بين فلسفتين: بين تأليه الله وتأليه الإنسان 4الباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-11-25 02:11:07

أ.د. مهند الفلوجي

لندن

موتُ الإلـه (!) ومولد الإنسان السوبرمان

 

أصـداء أسـطورة أوديب في الفكر والأدب الأوروبي:

1. تم تمثيل الأسطورة على المسارح الأوروبية بنجاح عدة مرات، منذ عصر النهضة.

2. نجح الأديب البريطاني (جون درايدن) بتحوير الأسطورة في قصته الدرامية أوديبوس، أجيزت عام 1678م.

3. قام الأديب الفرنسي (فولتير) عام 1718م  بكتابة أولى مسرحياته (أوديبوس).

4. تم تمثيل أوديبوس للكاتب (باتريك مجينيس) في المسرح الوطني عام 2008م.

5. عام 1960م نشر الأديب (عمانويل فيليكوفيسكي 1895-1979م) كتابًا سمّاه (أوديبوس وأخناتون) وضع فيه مقارنة بين القصتين للبطل الأسطوري الأغريقي أوديبوس، والبطل المصري ملك طيبة أخناتون.

6. استخدم الطبيب النفساني (سيجموند فرويد) أسطورة أوديب الإغريقية، وأطلق اسم عـقـدة أوديـب (أو أوديبوس، أي عقدة الأم) لتفسير منشأ الاضطرابات العصبية الوظيفية (العُصاب) في الأطفال. وعرّف العقدة: ميل الطفل (الذكر) اللاشعوري وحبّـه المفرط لأمه. وهذا الميل يشمل الغيرة من أبيه، مع الحب اللاشعوري  في موت أبيه!

ولكن أوديب، كما صورته الأسطورة، حاول المستحيل للحيلولة دون قتل أبيه والزواج من أمه, ولم يكن أصلاً يعاني من مرض العُصاب – على الأقل نحو الملكة جوكاستا، التي عرفها عندما كان شابًا، ثم إنه حين علم بزواجه من أمه شعر بذنب تسبب بفقئ عينيه وهجرته ليموت بعيدًا عن أمه التي انتحرت لشعورها بالذنب. ثم إذا كانت هناك عاطفة ما، فالواجب أن تكون موجهة نحو الملكة ميروب التي ربّته.

احتجّ فرويد بأنّ جمهور قدماء الإغريق من قـُرّاء القصة ومشاهدي مسرحيتها وسامعيها، عرفوا أن أوديب إنـّما قتل أباه حقيقة وتزوج بأمه؛ وباستمرار رواية القصة حديثًا وتمثيلها مسرحيًّا تطبّعت الأسطورة الخرافية لتوافق أكذوبة فرويد حول عقدة أوديب!!!

ومن ثم جاء المصطلح الطبي: "الأوديبية" ليعني إصابة العين ذاتيًّا (لأن أوديب فقأ عينيه بالدبّـوس وصار أعمى)، وهي حالة نادرة جدًّا من الإضرار الذاتي القاسي.

اعتبر كتاب (انتحار الغرب Suicide of the West) أنّ فرويد قد قوّض تفـاؤل الحضارة الغربية (ميزتها على باقي العالم)، حيث إنه برّر الإجرام والحروب في العالم (بتفسيره للأحلام والعقل الباطن على أنها طبيعية!!!).  وفي 1972 عـدّ "السير پـيـتـر مـدوّر" (الطبيب الحاصل على جائزة نوبل) عـدّ التحليل النفسي (واحدًا من أكثر كل معالم تاريخ القرن العشرين كآبة وغرابةً). وقال "پـيـتر واتـسون": (إن بحوث فرويد صارت اليوم مدحوضة).

