدنى، الأمر الذي دفع الكثير من الكتاب ورجال الدين الغربيين إلى الاعتقاد بقرب نهاية العالم.

وفي هذا الجو من اليأس والإحباط ظهر "تيودور بييليت ندر"، ليرى أنه في الإمكان تحقيق الخلاص للبشر جميعًا، وعليه أن يعمل على تحويل المسلمين عن دينهم، ولكي يهيئ نفسه لتلك المهمة، قرر أن يدرس الإسلام، ثم قام بمحاولة لترجمة القرآن الكريم، لكن القادة الدينيين احتجوا على طبع الترجمة بوصف القرآن أنه كتاب شرير وأنه من عمل الشيطان، ولابد من طمسه خشية خطره على أرواح الناس، وبالرغم من هذا الاعتقاد فقد سمح له بالنشر، بعد كتابة تحذير في أولى صفحاته يدين محتواه.

ومنذ منتصف القرن السابع عشر بدأ اهتمام بعض الدبلوماسيين الأوروبيين الذين عاشوا في البلاد الإسلامية بدراسة اللغة العربية وبدراسة كتاب المسلمين في بلاد الشرق، وبدأت تظهر مؤلفات جديدة، وبرزت ظاهرة أدبية أطلق عليها فيما بعد "الاستشراق Orientalisme" فظهرت عدة ترجمات للقرآن الكريم باللغة الفرنسية، ولعل أولها ترجمة "أندريه دو ريير" عام 1647، الذي كان قنصلاً لفرنسا في مصر بين أعوام 1647و1775. وفي القرن الثامن عشر ظهرت بفرنسا واحدة من أكثر الترجمات الفرنسية انتشارًا وشهرة، وهي ترجمة الكونت "دي بولتفيليه"، التي صدرت عام 1730، تلك الترجمة التي انتقلت إلى معظم اللغات الأوروبية بالرغم من عدم دقتها العلمية، ولا أمانتها التي ندد بها بعض علماء عصر التنوير، وخاصة في إنجلترا، التي ترجم القرآن بها إلى اللغة الانجليزية في بداية القرن الثامن عشر. وفي عام 1783 ظهرت بفرنسا ترجمة مهمة بالفرنسية لكلود سافاري عام 1783، الذي عاش في مصر خمس سنوات ليتعلم اللغة العربية ويترجم القرآن، وكانت هذه الترجمة الوحيدة التي نقلت عبقرية الأسلوب والصيغ للنص الأصلي.

وظهرت أول ترجمة إلى اللغة الإنجليزية على يد ألكسندر روس عام 1648، من خلال ترجمة "أندريه دو ريير" الفرنسية، ومن ثم لم تكن هذه الترجمة دقيقة، واحتوت على أخطاء كثيرة، ومغالطات واضحة عن الإسلام.

ومنذ بداية القرن الثامن الميلادي اهتم المؤلفون البيزنطيون في نقدهم للإسلام بنقاط أساسية فقط، مثل الرؤية الإسلامية للمسيحية وللسيدة مريم العذراء، ولنظرة الإسلام للحياة الجنسية، وخاصة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الجنسية، وغياب أي معجزات للنبي محمد، ولعل أولى الكتابات عن القرآن ونبي الإسلام ترجع إلى القرن التاسع الميلادي للراهب نيسيتاس البيزنطي، والراهب برتليمي دي داس، وركزا في كتاباتهما على النقاط الضعيفة التي هي حسب رؤيتهما المقولة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المسيح الدجال الذي يدعي النبوة، وأنه نقل القرآن عن الكتب المسيحية واليهودية، وأنه مزواج ويحب الملذات والنساء.

وفي القرن العشرين ظهرت كثير من الترجمات للقرآن الكريم باللغات الأوروبية، واتسم أغلبها بالحيادية، وتخلص المترجمون الأوروبيون من عقدة "دحض ومحاربة الدين الإسلامي، وتشويه صورة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم"، بل حاول أغلبهم نقل النص القرآني بأمانة وصدق، ودقة علمية ولغوية، مع بعض الشروحات الجانبية للمزيد من التوضيح.

وظهرت في أواخر القرن العشرين أحدث الترجمات للمترجم الفرنسي المشهور "جاك بيرك" عام 1990، وترجمة الكاتب اليهودي "أندريه شواركي" في العام نفسه، وقد أحدثت كل منها ضجة في العالم الإسلامي والغرب، وخاصة بالقاهرة، حيث أمر شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق بتشكيل لجنة علمية عام 1995؛ لمراجعة ترجمة "جاك بيرك"، وخلصت اللجنة إلى أن هذه الترجمة غير أمينة واعتبرتها محرمة، واتهمت مؤلفها بالجهل باللغة العربية، بالرغم من أنه كان عضو في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لمدة عشرين عامًا.

