بين فلسفتين: بين تأليه الله وتأليه الإنسان 3الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-08-19 02:04:29

أ.د. مهند الفلوجي

لندن

السبعة الذين صاغوا فلسفة الغرب وحكموا العالم (تتمة)

 

تقوم نظرية دارون على أصلين، كل منهما مستقل عن الآخر:

1 - المخلوقات الحية وجدت في مراحل تاريخية متدرجة لا دفعة واحدة، وهذا الأصل من الممكن البرهنة عليه.

2 - هذه المخلوقات متسلسلة وراثيًّا ينتج بعضها عن بعض بطريقة التعاقب خلال عملية التطور البطيئة الطويلة. وهذا الأصل لم يتمكنوا من البرهنة عليه حتى الآن لوجود حلقات مفقودة في سلسلة التطور الذي يزعمونه.

ويزعم جُليان هكسلي (داروني ملحد، ظهر في القرن العشرين): أن الإنسان قد اختلق فكرة الله إبان عصر عجزه وجهله، أما الآن فقد تعلم وسيطر على الطبيعة بنفسه، ولم يعد بحاجة إليه، فهو العابد والمعبود في آنٍ واحد. 

كان الناسُ (قبل دارون) يدعون إلى حرية الإعتقاد بسبب الثورة الفرنسية، ولكنهم بعد دارون أعلنوا إلحادهم الذي انتشر كالنار في الهشيم من بريطانيا إلى أوروبا إلى بقاع العالم.

 ولم يعد هناك أي معنى لمدلول: آدم، وحواء، والجنّة، والشجرة التي أكل منها آدم وحواء، والخطيئة (حسب اعتقاد النصارى بأن المسيح قد صُلب ليخلّص البشرية من أغلال الخطيئة الموروثة التي ظلت ترزح تحتها من وقت آدم إلى حين صلبه). وما عاد الإنسانُ سيّد المخلوقات، فهو ليس مُكرّمًا ولا هو خليفة الله في الأرض. ومن هنا صارت قارة أفريقية فجأة هي أصل ظهور الإنسان (لتُطابق نظرية دارون)، بل وظهرت أفلام سينمائية تدعمه تدور حول مملكة القردة (The Planet of the Apes) التي تتصارع مع الإنسان الذي يستعبدها في أقفاص التجارب الحيوانية، وحول(Rise of the Planet of the Apes)  كأسيادٍ للأرض بدل الإنسان!!! وغيرها كثيرمن الخيال الغريب.  ولم تعد هناك غاية من وجود الإنسان ككائنٍ متفرّد، لأن دارون قد جعل بين الإنسان والقرد نسبًا، وزعم أن الجدّ الحقيقي للإنسان هو خلية صغيرة عاشت في مستنقع آسن قبل ملايين السنين!!!  وصارت عبادة الطبيعة هي البديل عن عبادة الله، فقد قال دارون: "الطبيعة تخلق كل شيء ولا حدّ  لقدرتها على الخلق".  و"إن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله هو بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت"!!! قال تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) الجاثية:24.

آثار نظرية دارون: وجدت النظرية مناخًا مناسبًا إذ ولدت بعد زوال سلطان الكنيسة والدين، وبعد الثورة الفرنسية والثورة الصناعية حيث كانت النفوس مهيأة لتفسير الحياة تفسيرًا ماديًّا بحتًا، بعيدًا عن تفسيرات اللاهوت الكنسية. وسرعان ما شملت معظم فروع المعرفة الإنسانية من علمية وأدبية، بل وحتى فرضوها لتفسير نظام الحياة والكون، الذي يسير بدقة متناهية بتدبير الحكيم (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) طه:50. ولم يوجد في التاريخ البشري نظرية باطلة صبغت مناحي الفكر الغربي كما فعلت نظرية النشوء والارتقاء الدارونية. لقد شكّلت نظرية دارون حجر الزاوية لـ "ماركس" الذي استمد منها مادية الإنسان، وجعل مطالب حياته تتمحور وتنحصر في (الغذاء والسكن والجنس)، مهملاً بذلك جميع العوامل الروحية والنفسية. وكانت نظرية دارون إيذانًا لميلاد نظرية فرويد في التحليل النفسي، واستمد فرويد منها حيوانية الإنسان، فالإنسان عنده حيوان جنسي، لا يملك إلا الانصياع لأوامر الغريزة، وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب. والتطور عند فرويد أصبح مفسِّرًا للدين تفسيرًا جنسيًّا: "الدين هو الشعور بالندم من قتل الأولاد لأبيهم الذي حرمهم من الاستمتاع بأمهم، ثم صار عبادة للأب، ثم عبادة الطوطم، ثم عبادة القوى الخفية في صورة الدين السماوي، وكل الأدوار تنبع وترتكز على عقدة أوديب".

