الثقافات الوافدة والعولمة والهوية العربيةالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-05-19 00:02:02

أ.د. عبد المقصود حجو

أستاذ زائر بالجامعات المصرية والعربية - مصر

1. عام

تجابه الأمة العربية – في مستهل القرن الحالي – بالكثير من التحديات في شتى الميادين سواء الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وتأخذ هذه التحديات الطابع المضاد والعنيف لمسيرة الأمة العربية للحد من تقدمها ومحاولة النيل منها.

 ويأتي دور- الثقافة العربية – على رأس القائمة وذروة الأطماع الأجنبية للتأثير عليها وطمس هويتها واستبدالها بالوافد من الثقافات الدخيلة والغريبة.

ولأن الثقافة العربية – تمثل الروح من الجسد – فتحاول القوى الطامعة تغييرها وطمس هويتها وتهميشها ورفع شأن الثقافات الأخرى, ليسهل لها بعد ذلك التأثير والاستحواذ على الكيان العربي كله, فنرى الآن شبابًا عربيًّا لا يعلم من ثقافته إلا النذر اليسير, بيد أنه على الجانب المقابل يعي ويفهم الثقافات الوافدة، بل الأدهى أنه يتباهى بهذه الثقافات الدخيلة.

ولذا باتت- العربية – العمود الفقري للثقافة العربية غريبة في أوطانها لا تجد من يتقنها أو يحسن التعبير والتحدث بها, بل ولا تجد من يتفاخر بالانتساب إليها.

إن عصر السموات المفتوحة – قد دخله العرب – رضوا أم أبوا، والواجب أن يتنبهوا قبل فوات الأوان للاهتمام: –جل الاهتمام– بالعربية وتعويد النشء الصغير على اللسان العربي المبين– لكي يتعود منذ نعومة أظفاره على حب العربية وينهل من معينها الذي لا ينضب, فيشب سليم اللسان والروح لا تتقاذفه التيارات الواردة والشاردة.

  وكيف لا وقد كان حكام الدولة الإسلامية فى عصورها الزاهرة يتفاخرون بأن أولياء عهدهم لا يلحنون في العربية، وإن كانت الأخرى يذهب ولي العهد للبادية ولا يعود منها حتى يستقيم لسانه.

وها هي الدعوات - تستنجد وتستغيث - من أحد الأقطار العربية التي تتعرض لردة ثقافية بصيحات الاستنكار والتحذير بات ضياع العربية في هذا البلد أشد خطرًا على الأمة من ضياع الأندلس ونكبة فلسطين.

إن الثقافة العربية هي ذاكرة الأمة ورأس الأمر وسنامه فهل تجد من يتصدى للذود عنها والدفاع المستميت عن هويتها.

شهد القرن الحالي – الحادي والعشرون – التغييرات الحادة والمتلاحقة على الأصعدة الدولية والعربية مما كان لها الآثار العميقة القريبة والبعيدة على السواء.

ولسوف تترى هذه التغيرات على المستوى العربي مما قد يصيب الجسد العربي الواهن بالضعف لأمد طويل ما لم تكن هناك صحوة عربية تأخذ بأسباب القوة وعوامل الجد ومعطيات القدرة ومفجزات الطاقات الكامنة في الجسد العربي لتعيد آليه شبابه وحيويته وتزيل عن كاهله ما ران عليه من عوامل التخلف وتمسح عن وجهه تراب النوم والسبات العميق، لكي يعوض ما فاته ويلحق بركب الحضارة المرتقب في عالم الغد القريب المشرف.

ولعل – اللغة العربية – لها دورها الرائد في هذه الصحوة الوليدة، لتكون الشريان الرئيسي والرافد الأول لركب الحضارة المنشود، وتتعرض اللغة العربية لهجمة شرسة وافدة وغريبة عليها لم تشهدها من قبل، قادمة إليها من رؤوس الدول الغربية، التي رزحت تحتها الدول العربية طويلاً.

ولما كانت الدول الاستعمارية لم تستطع أن تفت في عضد الدول العربية بعد رقادها الطويل بالاحتلال العسكري تارة والتبعية الاقتصادية تارة أخرى لجأت لما هو أخطر من ذلك، فابتدعت الهجمة الثقافية واللغوية بطمس اللسان العربي المبين عن طريق السموات المفتوحة والكتب الوافدة والبرامج الموجهة.

فأدخل في العربية ما ليس فيها من ألفاظ غريبة تجرح القلب والروح قبل الأذن.

وصارت هناك لغة ثالثة لا هي بالعامية الدارجة أو الفصحى، بل هي خليط من العربية والأجنبية، وأفصح الغرب عن نياته ومقصده وهو تواري - لغة الضاد - أمام الثقافات والإذاعات والبرامج الموجهة لمحاولة كسب الجولة الأولى، وأحسبه قد نال بعض الأهداف في هذا المضمار.