عُـقدة إليكترا للبنـات: هو مصطلح أنشأه فرويد يشير لتعلق الفتاة اللاواعي بأبيها وغيرتها من أمها وكرهها لها، واستوحي فرويد هذا المصطلح من أسطورة إليكترا اليونانية، وهو يقابل عقدة أوديب لدى الذكور. وإليكترا هي ابنة الملك الإغريقي أغاممنون من زوجته (كليتمسنترا، وهي أخت هـيلين التي قامت من أجلها حرب طروادة).  ولها أخت أكبر منها (إفيجينيا)، وأخوها الوحيد (أورستيس).  كان أورستيس عزيزًا على قلب أبيه، لأنه الابن الذكر الوحيد الذي أنجبه من زوجته. ـدّم الملك الأب أغاممنون ابنته الكبرى (إفيجينيا) قربانًا للآلهة أرتـمـيـس، فحقدت الزوجة الأم (كليتمسنترا) على زوجها.  عـندما يعود الزوج من الحرب الطروادية التي استمرت عشر سنوات، كانت الزوجة قد تآمرت خلالها مع عشيقها (أيجستوس) ليقوما بقتل الملك (أغاممنون) غدرًا، وقتل غنيمة حربه وسـبـيـّـتـه (كـَساندرا كاهنة طروادة). ويهرب ابن الملك أورستيس أو يتم تهريبه إلى خارج البلاد، أثناء الفوضى التي صاحبت مقتل أغاممنون وكـَساندرا. وتتخلص الأم الخائنة وعشيقها من ابنتها إليكترا بتزويجها من فلاح بسيط، حتى يضمنا أن لا تنجب نسلاً ملكيًّا قد يفكر في الانتقام منهما لمقتل أبيها الملك أغاممنون. لكن الفلاح البسيط يحترم الأميرة النبيلة ولا يدخل بها، فيبقى زواجهما صوريًّا. وتبقى إليكترا بلا زواج.  يبقى أورستيس 7 سنوات خارج وطنه، ثم يكبر ويعود في السنة الثامنة إلى موطنه، ليتعرف على أخته وشـقـيقـته إليكترا سـرًّا.  ومن ثم يقوم أورستيس وبمساعدة الأمير بيلادس، بقتل أمهما كليتمسنترا مع عشيقها أيجستوس انتقامًا لأبيه، وقبيل القتل تلعن (كليتمسنترا) ابنها، فتطارده آلهة العـذاب عقابًا له على جريمته (من دون مطاردة إليكترا)، ويلتجأ أورستيس إلى معبد دلفي، حيث تجده إحدى الكاهنات مُغطىً بالدماء وأرواح الغضب تتطاير من حوله، فيغسّلنه بدماء خنزير لتطهيره (!). تتم محاكمته، وبعد أن تتدخل آلهة الإغريق أثـيـنـا، تُعلـن براءة أورستيس؛ ومن ثم تـُرفع اللعـنة عن البيت الملكي .وأخيرًا، تقع إليكترا في غـرام بيلادس (ابن الملك ستروفيوس) وتتزوجه. لقد ساعـد بيلادس أخاها أورستيس في أثناء هربه وتخفـّيه من أمه وعـشيقها، ومن ثم اشترك مع أورستيس وإليكترا في قتل (كليتمسنترا) وقتل عشيقها (أيجستوس). 

صوّرت هذه الأسطورة التراجيدية الحرب الطروادية ومصير أبطالها بعد الحرب، بالقتل غدرًا وغـيلةً.  كما صوّرت قصة الانتقام والمؤامرة بلا عواقب دينية أو نفسية، وبإنّ انتقام أورستيس بقتل أمه كان انتقامًا عادلاً. وهذه الأساطير الإغريقية التراجيدية (التي وردت في ملاحم هوميروس وغيره)، هي التي صاغت التاريخ الغير الرسمي للعالم الغربي!!!

تعـقيب: لا يوجد في قصص التاريخ الإغريقي أو الروماني حـسّ للرحمة أو تفريق بين الصحّ والخطأ، فآلهة الإغريق الذكور (والإناث) تتصرف كالبشر فتفعل الخير أحيانًا، وأحيانًا ترتكب الخطايا والذنوب، وتفعل كل أفاعـيـل السوء(!) فهي تقتل، وتختصب، وتزني، وتغشي المحارم (سفاح القربى كوقوع الأب على ابنته والأخ على أخته - معاذ الله)، وتخون، بل وتأكل أعداءها (من البشر أو الآلهة الأخرى) – ولا عجب إذن أن تشعر إناث الآلهة بالغيرة وحب الانتقام من أفاعيل رفاقها الذكور من الآلهة. ولقصص وأساطير التاريخ اليوناني هذه أبلغ التأثير على تصرفات وسلوك شعوب الإغريق والرومان، بل وشعوب الأنجلوساكسون والشعوب الأوروبية عـمومًا،  حيث يتأسى البشر بآلهة الإغريق القدوة ويتبعون أفعالهم في حياتهم.  