وقد عارض العلماءُ بشدة دارون ونظريته: فانتقدها كريسي موريسون بقوله: "إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئًا عن وحدات الوراثة (الجينات)"، وهي التي تحافظ على بقاء النوع وديمومته بلا تغيير وتطوير لنوع آخر.  وناقش أنتوني ستاندن (مؤلف كتاب: العلم بقرة مقدسة) الحلقة المفقودة (الثغرة بين نوع وآخر)، فيقول: "إنه لأقرب من الحقيقة أن تقول: إن جزءًا كبيرًا من السلسلة مفقودة وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة ذاتها". وأبطل باستور أسطورة التوالد الذاتي، وكانت أبحاثه ضربة قاسية لنظرية داروين.

وحين اضطرب أصحاب الدارونية الحديثة أمام النقد العلمي، خرجوا بأفكار جديدة  لإحياء الدارونية بعد تحطمها أمام علم الجينات فاستبدلوا آلية التطور بقانون "الطفرات الوراثية المفاجئة"، وجاءوا بفكرة "المصادفة". وقد أُجبِروا على الإقرار بتفرّد الإنسان بيولوجيًّا عن القرد، برغم التشابه الظاهري بينهما (وهذه ضربة أخرى لـدارون ومعاصريه التابعين). الحقيقة، أن الدارونية أثارت تساؤلات عديدة أكثر مما أعطت من حلول وإجابات.

اقترح ابن عم دارون فرانسيس كالتون Francis Galton   1822- 1911 في عام 1865 وعام 1869 قيام علم تحسين النسل (سمّاها: يوجينيكس Eugenics). وكلمة يو- جينيكس مشتقة من الكلمة الإغريقية: يو (بمعنى جيّد) ولاحقة: جينيكس (استيلاد الجنس) التي استحدثها السير فرانسيس كالتون عام 1883 وعرّفها أنها «دراسة جميع القوى الإدارية تحت السيطرة البشرية لتحسين أو إضعاف نوعية العرق البشري لأجيال المستقبل».  وقد قرأ دارون كتابات ابن عمه (كالتون) بشغف، حتى إنه كرّس فصولاً في كتابه (أصل الإنسان) لمناقشة نظريات كالتون.

لقّنَ اللهُ دارونَ درسًا في (المرض والموت)! اللذين لم يحسب دارون حسابهما في نظريته، إذ توفى اللهُ ثلاثة من أولادَه العشرة صغارًا الواحد  تلو الآخر (أولى بناته: آن اليزابيث دارون ماتت بالسل وعمرها 10 سنين، ثاني بناته: ماري إليانور دارون عاشت 23 يومًا فقط، وآخر أبنائه العشرة شارلس ورينغ دارون وُلِد مصابًا بمتلازمة: "داون" ومات بالحمى القرمزية بعد 18 شهرًا من ولادته)، رغم تمشدق دارون بتحسين النسل وبقاء الأصلح والإنتقاء الطبيعي!!! 

ناقش كالتون في أنه مثلما تتوارث المواصفات الجسدية الفيزيائية بوضوح في الأجيال البشرية، فكذلك الصفات العقلية (كالعبقرية والموهبة). وناقش كالتون في أن أخلاقيات المجتمع يجب أن تتغير حتى تكون عملية الوراثة قرارًا واعيًا مقصودًا، من أجل تفادي التوالد الكثير لأفراد المجتمع «الأقل صلاحية وكفاءة» والتوالد القليل للأفراد «الأكثر صلاحية وكفاءة». وفي رؤية كالتون، فإنّ المؤسسات الاجتماعية، مثل: ملاجئ المعوقين ومصحات المجانين إنما تسمح ببقاء وديمومة البشر الرديء الدون بمستويات أسرع من البشر المتفوق في المجتمع الجدير بالاحترام، وإذا لم تُتّخذ إجراءات التصحيح، فإنّ المجتمع سرعان ما يكون غاصًّا بالرديء الدون.

