مراجعة كتاب: مشاركة حياتنا على النت: الأخطار والانكشاف في وسائل التواصل الاجتماعيالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-08-19 04:20:32

د. عمر عثمان جبق

محاضر في كلية المجتمع بالرياض

الكتاب: مشاركة حياتنا على النت: الأخطار والانكشاف في وسائل التواصل الاجتماعي

المؤلف: ديفيد آر. بريك

تاريخ النشر: 2014

الناشر: Palgrave Macmillan UK

عدد الصفحات: 208 صفحة

الرقم المعياري الدولي للكتاب: 978-0-230-32029-1

 

الكاتب: ديفيد آر. بريك David R. Brake

مراجعة: ستيفانيا فيكاري Stefania Vicari S*

ترجمة: عمر عثمان جبق

يبدو أننا نتحول إلى مجتمع منفتح جدًا بسبب تطور وسائل التواصل الاجتماعي. يهدف الكاتب ديفيد أر. بريك إلى تقديم نظرة عامة عن الأخطار التي يمكن لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي غير الحذر أن يسببها  لكل من البالغين والأطفال على حد سواء. ويعتمد الكاتب فيما بعد على مقابلات عميقة، وعدد من نظريات السلوك البشري ذات الصلة لدراسة أسباب تلك الأخطار. وتختم ستيفانيا فيكاري Stefani Vicari مراجعتها بوصفها هذا الكتاب مصدرًا ممتعًا لكل من الطلاب والباحثين في مجال الإعلام الرقمي والتواصل بين الناس.

مع تحول أجزاء من حياتنا إلى العالم الرقمي تحولاً كبيرًا، و مشاركتها مع الآخرين في هذا العالم الرقمي، تبرز هنالك أسئلة عن تأثير التبعات المحتملة لهذا التحول على واقع حياتنا اليومي. ويتعلق السؤال الرئيسي بالتحكم. بمعنى آخر، إلى أي درجة يمكننا التحكم بمعلوماتنا الشخصية تحكماً كاملاً بعد توفرها على النت؟ تشير الأبحاث الحديثة التي يجريها مشروع انترنت أبحاث بو Pew Research Internet Project  إلى هذا الموضوع وثيق الصلة كونه يعالج إحدى أهم تبعات مشاركة حياتنا على النت الأكثر خطورة ألا وهي المضايقات على النت. و يظهر التقرير أن 60 % من  أفراد العينة المحلية الأمريكية قد مروا  بنوع من أنواع المضايقات على النت، وكانت النساء الشابات أكثر ضحايا تلك العينة، و كانت مواقع التواصل الاجتماعي البيئة الأكثر احتمالاً لهذه المضايقات ( التحرشات).

يقدم أستاذ الصحافة في هامبر كوليج Hamber College في كندا الدكتور ديفيد بريك في كتابه "مشاركة حياتنا على النت" نظرة عامة ممتعة عن أسباب مشاركة معلوماتنا الشخصية في  وسائل التواصل الاجتماعي، وتبعات تلك المشاركة. ويعالج كل فصل من الكتاب مظهرًا مختلفًا من مظاهر المشاركة على النت ابتداءً من أخطار كشف الذات، فخصائص التفاعل، فآراء الجمهور، فذاكرة وسائل التواصل الاجتماعي، فالعوامل الاقتصادية و الفنية والاجتماعية التي تسهل كشف الذات.

ويتطرق الفصل الثاني للكتاب الذي يحمل عنوان "ما هي الأخطار ومن في خطر؟" إلى الأبحاث المتعلقة بالأخطار المرافقة لكشف الذات على النت. ويناقش هذا الفصل بادئ ذي بدء التحديات العديدة التي ينبغي للباحثين في المضايقات على النت: والتنمر الفضائي على الأطفال مواجهتها. وتظهر الأبحاث المعاصرة في المضايقات الجنسية على النت أن "استعمال وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاته لا يؤدي إلى مواقف مؤذية، بل إن طرق التصرف الخاصة على النت أو من دون اتصال بالنت (هي من يؤدي إلى ذلك)" (ص:22). تتأثر الدراسات عن التنمّر الفضائي بثلاث قضايا رئيسية؛ هي تنوع طرق قياس هذا المفهوم، وعدم توضيح أن التنمّر الفضائي أكثر ضررًا من التنمّر دون اتصال بالنت، وعدم توضيح وجود علاقة سببية بين كشف الذات على النت والتنمّر الفضائي. ويلاحظ الأستاذ الدكتور "بريك" أن مفهوم "ابن العصر الرقمي" يبدو أنه لا يفيد هذا المجال لأن هذه العبارة تعاني من مشكلات تعريفها، وأن الشباب ليسوا فنيين بالفطرة، و أن طريقة ربط استعمال الإنترنت الكثيف بالأخطار كثيرة هي طريقة غير واضحة.

تركز الأبحاث المتعلقة بأخطار البالغين من كشف الذات على النت على عدد أكبر من القضايا، ابتداءً من الاستغلال الإجرامي إلى الترصد الفضائي، فالضرر الوظيفي، فالاستغلال التجاري، فالمراقبة الحكومية،  انتهاءّ بالأضرار العامة بين الناس. وهذا الفصل ممتع بشكل عام، إلا أنني أعتقد أن قوته تظهر في نهايته عندما يسلط الأستاذ الدكتور "بريك" الضوء على مسألة مهمة هي: في حين كانت الأعمال البحثية الكثيرة مكرسة لدراسة المواقف الدرامية، إلا أن الحالات المقلقة جدًّا كالأضرار بين الناس لم تلق اهتمامًا أكاديميًّا كبيرًا.