ولكن حياة بسطاء الإغريق الأوائل لم تكن محكومة بهذه الآلهة، لأن الآلهة ذاتها محكومة بالقدر المحتوم (من الله القدير, لكن الأساطير الإغريقية لا تذكره). ففي الأساطير اليونانية نرى النبؤات المشؤومة التراجيدية، ومن ثم قوة القدر القاهرة التي تحني الآلهة وتحني الناس لإرادة هذا القدر (الرباني). ولا ينفع مع النبوءة وتقدير الأقدار أي عمل إرادي أو غير إرادي لمنع وقوع الابتلاء وتحقيق العقوبة (في الإسلام لا يعرف المرء أصلاً: ما هو قـدره؟ ثم إنْ قـدّر الله عليه شيئاً من الإبتلاء الدنيوي، فإنّ الدعاء والصلاة والتوبة تنفع بتلطيف الابتلاء أو حتى رفعه).  ففي قصة أوديب لم تنفع الخطط والهرب مما قـُدّر عليه من قتل أبيه والتزوج بأمه (دون علمه). ولم ينفع أكيليس غمرُ أمِّه له  في مياه نهر (ستايكس) لجعله بطلاً خالدًا لا يموت ولا يقهر – لأن كعـبه أو عرقـوبه الذي مسكته أمه منه لتغمره بالمياه، هو العضو الذي لم يمسسه ماء، فكان أن قـُتِل أكيليس بسهمٍ في عرقوبه.  

نهاية فرويد ورحلة العـذاب: لعـل طلاقة لسان "فرويد" في الجنس اقتضت أن يكون عقابه من جنس العمل.  ففي 1923، اكتشف "فرويد" ورمًا حميدًا في فمه (leukoplakia) - صار سرطانًا- بسبب كثرة التدخين.  حاول إخفائه ولم يفلح، وأبلغ أصحابه كذبًا برفعه، وحاول فرويد الانتحار مرات عديدة بسبب حالات الندم والحسرة على كتاباته أواخر عـمره.  استشار فرويد طبيب الأمراض الجلدية الذي نصحه بالإقلاع عن التدخين ولكنه قلل من أهمية ورمه. وفي استشارة ثانية نصحوه بإزالة الورم لأنه سرطاني. ثم قام طبيب الأنف بجراحة تجميلية له في العيادات الخارجية نزف منها "فرويد" في أثناء وبعد العملية، وبالكاد نجا من الموت. وبرغم علم طبيبه بالسرطان والحاجة لعملية جراحية أخرى، لكنه ارتأى عدم الإفصاح لـ "فرويد" الذي كان مُكتئبًا لدرجة الانتحار. بحلول سبتمبر 1939، استشرى السرطان بفكِّ "فرويد" مسببًا آلامًا شديدة متزايدة وصار الورم غير صالح للاستئصال الجراحي.  فاستشار طبيبه، وصديقه اليهودي ماكس شور (كانا سويًا لاجئين في لندن)، مُذكّرًا إيّاه بحكم الصداقة أن ينقذه من العذاب، وتحدث الأخير مع ابنته (آنا فرويد)، ووافقا على إنهاء حياة "فرويد" بجُـرعاتٍ من المورفين، أسفرت عن وفاة "فرويد" يوم 23 سبتمبر 1939.  وبعد ثلاثة أيام من وفاته تم إحراق جسم "فرويد" في محرقة غولديرز الخضراء شمال لندن (Golder's Green Crematorium) وبإمرة هارودز صاحب محل التسويق المشهور في نايتسبريدج (Harrods of Knightsbridge) بناء على تعليمات ابنه (إرنست).  ووضع رماد "فرويد" في وقت لاحق في جرّة يونانية قديمة تلقـّاها فرويد  بنفسه كهديةٍ من الأميرة (بونابرت) وكان يحتفظ بها في غرفة دراسته في فيينا لسـنوات طويلة.