2.العربية كرافد للهوية العربية 

 لا شك أن اللغة – أي لغة – هي من الروافد الأساسية لتوحيد الثقافة والمفاهيم، ووسيلة ضرورية لبناء المجتمع وترابطه وبناء حضارته ومن ثم فإن اللغة من أهم عوامل البناء ورقي الحضارات.

ولقد لعبت – العربية – في الأمس الدور المحوري في الأمة العربية عبر تاريخها الطويل، ولم تعرف الحضارة الإنسانية حتى الآن أمة صاغت تاريخها ومستقبلها من خلال اللغة مثل ما فعلت الأمة العربية.

فقد عمدت لتاريخها وحضارتها فسجلتهما من خلال الكلمة وباتت للكلمة هذه المكانة الرفيعة المتميزة، فأصبح للكلمة أسواق يعرض فيها الجيد من الأشعار في عكاظ وذي المجنة، ويختار منه الأرقى شعورًا والأفضل وزنًا وقافية، فيعلق على أقدس مقدساتهم في الكعبة المشرفة.

وكان ميلاد شاعر بقبيلة يعادل ألف فارس، لما للكلمة من تأثير في النفوس سواء للعدو أو الصديق، وقد برع العرب في قرض الشعر مبلغًا عظيمًا، حتى باتت النساء يقرضنه ويتفوقن فيه، وكيف لا وها هي الخنساء تقول في رثاء أخاها صخرًا :

             رفيع العماد طويل النجاد

                                            كثير الرماد إذا ما شتا

وكيف لا يكون  للكلمة هذا التأثير وتلك المكانة، وهي محور حياتهم في البيداء، ورأس الأمر في الحل والترحال، ولقد أسهمت العربية في تسجيل مختلف الأنشطة الحيانية للعرب عبر القرون البعيدة والأزمان السحيقة، ولولا العربية لما انتقل إلينا هذا التراث الزاخر الوافر من الحضارة الإنسانية.

ويعزو  للعربية – الآن العديد من المهام التي تناط بها في عالم يموج بالثقافات الدخيلة الوافدة، منها الآتي:

- توحيد الثقافات العربية في بلدانها المختلفة من المحيط للخليج.

- بنيان الكيان العربي الواحد في تحد جلي للكيانات الأجنبية.

- إيجاد جو علمي في المدارس والمعاهد والجامعات بما يسهم في حركة التقدم والعمران العربية. 

- إنشاء كيان بحثي علمي في العلوم الحديثة للمنافسة في سوق البحث العلمي الحديث.

- عمل سياج واقي ضد الثقافات الواحدة والدخيلة.

- حماية التراث والموروثات العربية عبر التاريخ.

- الزود عن العقائد الدينية من دعاوي الإلحاد والانحلال الخلقي.

- إيجاد مناخ عربي عام باستخدام العربية لغة حياة ومعايشة، على أن تلتزم جميع الدول العربية باستخدام العربية في المراسلات بينها أو داخل الدولة.

ومن العجيب أن ترى بعض أولياء الأمور يجاهدون جهادًا مستميتًا لدخول أولادهم مدارس أجنبية تعتني باللغات الأجنبية كأسبقية أولى واللغة العربية أسبقية ثانية، فينشأ الجيل مجيدًا للغة الأجنبية وغير متقنٍ للغة الأم، ويضيعون الأموال الطائلة في سبيل ذلك.

ويكون هذا أول معاول الهدم في جدار العربية الشامخ، ففي بريطانيا مثلاً لا يستطيع أي إنجليزي أن يدرس لابنه لغة غير الإنجليزية إلا بعد أن يجتاز المرحلة الثانوية، حتى يشب لسانه على التمكن من اللغة الأم، ما هذا الذي يحدث في مصر والدول العربية .. وفي وسائل الإعلام ودور العلم والجامعات أصبحت تهتم باللغات الأخرى على حساب العربية.

إن التركيز على العربية ليس ترفًا أو وجاهة بل هو قضية أمن وأمان للأمة العربية من أقصاها لأقصاها فمن يشب على حب لغته الأم يشب مقدسًا ومحبًّا لأرضه ووطنه.

وكما تقول الأمثال:

"فإن المقدمات الخاطئة تؤدي لنتائج خاطئة "وبدأنا نسمع لأول مرة عن بعض الشباب المصري الذين غيروا جنسيتهم لجنسيات أخرى، وبدأنا نسمع ما يقال عن عودة الإنتماء لمصر، لأول مرة منذ آلاف السنين، لماذا هذا المحتوى المريب والغريب ..

أهي ردة عن الحب لمصر وللعروبة والإسلام.. 

لقد أتت إذن الهجمات الثقافية الوافدة ثمارها وأورقت أشجارها ..