ويعدّ الفصل الثالث بعنوان "كيف يختلف التفاعل في وسائل التواصل الاجتماعي ولماذا يختلف؟" أكثر فصل مُطّلع من الناحية النظرية؛ إذ يلفت الانتباه إلى النظريات التقليدية للتفاعل بين الناس والتواصل من خلال التوسط بينهم ليعالج تلك المواقف الأكثر شيوعًا التي من خلالها يقود الانكشاف في وسائل التواصل الاجتماعي إلى أضرار أقل درامية. ومن غير المفاجئ أن يبدأ الفصل بالإشارة إلى عمل غوفمان عن التفاعل بين الناس Goffman، ويقوم بذلك من خلال استحضار مجالين من مجالات البحث هما بحث ميرويويتز Meroywitz في التغيرات السلوكية في العلاقات الاجتماعية، وارتباطها باستعمال وسائل الإعلام ومناقشة تومبسون Thompson للتفاعل من خلال التوسط. ويوضح الكاتب هذا الفصل عن طريق التطرق إلى نظريات التواصل من خلال توسط الحاسب الآلي، ويقدم مفهوم "التواصل المنطقي المسموع أو المرئي المترابط" أي فكرة أن منصات التواصل الاجتماعي لا تصل إلى جماهير كبيرة وتسمح لها بالاستجابة (أي التواصل المنطقي المسموع أو المرئي ) فحسب بل إنها تقوم بذلك من خلال تسهيل ارتباط المستخدمين و رسائلهم فيما بينهم. ويختم الأستاذ الدكتور "بريك" الفصل بمراجعة الأبحاث المتعلقة بالتواصل من خلال توسط الحاسب الآلي، إذ يجمع بين الأبحاث المتعلقة بالهويات المجهولة على النت وأبحاث  بويد Boyd في "فرط الشهرة"، ونظرية هوغان Hogan عن أداء مستخدمي النت واستعراضهم. ويختم الكاتب هذه المناقشة النظرية الطويلة ببناء إطار نظري لدراسة الانكشاف الخطير في وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا يعتقد الكاتب أن سلوك كشف الذات في وسائل التواصل الاجتماعي يتأثر بعوامل على مستوى دقيق جدًّا وعوامل على مستوى كبير جدًّا. أما العوامل على المستوى الدقيق فتشمل شيفرات لبرامج الحاسوب، والأسواق والقوانين والأعراف التي تحد من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي وتشكل ذلك الاستعمال. وأما العوامل على المستوى الكبير فيكون عملها على مستوى التفاعل بين الناس، وتقود المستخدمين للتقليل من إدراك الأخطار.

ويتعرف القارئ إلى مفهوم "الزمن والذاكرة في وسائل التواصل الاجتماعي" في الفصل الخامس من الكتاب. وهي، أي الذاكرة، عبارة عن عملية من خلالها تبقى بيانات وسائل التواصل الاجتماعي متاحة لمدة أطول بكثير مما يعتقد المستخدمون. ويقدم الأستاذ الدكتور "بريك" مناقشة عامة عن "الاستقبال الثانوي" أو كيف تصبح المعلومات في وسائل التواصل الاجتماعي المخزنة والمسترجعة مفيدةَ مرة أخرى، ويتم الوصول إليها مرة أخرى في وقت لاحق. ويأتي القسم الأكثر تحفيزًا للتفكير في هذا الفصل في مناقشة النتائج التجريبية، وخاصة أن هذا الفصل يعالج وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ابتداء من سنابشوت  Snapshot إلى تويتر Twitter ففيسيوك Facebook فتامبلر Tumblr فالمدونات. وهذا يعطي القارئ شعورًا حقيقيًّا عن موضوع الكتاب، ويكمل النقاش النظري الذي قدم له في الفصول السابقة. ويظهر المؤلف كيف أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة تتيح عمليات مختلفة من الاستقبال الثانوي، ويختم بوجوب تركيز الأبحاث المستقبلية على "المظاهر المؤقتة لكشف الذات في وسائل التواصل الاجتماعي" (ص: 130).

يعد كتاب "مشاركة حياتنا على النت" مصدرًا ممتعاً للطلاب والباحثين في مجالي الإعلام الرقمي والتواصل بين الناس؛ كما ويعدّ أيضًا مصدرًا  للجمهور غير الأكاديمي المهتم في أخطار كشف الذات على النت. ولا يجمع الكتاب النقاش النظري بالفحص التجريبي بطريقة ناجحة وحسب، بل ويعتمد أيضًا على دراسة حالات محددة تجعل قراءته سهلة و مفيدة بشكل خاص.

 

* ستيفانيا فيكاري محاضرة في قسم الإعلام والتواصل في جامعة ليستر University of Leicester. تركز أبحاثها على نقاط التقاطع بين شبكات التنافس والإعلام الجديد و المجال العام.

 

رابط المراجعة باللغة الإنجليزية


عدد القراء: 1237

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-