والفقرة الآتية لـ مالثوس توضح تأثيره في كالتون، حيث يقول مالثوس (في كتابه «مقالة في مبدأ التكاثر السكانيّ» عام 1798، الفصل التاسع، ص 72) وهو يقترح طرائق تربية الحيوان التي يمكن تطبيقها على الإنسان، قبل فكرة فرانسيس كالتون التي سمّاها من بعد «يو- جينيكس» (تحسين النسل) عام 1883:

(لا يبدو...على أي حال أنّ الاهتمام بتوليد سلالة محسنة بعض الشيء (بما يشبه استحداثه في الحيوانات) أمرًا عسيرًا لا يمكن استحداثه بين بني الإنسان. قد يكون انتقال الذكاء أمرًا مشكوكًا فيه؛ لكن مواصفات الضخامة، والقوة، والجمال، والبشرة، وربما طول العمر يمكن نقلها إلى حدٍ ما... ولمّا كان العِرق البشريّ لا يمكن تحسينه دون شجب وإجبار جميع العيّنات الرديئة للتبتل والعزوبية (الامتناع عن التناسل)، لا يمكن تعميم هذا التوالد كأمرٍ عامّ).

طوّر كالتون علم يوجينيكس (تحسين النسل) ومبدأه الأساس هو «السيطرة» وتعزيز القياسات النوعية والتحليلية لـ «السِمات المرغوبة» لأجل إعداد دليل مُرشد لكيفية الحصول على «النسل الممتاز حقًا». وهذه النظريات المُنادية بالـ «العِرق المتفوّق»، وهو عادةً عِرق «نورديك» (سكان شمال أوروبا من الجرمان والإسكندنافيين) والعِرق «الآريّ» مع تحسين النسل (يوجينيكس)، التي ابتكرها سير فرانسيس كالتون (مع آخرين) وأشاعها مع مطلع القرن العشرين، كان لها التأثير الأساسيّ البارز في سياسات النازية العِرقية وبرنامجهم في تحسين النسل (يو - جينيكس) الذي قام بتنفيذه أدولف هتلر (متأثرًا بـ (دارون وكالتون).

وكانت هذه النظريات نفسها لـ (مالثوس وسبنسر ودارون وكالتون) وراء التفرقة العنصرية في الجنوب الأفريقي Apartheid. كان التمييز العِرقي العلميّ وصمة عار نسجت  نظريات ووضعت مقترحات حديثة تدّعي زورًا الدليل العلمي: دليل التطور البيولوجي لدارون والتطور الإجتماعي لسبنسر من وراء فروق أعراق البشر المختلفة. وتسبب في كوارث الدمار الإنساني في الحرب العالمية الثانية التي انتهت بمقتل 60 مليونًا من البشر.

1. كارل ماركس (Carl Marx (1818- 1883:

يُعدّ اليهودي الألماني وفيلسوف الاجتماع كارل ماركس أحد كبار الاقتصاديين في التاريخ، ومن أهم ما كتب هو البيان الشيوعي (1848)، و رأس المال (1867–1894) ونظّـّرَ لصراع الطبقات في تفسيره المادي الجدلي للتاريخ بقوله في البيان الشيوعي: «لا يزال يُفَسر تاريخ جميع المُجتمعات الحالية بتاريخ صراعات الطبقات». 

عاش طريدًا متنقلاً من ألمانيا إلى فرنسا إلى بروكسل، وأخيرًا انتقل واستقر في لندن عام 1849، حيث أمضى بقية حياته (عاش في لندن 44 سنة). انتقل مقر الرابطة الشيوعية معه إلى لندن. توفي ماركس في لندن بتاريخ  14 مارس 1883م بالتهاب الرئتين.  توفي بلا جنسية؛ ودفنته عائلته واصدقاءٌ قلة في مقبرة هايكيت Highgate بلندن يوم 17 مارس عام 1883. يحمل شاهد قبر ماركس رسالة منحوته تقول "يا عمال العالم اتحدوا" وهو للسطر الأخير من البيان الشيوعي، كما احتوى شاهده على مقطع من كتاب إحدى عشرة أطروحة حول فيورباخ (حرره إنجلز): "كل ما فعله الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة - لكن المهم هو تغييره".  في عام 1954 قام الحزب الشيوعي في بريطانيا العظمى ببناء شاهد قبر ضخم لماركس مع تمثال نصفي له نحته لورانس برادشو، أما قبر ماركس الأصلي فقد بقي بزينة بسيطة. وفي عام 1970 كانت هناك محاولة فاشلة لتدمير هذا النصب التذكاري باستخدام قنبلة محلية الصنع. عند وفاة إنجلز في عام 1895 ترك "جزءًا كبيرًا" من ثروته التي بلغت 4.8 مليون دولار لابنتي ماركس اللتين كانتا على قيد الحياة. وحاول المؤرخ الماركسي ايريك هوبسباوم تلميع صورة ماركس بقوله: "لا يمكن لأحد أن يقول أن ماركس توفي وهو فاشل" لأنه على الرغم من أنه لم يحصل على أتباع كثيرين في بريطانيا إلا أن كتاباته بدأت بالفعل بإحداث تأثير على الحركات اليسارية في ألمانيا وروسيا. وخلال 25 سنة من وفاته كانت الأحزاب الاشتراكية في القارة الأوروبية تعترف بتأثير ماركس وتحصد الكثير من الانتخابات.