7. فـريدريك نـيـتـشــه 1844 - 1900 Friedrich Nietzsche الألماني:  له تأثير عميق على الفلسفة الغربية والفكر الحديث.  في سـنّ الـ 24 عام 1869، أصبح أصغر أستاذ في العالم يشغل كرسيّ الفلسفة الكلاسيكية على الإطلاق في جامعة بازل. اسـتقال عام 1879 (بعد عشر سنوات من تعيينه) بسبب مشاكلاته الصحية. وفي عام 1889، في سن الـ 44، عانى من انهيار وفقدان تام للقوى العقلية التي كانت تنسب إلى شلل جزئي عام بسبب مرض الزهري الدرجة الثالثة Tertiary syphilis، وعاش سنوات حياته الباقية في رعاية والدته، ثم أخته وتوفي في عام 1900 مما يعتقد أنه سكتة دماغية في مصحّة عقلية. من أقواله: «بدون موسيقى تصبح الحياة مخطوءة Without music, life would be a mistake» لكنه اشتهر ببغضه للمسيحية، فكان يقول: «إن فكرة المسيحية عن قبح العالم وشروره قد جعلت العالم قبيحًا وشريرًا». وكان يقول: «أنا أومن بالرب لأنني ضعيف» باعتبار أنّ الإيمان بالله دليل ضعف الشخصية!!!  لذا فقد أوصى أخته: «إذا ما متُّ يا أختاه، فلا تجعلي أحد القساوسة  يتلو عليّ بعض الترّهات، إن الرب شِمّاعة تعلـّقون عليها خطاياكم». وكان جريئًا في الإفصاح عن فلسفته بضرورة (قتل وإعدام وإعلان موت الإلـه الربّ) وعزله  تمامًا عن الحياة العامة؛ وكان يقول: «بعد إعدام الربّ، أنا جاهز لحكم العالم». وكانت مقولته في (موت الربّ) وجعل الإنسان: الربّ البديل أو الإنسان السوبرمان، هي إرث فلسفته الأكبر بعد مماته، والتي اقتنصتها وسائل الإعلام العالمية لتكون عنوان غلافها.

إنّ مقولة (الربّ ميت أو موت الربّ - God is dead or death of God) هي عبارة فريدريك نيتشه الشهيرة؛ ظهرت عام 1882 في كتابه: (علم الفرح- The Gay Science)، ومن ثم ارتبطت بكتاب نيتشه (هكذا تكلم زرادشت - Thus Spoke Zarathustra)، الذي روّج هذه المقولة. ووضحت الفكرة في رواية (الرجل المجنون - The Madman) في "علم الفرح"،  وهي حكاية رمزية عن مجنون مع فانوس، ويبحث عن الله، إلا أن مواطنيه يسخرون منه عندما يصرخ: أين الله؟  فتكون الإجابة:

(الربّ ميّت. ويبقى الربّ ميّتًا. ونحن الذين قتلناه. كيف سنريح أنفسنا، قتلة من بين كل القتلة.. ليس هناك عمل أعظم؛ وكل من يولد بعـدنا - لأجل هذا العمل سيكون جزءًا من تاريخ أرفع من كل التاريخ السابق. ألا يجب أن نكون أنفسنا آلهة ببساطة لنبدو مستحقين هذا العمل).

ذلك لأن نيتشه رأى أن المسيحية هي الانعدامية (Christianity as nihilistic). ومن هنا صار الإنسان لا الرب هو الكائن الأعظم في فلسفة نيتشه (Not God, but man is the supreme being).

أثر نيتشه على هتلر: أُغرِمَ نيتشه بالعرق الأشقر القوي السيّد 'Magnificent Blonde Brute Race' والمنتشي بالنصر والغلبة، إشارة منه للحكام النبلاء البيض؛ وبذلك تكوّن سـوبرمان نيتشه "Übermensch". ويؤكد نيتشه على نظام صارم لتحسين النسل ينبغي أن يُنفّذ دون اعتبار لمنزلةٍ أو نسبِ أحد، ويصرّ على أن هناك أناسًا  "غير أصحاء" لا بد من القضاء عليهم. ويخشى نيتشه من تهجين الذرية بتزاوج "مختلّي النسل" هؤلاء، مع الأصحاء.