وباتت العربية غريبة في ديارها، إن الخطب لفادح والحادث لجلل .. ما لم يتدارك الأمر قبل فوات الأوان.

3. صراع اللغات أم الحضارات

خرجت علينا منذ مدة أبواق الدعاية الغريبة بتلك الصيحات المتعاقبة بخطر كل ما هو عربي أو إسلامي، وإن الخطر الداهم على الحضارة الغربية هو من جانب العرب والمسلمين.

ولم يكن لهذه الدعاوى ما يبررها إلا الحقد الدفين ضد العربية أساسًا والكتب المقدسة، وأصبح العرب مصدر التهديد بين عشية أو ضحاها دون سبب واضح أو معقول.

وهل قامت الحضارة الغربية الحديثة إلا على أساسيات الحضارة العربية.

وقد قال معظم المستشرقين الأوربيون أن: فضل الحضارة العربية على أوربا لا ينكر ولولاه لما قامت هذه لحضارة أساسًا، ولقد قال "جوستاف لوبون" إن الحضارة الغربية قد استمدت علومها من الحضارة العربية.

إن العرب قد أسهموا إسهامًا عظيمًا في الحضارة الإنسانية في شتى فروع العلم والمعرفة، وما زالت آثارها باقية في مدن أسبانيا والبرتغال والهند خير شاهد على ما قدمته العربية وتقدمه لحضارة عالم اليوم.

بل إن الأبحاث العلمية التطبيقية الحديثة على شبكة المعلومات بأسماء عربية في ما يزيد عن 75% من هذه التقنيات المتقدمة. 

إذن فليس هناك كما يدعي بعض الغرب عن صراع للحضارات، بل هو تكامل لهذه الحضارات في أسمى معانيه، لتكتمل منظومة الحضارة الحالية والمستقبلية.

ويقوم المد الحضاري العربي الآن على استلهام القيم من لغة الضاد – لغة القرآن الكريم – التي اختارها العلي القدير دون سائر اللغات لينزل به كتابه الكريم هاديًا البشرية في كل مكان وزمان.

4. دعائم الهوية العربية

إن اللغة العربية – تلعب دورًا أساسيًّا ومتناميًا في الحفاظ على الثقافة والتراث العربيين، بل وقبلهما على الهوية العربية.

فليست اللغة وسيلة تخاطب ومعايشة، بل هي كيان جامع للشعوب وبوتقة تنصهر فيها الآمال والتطلعات والرؤى لماضي عتيد ومستقبل مشرق.

ولقد كان للعربية عبر أحقاب المحن التي ألمت بالجسد العربي دور الحامي والمدافع عن هذا الجسد ليسترد عافيته ونضارته.

لقد احتل الغرب (الإنجليز والفرنسيين) عالمنا العربي مئات السنين، وحاولوا طمس الهوية العربية وإحلال هوياتهم وقوانينهم وثقافاتهم بدلاً من الهوية العربية، فما وجدوا لذلك سبيلاً، ولقد أوفد السيد (دنسلوب) الإنجليزي في مهمة في عام 1896م للقاهرة لمحاولة طمس معالم هذه الثقافة العربية وربطها ببريطانيا، فكان تقديره أنه طالما هناك قرآن كريم يدرس بالعربية فلن تستطيع بريطانيا العظمى آنذاك أن تنفذ خطتها ربط مصر ببريطانيا، وقد كان أن رحلت بريطانيا عن مصر وفرنسا عن الجزائر بفضل التمسك بالعربية.

5. الخلاصة

 إن التمسك بالعربية اليوم وغدًا أضحى أكثر ضرورة وأدعى إلحاحًا من أي وقت مضى – بسبب تقدم تكنولوجيا الاتصال والإعلام والانتشار السريع والسهل للثقافة الوافدة الدخيلة.

لذا يجب الحرص – كل الحرص – على الاهتمام بالعربية ليس في معاهد ومدارس التعليم فقط بل بوصفه أسلوبًا للتعامل والتعايش.

لقد أحسنت- الإمارات العربية - بإصدار تشريع صارم بعدم استخدام الأسماء الأجنبية تحت أي مسمى، ومن يخالف ذلك يتعرض لمسائلة ومحاسبة عسيرة. 

إن الحفاظ على العربية – قضية جد خطيرة، وتمتد آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الجسد العربي، فيجب الحذر والإنتباه لبرامج تعليم وتدريس العربية، حيث إنها ترتبط بقضايا الأمن القومي العربي في المقام الأول.

 

المراجع:

1 - تقرير التنمية البشرية الصادر من الأمم المتحدة 2010م.

2 - مطبوعات وزارة الثقافة جمهورية مصر العربية 2012م.

3 - بعض مواقع شبكة المعلومات الدولية.


عدد القراء: 1349

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-