انضم ماركس لمنظمة سرية متطرفة تدعى "حزب العدالة" في أثناء إقامته في بروكسل عام 1846, وقد كان ذلك الحزب نشطًا بشكل سياسي سري منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر (1830). وقد كان أعضاء حزب العدالة نشطين في ألمانيا وانجلترا وسويسرا بالإضافة إلى فرنسا. في عام 1847, تمت إعادة تنظيم حزب العدالة إلى مجتمع سياسي علني ناشد الطبقات العاملة بشكل مباشر. وقد سُمّي ذلك المجتمع السياسي باسم "الرابطة الشيوعية". شارك كل من ماركس وانجلز في صياغة البرنامج والمبادئ التنظيمية للرابطة الشيوعية الجديدة.

نُشر البيان الشيوعي لأول مرة في 21 شباط عام 1848, بعد أن تمت كتابته للرابطة الشيوعية من قبل ماركس وإنجلز وقد استمرت مدة كتابته من ديسمبر عام 1847 حتى يناير من عام 1848. وقد وضع البيان الشيوعي معتقدات الرابطة الشيوعية الجديدة. وضعت الأسطر الأولى في الكتيب الأساس الرئيسي للماركسية مبتدئةً بالقول "إن تاريخ كل مجتمع متواجد حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات". وقد استمر النظر للتناقضات التي ادعى ماركس وجودها إنها بسبب تضارب مصالح البرجوازية (الطبقة الثرية) والبروليتاريا (الطبقة العاملة). وانطلاقًا من هذا, عرض البيان الحجة على ضرورة دعم الحزب الشيوعي بدلاً من الأحزاب الأخرى لمصلحة البروليتاريا بهدف الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي واستبداله بالاشتراكية. صرّح ماركس إن التغييرات في المجتمع لم تتحقق إلا بالجهود المتواصلة وقوة إرادة "حفنة من الرجال". أصبحت لندن المقر الرئيسي الجديد للرابطة الشيوعية. وبرغم الانقسامات الداخلية، ارتبط ماركس بشدة مع العمال الألمان الإشتراكيين الناشئين في مجتمع تعليمي. عقدت جمعية تربية العمال الألمان اجتماعاتها في شارع الطاحونة العظمى، سوهو، منطقة الترفيه وسط لندن.

علاقة ماركس بدارون: تزعم نظرية دارون في التطور أن البشر لم يُخلقوا وإنما تطوروا، وأن البشر ليسوا متساوين وإن البعض منهم متطور أكثر من الآخرين. قرأ كارل ماركس (أصل الأنواع) لدارون عدة مرات، واستخدم مصطلح "البقاء للأصلح" لإضفاء العلمية على "صراع الطبقات الجدلي"، حيث يقوم منظمو العمل والمجتمع لإيجاد فوضى اجتماعية تُمكّن طُغاة الشيوعية من الإمساك بزمام القوة. 

وكتب كارل ماركس لصديقه (لاسال) في 16 كانون الثاني 1861م:

(كتاب دارون مهم جدًّا وخدمني كأساس في الانتقاء الطبيعي بالنسبة لصراع الطبقات في التاريخ).

ثم قام كارل ماركس بإهداء كتابه شخصيًّا وبخط يده لدارون.

فأجابه دارون في رسالة: «سيدي العزيز: أنا أشكرك للشرف الذي أوليتموني بإرسال عملكم الكبير حول رأس-المال؛ وأنا أتمنى قلبيًّا أن أكون أكثر استحقاقًا لاستلامه، لفهمٍ أكثر لموضوع الاقتصاد السياسي العـميق والمهم.  وبرغم أن دراساتنا مختلفة جدًّا، فأنا أعتقد أننا معًا نرغب بحماس توسيع المعرفة، وأن هذا على المدى البعيد سيضيف لسعادة البشرية. سأبقى سيدي العزيز: المخلص لكم  شارلس دارون) انتهى.