شارك هتلر أفكار نيتشه في تأليه الجماعة على الفرد في كتابه (كفاحي): "ضرورة التضحية بالوجود الشخصي لأجل ضمان الحفاظ على نوع الجماعة". وفي عام 1938م أهدى هتلر "الأعمال المختارة" لـ نيتشه إلى الرئيس الإيطالي موسـوليني في لقاءهما على ممر برينر Brenner Pass . وصار إعلان (الرب ميت) إيذانًا بميلاد (رب جديد)!!!

ومن اقتباسات ما قاله هتلر:

"الرجل أصبح هو الإله - هذه هي الحقيقة البسيطة، الإنسان هو الربّ في طور التكوين." مع رؤية مستقبلية لـ : "سباق العرق الجرئ الحاكم في بناء نفسه ... وينبغي أن يكون الهدف هو إعداد تقييم جديد لقيم إنسان جديد - موهوب في فكره وقدرته. وهذا الرجل – مع النخبة من حوله سيصبحون "لـوردات الأرض"!

مرة أخرى، يتحدث نيتشه عن سباق "عرق" معين.  سباق عنصري واضح لا جدال فيه.  وبذلك تصبح نبوءة نيتشه مركزية لأهداف هتلر بنهاية المطاف: ألا وهي الإنسان السوبرمان "Übermensch". بل إن هتلر في كتابه (كفاحي) لطالما كان يشير لعبارة "لـوردات الأرض".  وهكذا  نرى الاستمرارية الفكرية بين نيتشه وهتلر.

كان هتلر هو المثال الأعلى والتجسيد الحيّ لـ "سوبرمان نيتشه": احتضن هتلر كلاً من الداروينية والفلسفة النيتشوية، لأن الداروينية تتمحور على سيطرة القوي على الضعيف، وكانت بالنسبة لهتلر ممتازة؛ وبالفعل عـدّ هتلر نفسه ذلك "السوبرمان" في فلسفة نيتشه، والذي قهر كلَّ معارضيه، ووظـّف فكرة نيتشه حول الأناس المتفوقين، سـعـيًا لإقناع الشعب الألماني بأنهم ذلك "العرق المتفوقMaster  Race ".

وحمل هتلر أفكار داروين ونيتشه لاستنتاج منطقي ابتدأ بأخلاقية إلحادية، وانتهى بهيمنته على أوروبا وقتل الملايين.

لقدّ وجّه نيتشه قبضته ضدّ الله، ولكن نيتشه مات ولم يمت الله (حاشاه). وكانت الكلمة الأخيرة لله الواحد القهار.

قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) الجاثية:23-24.   وجاء في الإنجيل "يقول الجاهل في قلبه لا يوجد إله" (مزامير 14: 1).

لعـنـة السوبرمان Superman curse (أي لعـنـة الله على شخوص السوبرمان)

كان استحداث الرجل الخارق وتأليهه عوضًا عن الله مجلب نحس ولعنة عليه وعلى كـُـتّابه والسوبرمان هو الرجل الخارق حامي أمريكا ورمز بطولتها المُحبِط لمحاولات المجرمين للسيطرة على أمريكا والعالم (يقابله جيمس بوند عميل المخابرات البريطاني)، وشخصية السوبرمان يتقمصها ويعيشها ممثل السوبرمان، الذي يختال بين الناس، ويكاد يُصدّق نفسه أنه رجل خارق، لدرجة أن يظن أنه صار هذا السوبرمان حقًّا وحقيقة، بل يعتقد أنه والسوبرمان شخص واحد، فيقوم الناس في الحياة الاجتماعية يحيّونه: صباح الخير يا سوبرمان، أو كيف حالك يا سوبرمان!؟  

تشير (لعـنة سوبرمان) لسلسلة مِحن مترابطة ابتلي بها المبدعون المشتركون بتمثيل شخصية سوبرمان في وسائل الإعلام المختلفة، وخاصة الممثلين الذين لعبوا دور سوبرمان في السينما والتلفزيون. وهذه "اللعـنة" كثيرًا ما ترتبط بـ جورج ريفز، الذي لعب دور البطولة في مغامرات سوبرمان في التلفزيون 1952- 1958، وتوفي بطلق ناري في سن 45 في ظروف غامضة (قيل رسميًّا أنها انتحار)؛ وكريستوفر ريف، الذي لعـب دور البطل الخارق في أربعة أفلام للفترة 1978- 1987، ولعله شعر بالعظمة حقًّا فانتقم الله منه بوقعة من عثرة حصان 1995 كُسِرت رقبتُه إثرها، وأودت بشلل أطرافه الأربعة، وتنفس اصطناعي جعله يتواضع، ويضع أمواله وقفًا خيريًّا، وتوفي بعد تسع سنوات في سن 52.