وربما أحدث ذلك صحوة من جانب المترجمين المسلمين فشهد القرن العشرين بعض الترجمات من قبل المسلمين، والتي بدأت عام 1936؛ عندما أصدر مجلس الوزراء المصري قرارًا رسميًا بموافقته على ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمة رسمية تقوم بها مشيخة الأزهر بمساعدة وزارة الأوقاف العمومية، وذلك وفقًا لفتوى جماعة كبار العلماء أساتذة كلية الشريعة، وكانت مشيخة الأزهر برئاسة محمد مصطفى المراغي، الذي كان أيضًا رئيس لجماعة كبار العلماء التي أصدرت قرارها بالموافقة على ترجمة معاني القرآن الكريم.

وكانت هذه أولى المحاولات من قبل المسلمين في محاولة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية، ثم الألمانية، والأسبانية، والفرنسية، والإيطالية، وفيما بعد لمعظم لغات العالم.

وقد حرص المترجمون على إبراز معاني القرآن الكريم متجاهلين القواعد اللغوية للغات التي يترجمون إليها، فخرجت بها أخطاء لغوية ونحوية كثيرة، ليعتقد قراء هذه الترجمات أن هذه الأخطاء موجودة في القرآن نفسه، وليست من وضع المترجمين المسلمين الذين كان أغلبهم لا يجيد اللغة الأجنبية التي يترجم لها إجادة تامة، وكان اهتمامهم منصبًا على المعنى والمغزى والآيات فأهملوا الناحية اللغوية على حساب المعنى.

وخلاصة القول بالرغم من التقدم الذي أحرزته ترجمات القرآن الكريم في القرن العشرين، حيث ظهرت عدة ترجمات احترم مؤلفوها النص القرآني، وبذلوا مجهودًا كبيرًا للحفاظ على معانيه وتناسق قوامه، فإن بعض العلماء المسلمين الذين أنجزوا بعض هذه الترجمات من العربية إلى اللغات الأوربية اتهموا المستشرقين من العلماء غير المسلمين الذين ترجموا القرآن بالجهل، وعدم الأمانة، والدقة العلمية، وعدم الموضوعية، بالرغم من ظهور عدة ترجمات في القرن العشرين من قبل بعض المستشرقين التزمت الموضوعية والدقة والأمانة العلمية واللغوية.

وفي رأينا إن أفضل ترجمة للقرآن الكريم إلى لغة أجنبية هي التي يقوم بها عالم عربي مسلم، ويقوم بمراجعتها خبير لغوي في اللغة الأجنبية المترجم إليها القرآن الكريم، حيث يؤكد التحريف والتبديل الذي تم في الكثير من الترجمات حاجتنا الماسة إلى ترجمة صحيحة تراجع لغويًّا لتخلوا من الأخطاء النحوية يعتمدها الأزهر الشريف، وهيئة كبار العلماء وأساتذة الجامعات، لتكون مرجعًا لكل الترجمات التي ستنبثق منها إلى غيرها من اللغات الغربية.

وبعد فهذه محاولة لنبش خبايا الماضي، وتوضيح موقف ودور الغرب من كتابنا المقدس، لأجل محاولة التفسير والمعرفة، بهدف توظيف العقل في دراسة أنفسنا ودراسة الغير، لنكتشف الطريق إلى تغيير واقعنا والسيطرة عليه، إننا نستطيع مثلاً إعادة كتابة تاريخنا، وتاريخهم في منطقتنا كتابة موضوعية موثقة بدلاً من الاعتماد على ما يكتبه لنا الآخرون، وأن نستغل الثورة المعلوماتية، لنحاول إبلاغ صوتنا المنادي بما فعله الغربيون تجاه الإسلام من عداوة لها جذور وتاريخ قائم منذ مئات السنين، وبهذا لا نقع فريسة لما يرددون من يد السلام والحوار مع الإسلام والمسلمين، لأننا بذلك نحقق الفرصة التاريخية للآخر لفرض هيمنته وسيادته في النهاية، حتى لا يبقى لنا غير  السقوط الأخير.

 

المراجع:

1. إدوارد سعيد: الاستشراق، ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981).

2. روبن بدول: الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، ترجمة عبدالله أدم نصيف، (الرياض: المترجم، 1989).

3. فهد بن عبدالرحمن بن سليمان الرومي: نقل معاني القرآن الكريم إلى لغة أخرى، أترجمة أم تفسير؟، (الرياض: المؤلف، 1424هـ).

4. محمد همام فكري: أوائل ترجمات معاني القرآن الكريم في اللغات الأوروبية، (الدوحة: مكتبة التراث العربي والإسلامي، 2011).

5. محمود حمدي زقزوق: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، (الدوحة: كتاب الأمة، 1404هـ).

6. منير الفندري: "ترجمتان ألمانيتان للقرآن في عصر التنوير"، مجلة فكر وفن، العدد 54، (1992).

7. أكرم ضياء العمري:  الاستشرق والقرآن، (الدوحة: روايا للدراسات والبحوث، 2013).


عدد القراء: 1938

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-