وقد قرأ دارون أول مئة صفحة من كتاب "رأس- المال" (كانت كتبُ ذلك الزمان غالبًا ما، تُطبع والصفحات مطوية الحافات، وعلى القارئ ضرورة فتحها لقراءتها).

2. سيغـموند شـلومو فـرويـد Sigmund Freud (1856- 1939م):

طبيب الأعصاب النمساوي اليهودي الذي أسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث. اشتهر فرويد بنظريات العقل واللاوعي، وخلق الممارسة السريرية في التحليل النفسي لعلاج الأمراض النفسية عن طريق الحوار بين المحلل النفسي والمريض، وتفسير الأحلام،  كمصدر لرغبات اللاوعي.

سُمّي فرويد بـ "دارون النفس البشرية" (Frued: The Darwin of the Human Psyche)، وصار الثلاثي: دارون وفرويد وماركس يُسمّون بـ (الثالوث غير المقدس Unholy trinity) لأنهم وضعـوا لـَبِنات الأساس للمجتمع الملحد الحديث. لقد تمّ تجاوز الكثير من أفكار فرويد، أو تعديلها من قبل المحافظين الجدد  و"الفرويديين" نهاية القرن العشرين. وبرغم التقدم في مجال علم النفس حيث ظهرت عدة عيوب في الكثير من نظرياته، إلاّ أنه بقت أساليب فرويد مهمة في تاريخ الطرق السريرية، وأفكاره لا تزال تؤثر في بعض العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية.  وبرغم الانتقادات الكثيرة، لا زال البعض يرى لفرويد فضل في تطويرعلم النفس.

التطور النفسي الجنسي:  استخدم مصطلح (ليبيدو libido أي الشهوة والشبق الجنسي) كان يهدف فيه إلى إبراز قيمة الغرائز الطبيعية وجعلها المؤثر الأول في السلوك الإنساني. لاقى فرويد الكثير من الانتقادات ممن جاؤوا بعده، وثبّتت دراسات حديثه انتقادات لنظرة فرويد الجنسية الجامده عند الإنسان، وكيف أنه أرجع كثيرًا من الاضطرابات إلى عوامل جنسية بحتة، وتجاهل الجانب الاجتماعى والروحاني وكيفية تأثيرها في الشخصية السوية وتأثيرها في العقد الجنسية، وكأن الدماغ عنده من لواحق الأعضاء التناسلية وليس العكس (فالأعضاء التناسلية حقيقة هي لواحق تأتمر بأمر الدماغ المسيطر).

الهـو، والأنـا، والأنـا العُـليا (Id, Ego, Superego):  رأى فرويد أن الشخصية مكونة من ثلاثة أنظمة هي:

 الهو Id ، والأنا Ego ، والأنا العُليا Superego ، وأن الشخصية هي محصلة التفاعل بين هذه الأنظمة الثلاثة.

الهو أو النفس المشتهية يقصد به طبيعتنا الأساسية التي لم يهذبها التعلم أو الحضارة تحوي الغرائز الحيوانية لدى الإنسان مع رغبة جامحة دائمًا تتطلب الإشباع فوريًّا دون الاعتبار لقواعدٍ أو معايير. والمبدأ الذي يحكمه هو اللذة. ويستمد الهو طاقته من الاحتياجات البدنية مثل نقص الطعام أو الجنس الذي يتحول إلى طاقة نفسية ضاغطة، ويحتل الهو وغرائزه اللاشعور أي خارج نطاق شعور الإنسان وتحكمّه الإرادي.

الأنا (كما يراها فرويد) هو شخصية المرء في أكثر حالاتها اعتدالاً بين الهو والأنا العُليا، حيث تقبل بعض التصرفات من هذا وذاك، وتربطها بقيم المجتمع وقواعده، حيث من الممكن للأنا أن يقوم بإشباع بعض الغرائز التي يطلبها الهو، ولكن في صورة متحضرة يتقبلها المجتمع، ولا يرفضها الأنا العُليا

• مثال: عندما يشعر شخص بالجوع، فإن ما تفرضه عليه غريزة البقاء (الهو) هو أن يأكل حتى لو كان الطعام نيئًا أو برّيًا، بينما ترفض قيم المجتمع والأخلاق (الأنا العليا) مثل هذا التصرف، بينما يقبل الأنا إشباع تلك الحاجة، ولكن بطريقة متحضرة، فيكون الأكل نظيفًا ومطهوًا ومعدًّا للاستهلاك الآدمي، ولا يؤثر على صحة الفرد أو يؤذي المتعاملين معه

• يعمل الأنا كوسيط بين الهو والعالم الخارجي، فيتحكم في إشباع مطالب الهو وفقًا للواقع والظروف الاجتماعية.