المتوفون من ممثلي سوبرمان: ضحايا اللعـنة

لي كويغـلي  :Lee Quigley لعب دور سوبرمان الطفل في فيلم عام 1978، توفي عام 1991 في سن 14 بسبب تعاطي المذيبات.

جورج ريفز George Reeves لعب دور البطل بفيلم (سوبرمان) عام 1951 مع مسلسل تلفزيوني (مغامرات سوبرمان). كان مندمجًا بدوره للحصول على مزيد من العمل. ولكن في 16 حزيران 1959، وقبل أيام من زواجه، عثر على ريفز مقتولاً بطلق ناري في منزله. وتقرر أنه انتحار، لكن لا وجود لبصمات ريفز على المسدس، وله علاقة غرامية مع زوجة منتج MGM إدي مانيكس. ألهم موت ريفز "نظريات المؤامرة" وأسطورة لعـنة السوبرمان.

كريستوفر ريفChristopher Reeve : لعب دور سوبرمان/ كلارك كينت في سلسلة أفلام سوبرمان، (سوبرمان: الفيلم - 1978)، (سوبرمان الثاني - 1980)، (سوبرمان الثالث - 1983)، و(سوبرمان الرابع: البحث عن السلام - 1987). ارتبط ريف بشكل وثيق بدور السوبرمان، وكان من الصعب عليه الحصول على أدوار رئيسية بأفلام أخرى. صار مشلولاً من الرقبة للأسفل بعد أن أُلقي من فوق حصانه في فروسية المقاطعة يوم 27 مايو عام 1995.  توفى ريف في 10 أكتوبر عام 2004 بسبب فشل قلبه.

ويُستشهد بـ(مارلون براندو Marlon Brando)، الذي لعب دور (جور إيل) في فيلم 1978، وباء بسوء حياته الخاصة، كإطلاق ابنه كريستيان النار على صديق أخته شايان عام 1990 وسجنه لعشر سنوات، واعتراف  براندو بالمحكمة إنه خيّب ظنون أولاده، ثم انتحار ابنته عام 1995، وانطوائيته. وتوفي عام 2004، أربعة أشهر قبل  شريكه السوبرمان: كريستوفر ريف.

مارغو كيدر (Margo Kidder)، التي لعبت دور الحبيبة (لويز لين) لسوبرمان، عانت من اضطرابات نفسية شديدة. وفي أبريل 1996، اختفت لعدة أيام  ووجدتها الشرطة بحالة ضياع. رفضت كيدر فكرة اللعنة في مقابلة عام 2002: (هذا من صنع الصحف الهابطة، عندما تحطمت سيارتي في آب/أغسطس، لو لم أصدم عمود تلغراف وتدحرج سيارتي 3 مرات).

الكوميدي ريتشارد بريور (عانى إدمان المخدرات مع محاولته الانتحار، وكادت تودي بحياته) تألق كشرير (جوس جورمانين) في فيلم (سوبرمان الثالث 1983)، ومن ثم تحول لجانب سوبرمان نهاية الفيلم، وصار بطلاً. بعد ثلاث سنوات، أعلن إنه مصاب بتصلب الأعصاب المتعدد  (multiple sclerosis) ثم توفي بسكتة قلبية في 2005 عن سن 65.

دانا ريف: وردت اللعنة بشأن وفاة أرملة الممثل كريستوفر ريف، التي، برغم كونها غير مدخنة، ماتت بسرطان الرئة عام 2006 في سن 44.

جيري سيغـل وجو شوستر (Siegel & Shuster)، الكاتب والفنان اللذان شاركًا في خلق شخصية السوبرمان، باعًا حقوق الرواية لـ (دي سي كوميكس DC Comics) بسعر رخيص نسبيًّا، اذا ما قورن بالمال الذي جناه السوبرمان على مدى العـقود. وبرغم الجهود المتكررة  بقية حياتهم لاستعادة الملكية القانونية للسـوبرمان، وحصة من الأرباح الهائلة لـ (دي سي كوميكس)، تم تجديد حقـوق الملكية بلا اكتراث. وبحلول 1950 تدهـور بصر شوستر مما منعه من الرسم، وصار يعمل موصل طلبات لأجل كسب لقمة العـيش. وبالصدفة سلـّمَ شوستر طرداً لمبنى (دي سي كوميكس) مما أحرج الموظفين. فاستدعاه الرئيس التنفيذي، وأعطاه مئة دولار، لشراء معـطف جديد ونصحه بوظيفة أخرى. وبحلول عام 1976، كان شوستر شبه أعمى ويعيش بدار رعاية في كاليفورنيا. في عام 1975، أطلق سيغـل حملة دعائية، شارك فيها شوستر، احتجاجًا على معاملة (دي سي كوميكس) لهما. بمواجهة الدعاية السلبية (وبسبب فيلم سوبرمان القادم)، قامت الشركة الأم  (وارنر للاتصالات Warner Communications) بإعادة العـلاوات المحذوفة لأكثر من ثلاثين عامًا، ومنحت الإثنين معاشًا تقاعديًّا مدى الحياة 20.000 مع فوائد صحية. مات شوستر عام 1992 وسيغـل عام 1996.

الإخوة (ماكس فلايشر وديف فليشر  Max Fleischer & Dave Fleischer) اللذان أنتجا رسوم كارتون سوبرمان (پاراماونت Paramount) بدءا شجارًا مع بعضهما انتهى بكارثة مالية للاستوديو. بعد بيع أستوديو پاراماونت، طرد المُلاّك الجدد الشقيقين. وتوفي أحدهما بفقر مدقع.

كيت بوسورث (Kate Bosworth) لعبت دور لويز في فيلم (عودة سوبرمان). بالرغم أنها لم تعان أي حوادث أو أمراضًا، لكنها صرّحت بفقدانها علاقتها الرومانسية مع الممثل أورلاندو بلوم عام 2006، وألقت باللائمة على لعـنة السوبرمان!!!

لعـنة الـ"تيتانك": وهكذا كان حال أعظم سفينة بُنيت (تَيتانِك (Titanic التي قال مهندسوها: إنها لا تـُقهر ولا تغرق (The invincible, the unsinkable) عام 1911، بل قال أحد مهندسيها (موظف خط النجم الأبيض، لحظة انطلاق سفينة تيتانيك، 31 مايو 1911 (Employee of the White Star Line, at the launch of the Titanic:

"حتى الله نفسه لا يستطيع أن يغـرق هذه السفينة!". "Not even God himself could sink this ship".    فأغرقها الله في أول رحلة بحرية لها !!!

عـاقـبـة تحدّي الله: وحين أساءت ناسـا NASA  تسمية سـفينة الفضاء وسمّتها (المتحدية) Challenger  (أي المتحدية لله !) أسقطها الله في بداية رحلتها الفضائية، وقتل طاقمها السبعة بالكامل.

وأما في الاسلام  فقد فهم المسلمون دورهم منذ البداية، أنهم خلفاء الله في الأرض، وأنهم جند الله وعبيده، واقتدوا برسولهم الكريم (صلى الله عليه وسلم) الذي فتح مكة وهو مطأطئ الرأس لله الواحد القهّار.

وهذا عمر بن الخطاب يفتح القدس وهو يجرّ دابته وغلامه عليها أمام عنجهية الروم، بل ويغسل بيت المقدس بيديه.

وهذا صلاح الدين يفتحها ثانية، وهو مذعن لله ساجد له، ويغسل بيت المقدس بماء الورد بيده.

وهذا محمد الفاتح يفتح القسطنطينية التي استعصى فتحهاعلى الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين قبله، فدخلها وهو حامـدٌ لربّه مطأطئ رأسه اقتداءً بالمصطفى (عليه الصلاة والسلام) عند فتحه مكة المكرمة.