• ويمثل الأنا الإدراك والتفكير والحكمة والملائمة العقلية، ويشرف الأنا على النشاط الإرادي للفرد.

• ويعد الأنا مركز الشعور إلا أن كثيرًا من عملياته توجد في ما قبل الشعور، وتظهر للشعور إذا اقتضى التفكير ذلك.

• ويوازن الأنا بين رغبات الهو والمعارضة من الأنا العُليا والعالم الخارجي، وإذا فشل في ذلك أصابه القلق ولجأ إلى تخفيفه عن طريق الحيل الدفاعية.

العقل الباطن: هو ما يعرف عند فرويد باللاشعور وهو يتكون من الدوافع والرغبات والخبرات المكبوتة منذ الطفولة المبكرة وتؤثر في كل حياة الفرد في المستقبل.. وهى ليست مكبوتة لا تظهر، بل تظهر من خلال الهفوات والأحلام والاعراض المرضية. ولذك يقول فرويد: إن الخمس سنوات الأولى من حياة الفرد هي أهم مرحلة في حياته، لأن خبراتها تؤثر في مستقبل الفرد والمجتمع من ثم. كما ظن فرويد أن الكوكايين ذو أثر إيجابي في شفاء النفس، فقام بعلاج أحد مرضاه باستخدام الكوكايين لكنه توفي إثر ذلك!

عقدة أوديب الذكرية وعقدة أليكترا الأنثوية: تأثر فرويد بالأساطير اليونانية جدًّا، كما تأثر فرويد بالمسرحيات الدرامية لـ "وليم شكسبير" وكانت لأصوله اليهودية وولائه لهم تأثير كبير في تشكيل نظرياته النفسية والأخلاقية. تزوج فرويد عام 1886م  وأنجب 6 أطفال: ثلاثة بنين وثلاث بنات، وأصبحت إحدى بناته طبيبة نفسية، وهي (آنا فرويد)، ولقد اشتهرت بعلاج الأطفال في لندن.

عقدة أوديب للذكور: هي مفهوم أنشأه سيغموند فرويد، واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية وهي عقدة نفسية تطلق على الذكر الذي يحبّ والدته ويتعلق بها، ويغير عليها من أبيه ويكرهه، ويشعر بأبيه بوصفه منافسًا له في حبّ الأم. ويفسّر (فرويد) زواج أوديب من أمّه  بأنّ حب الأم فطري، ولكن أوديب لم يترجم هذا الحب بالشكل الصحيح. مرحلة في تطور الطفل تتميز برغبة الطفل في الاستئثار بأمه، لكنه يصطدم بواقع أنها ملك لأبيه، مما يجعل الطفل في هذه المرحلة من تطوره التي تمتد من السن 3-9  يحمل شعورًا متناقضًا تجاه أبيه: يكرهه ويحبه في آن واحد، جرّاء المشاعر الإيجابية التي يشمل بها الأب ابنه.  تجد عقدة أوديب حلها عادة في تماهي الطفل مع أبيه. لأن الطفل لا يستطيع أن يقاوم الأب وقوته فإنه يمتص قوانين الأب، وهنا يأتي تمثل عادات وأفكار وقوانين الأب في قالب فكري لدى الطفل، يرى فرويد أن السمات الأساسية لشخصية الطفل تتحدد في هذه المدة بالذات، التي تشكل جسر مرور للصغير من طور الطبيعة إلى الثقافة، لأنه بتعذر امتلاكه الأم يكتشف أحد مكونات القانون، متمثلاً في قاعدة منع زنا المحارم. وتقابل عقدة الذكر لـ "فرويد" بـ (عـقدة اليتكرا) عند الإناث، حيث تتعلق البنت عاطفيًّا بوالدها، وتكون هناك بعض العـداوة نسبيًّا للأم نتيجة للغيرة منها. وبنى أدباء أوروبا على هذه الأسطورة الإغريقية الكاذبة نظريات ومسرحيات تراجيدية بصياغة أخرى، ثم جاء فرويد ليعلل الأمراض النفسية بناءً على أساس هذه الأسطورة المضحكة. كما أن للعقدة نفسها عند فرويد رواية جماعية تتمثل في أسطورة اغتيال الأب التي يعدها منشأ للعقائد والأديان والفنون والحضارة عمومًا.

تفاصيل أسطورة أوديب الإغريقية (كُتبت في القرن الخامس ق. م):

كان ملك ثيبس (أو طيبة) الإغريقي (لايوس) قد تزوج الملكة (جوكاستا) لمدة دون إنجاب، وكانت من عادات الإغريق أن يستشيروا (أوراكل) إي كـُهّان أبولو في معبد دلفي، فقرأ العرّافون الطالع أنّ الملكة إذا أنجبت طفلاً فإنه سيقتل أباه (لايوس) ويتزوج بأمّه (جوكاستا). أنجبت الملكة أبنًا، فقرر الملك منع تحقيق النبوءة المشؤومة، فسَمّـرَ كاحلي طفله على بعضهما (أي دقـّهما بالمسامير) لمنعه أن يحبو أو يزحف على قدميه، ثم قرر التخلص من ابنه، فأمر أحد جنوده أن يأخذه لجبل الغابة المجاورة، وتركه هناك ليموت وحده، فذهب به الجندي لكن لم تطاوعه نفسه على ترك الطفل الصغير ليموت هناك، فـسلـّمه لراعي غنم، ورجع وأخبر الملك أنه تخلص من أوديب.  وأما راعي الغنم فقد سلـّم الطفل المسكين لراعي غنم آخر،  سلـّمه للبلاد المجاورة، فتبناه أخيرًا الملك (بوليبص) وملكته (ميروب) المحرومين من الأطفال.

وبسبب تورم قدميه وكاحليه، سُمّي الطفـل أوديب أو أوديبوس Oedipus ، حيث الكلمة الإغريقية أوديما تعني تورّم، ومنها استعارت الإنجليزية الكلمة أوديما (بالعربية وذمة)، اُستبدِل حرف (م) بحرف (ب).  ثم كـَبـُرَ أوديب وأصبح ذا شأن عظيم هناك. وبعد مرور سنوات، أخبره أحد رجال القصر، وهو سكران، أن بوليبص ليس والده الحقيقي، لكن أوديب سأل والديه فأنكرا ذلك وأكدا له أنهما والديه.  فطلب أوديب رأيًا ثالثًا فاستشار العرّافين (أوراكل) في معبد دلفي، فلم يخبروه بهوية والديه الحقيقيين، لكنهم أخبروه أن قـدره أن يقتل والده ويتزوج أمـّه.  فقرر أوديب مغادرة البلاد بلا رجعة، تفاديًا ومنعًا لتحقيق هذه النبوءة المشؤومة.  لذلك رحل إلى مدينة ثيبس (أو طيبة) لكونها أقرب البلاد. وهكذا يعود أوديب لمسقط رأسه.

وقبل دخوله المدينة كان هناك جسر للمرور، وفي أثناء عبوره الجسر واجه ملك ثيبس (لايوس: والده الحقيقي) وهو في مركبته، فطلب منه التنحي جانبًا ليعبر بمركبته. وخلال المشادة والدفاع عن النفس، قتل أوديب الملك دون علمه أن الشخص الذي قتله هو ملك ثيبس ووالده الحقيقي، وهرب خادم الملك والشاهد على الحادثة.  ثم عند وصول أوديب إلى مدينة ثيبس كان هناك كائن أبو الهول الخرافي (سفنكس) يمنع الداخلين للمدينة. ولكي يدخلوا يلزمهم حلّ لغز، وإلاّ يأكلهم أبو الهول إذا لم يحلـّوا اللغز. واللغز هو: (ما هو الشيء الذي يمشي على أربعٍ في الصباح، وعلى اثنين في العصر، وعلى ثلاثٍ في الليل؟) فأجاب أوديب: (هو الإنسان في طفولته يزحف على أربع، وفي بلوغه يمشي على رجلين اثنتين، وفي شيخوخته يتكأ على عصا المشي - أي على ثلاث)، فاستطاع أوديب بذكائه أن يكون أول من يحلّ اللغز، فصُعِق أبو الهول وقتل نفسه بعد أن رمى نفسه بالبحر، وبذلك تخلصت مدينة طيبة من هذه اللعنة.

ووصل أيضًا خبر مقتل ملك ثيبس حيث ظنّ سكان المدينة أن الملك قـُتل في أثناء بحثه الإجابة على لغز أبو الهول، فشكر سكان طيبة لأوديب صنيعه ولم يكن هناك أجدر من أوديب البطل ليخلف الملك، فتزوج أرملة الملك جوكاستا (أمه الحقيقة)، وأنجب منها أبناءً أربعة (ولدين: إتوكليس و بولينيس، وابنتين: أنتيون و إسمين). وبعد مدة ينتشر وباء يصيب المدينة بالعقم، فلا نبات ينمو أونساء تحمل. فيؤكد الملك أوديب لسكان مدينته طيبة بأنه سُينهي الوباء والمعاناة. 

فأرسل أوديب أخَ الملكة (كريون) ليأتي كـُهان معبد دلفي للاستعلام عن سبب الوباء، فتأتي الإجابة أن الملك السابق (لايوس) قد قـُتل ويجب الأخذ بثأره أما قتلاً أو نفيًا، فسأل أوديب عرّافًا عن هوية قاتل الملك، فأنذره العـرّاف بأن لا يبحث عن القاتل، ولكن في عنفوان الجدال أسـتـُثير العرّاف، فقال له إنه هو (أوديب) القاتل، وأنّ من المخجل ألا يعرف والده. فتدخلت زوجة الملك لتهدأ من روع أوديب، وتؤكد أن ابنها قد مات طفلاً، وأن مقتل زوجها كان على يد قاطع طريق (دون علمها أن زوجها الثاني أوديب هو ابنها، وهو الذي قتل أباه وزوجها الأول لايوس).

وفجأة يقدم رسول البلاد المجاورة، ليخبرهم بموت الملك (بوليبص) فيرتاح أوديب بعض الشيء بأن النبوءة لا يمكن تحقيقها لعلمه أن أباه بوليبص قد مات (فلا يمكن له قتله). لكن الرسول يسترسل بالكلام قائلاً بأن أوديب كان في الحقيقة ابنه بالتبني. وهنا تدرك جوكاستا أخيرًا هوية أوديب الحقيقية، فتطلب من أوديب أن يتوقف عن بحثه عن قاتل لايوس لتثني عزمه واستمراره في البحث. لكن أوديب يسئ فهم الملكة معتقدًا أنها متأففة من الزواج به كونه ابن عبد.  فتدخل الملكة جوكاستا داخل القصر وهي منهارة مكتئبة، ثم تقرر الإنتحار وتقوم بشنق نفسها. ويستطيع أوديب من توثيق قصة الرسول وذلك باستجواب الراعي الذي تـُرِك معه أوديب ليموت كطفل. فيعلم أوديب منه أن الطفل الذي تبناه الملك بوليبص والملكة ميروب، هو في الحقيقة ابن لايوس وجوكاستا. وهنا يستعيد أوديب ذاكرته أنه في طريقه لمدينة طيبة إنما قتل أباه لايوس، وأنه من بعد ذلك قد تزوج بأمه جوكاستا. ثم يبدأ أوديب بالبحث عن أمه، فيجدها قد انتحرت. وكانت صدمة (عـُقـدة) أوديب كبيره جدًّا لم يستطع تحمّلها، فيأخذ دبوسًا من ثوب أمه ويفقأ به عينيه الاثنتين بيده (لأنه كان أعمى عن معرفة الحقيقة).  

يطلب أوديب من كريون (أخ الملكة وخال أولاده) رعاية بناته لأن أولاده كبار يستطيعون الاعتماد على النفس، ثم يقوم أوديب بلمس أولاده للمرة الأخيرة قبل خروجه للمنفى (عقابًا له لقتل والده لإنهاء الوباء). وتخرج معه ابنته (أنتيون) رفيقًا له وهادي طريق في أثناء خروجه عبر البلاد لتوصل أباها الأعمى أوديب إلى مثواه الأخير في كولون حيث توفي هناك، بعد أن صار في حماية الملك ثيسيوس ملك أثينا. وترجع أنتيون لموطنها.

أما ولداه (إتيوكليس و بولينيسيـس) فإنهما يتفقان على حكم المملكة مشاركةً، بالتعاقب كل سنة. لكن إتيوكليس يرفض التنازل عن عرشه بعد سنته بالحكم كملك. فيقوم أخوه بولينيسيـس بتنجيد جيش لمقاتلة أخيه والمطالبة بحقه بالملك. وفي النهاية يقتل الأخوان كل منهما الآخر. وهنا يتربع كريون (أخو الملكة جوكاستا)على العرش، ويقرر أن بولينيسيـس كان خائنًا ولا يجوز إعطائه حق الدفن الملكي. لكن أخته أنتيون تتحدى المرسوم وتحاول دفن أخيها، وبسبب تجاوزها، يصدر الملك كريون مرسومًا بضرورة دفنها في كهف صخري مما يدفعها للانتحار وشنق نفسها.

(يتبع)              


عدد القراء: 3459

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-