ولقد أراد بيبرس تلقيب نفسه بالملك القاهر، وجلس على تخت الملك في اليوم الثاني، فأشار عليه وزيره (زين الدين ابن الزبير، وكان منشئاً بليغًا)، بأن يُغيّر هذا اللقب، وقال له: «ما لـُقـِّبَ به أحدٌ فـأفـلح. لـُقـِّبَ به القاهر ابن المعتضد فسُمِل بعد قليل وخـُلع، ولـُقـِّبَ به الملك القاهر ابن صاحب الموصل فسُمَّ». فأبطل السلطان هذا اللقب وتلقب بالملك الظاهر. 

وأخيرًا هؤلاء هم الفلاسفة السبعة: الذين صاغـوا محصلة فلسفة الغرب الإلحادية العنصرية العدوانية التي جرّت العالم لحروب طاحنة، وحوّلت الإنسان لمنزلةٍ منحطّة عن منزلة الحيوان، بل صار الحيوان اليوم أرقى من الإنسان، وبرئ من أفعاله (الصورة). فلا غرو أن نقرأ في البرتوكول الثاني من (بروتوكولات حكماء صهيون) ما نصّـه: 

(إن الطبقات المتعلمة ستأخذ جزافًا في مزاولة المعرفة التي حصلتها من العلم الذي قدمه إليها وكلاؤنا.. ولاحظوا هنا أن نجاح دارون  وماركس  ونيتشه قد رتبناه من قبل . . .  والأمر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي واضح لنا بالتأكيد).

نتائج وافرازات الفلسفة الغربية:

لها عواقب بعيدة النظر، عميقة الأثر، شديدة الخطر:

1. فصل الدين عن الدولة والحياة والتشريع secularism  بتنحية الدين والإيمان وعزل الله عن الدولة والحياة والتشريع؛ ابتدأت ارهاصاته مع الثورة الصناعية، وصار رسميًّا مع الثورة الفرنسية 1798. ومهدت نظريتا دارون وماركس لانتصار العلم والمادة على الدين والروح، بل وأطلقت رصاصة الرحمة على الدين (النصراني). وبفلسفة نيتشه تُوِّج الإنسان: بوصفه الإله المشرّع المبدع للقوانين (لا عبد الله وخليفته على الأرض):Man as a God not a worshipper of God ، وصارت المسؤولية أمام القانون وليس أمام الله: Accountability before Law not God.  هنا تتمايز فلسفة الشرق عن الغرب في منعطف مفصلي خطير، فالله الخالق المشرع هو قضية مركزية يتمحور حولها تفكيرنا وسلوكنا في الشرق، بينما الله قضية هامشية في الغرب. واندقّ إسفين الاستقطاب polarization  بين العلم والدين، بدل التكامل والتوازن بينهما.

2. صار العلم والطبيعة  Science and Nature (!) بديلاً عن الإيمان بالله، وصار العلم الحديث ديناً يتعبد به ويدين به الغرب. وأضحى الدين أفيون الشعوب (المقصود هو النصرانية)، وأن من يدين لله إنما هو إنسان ضعيف أو مصاب بمرض العُصاب. وتضخمت حقول العلم والمعرفة، وانتعشت روح المغامرات العلمية الاستكشافية (كـغـزو الفضاء) مع خيال خصب لدرجة لم يعهدها العالم من قبل، وكانت (للأسف) على حساب الإيمان بالله واختلال التوازن بين العلم والإيمان. وصار الغرب مسـتعـليًا بمعارفه وتجاربه وتفوقه العلمي على باقي العالم، فتكونت لديه ما يُسمى Eurocentric vision أي أنه ينظر بمرجعية ومركزية أوروبا للعالم، ويتكلم بصيغة (الغرب والبقية  West and the Rest). وكان من إفرازات العلم الحديث طـَرْقُ أبوابٍ لم تـُطرق من قبل بالمرة: كاحتجاجهم بالتوليد التلقائي Abiogenesis أي توليد حياة من الجماد (!)، وكالتلاعب بالجينات Bioengineering بلا قيود (مثل توليد دجاجٍ بلا ريش، وكلاب مهجـّـنة مُضرّبة عجيبة الشكل والخلقة) وتصنيع الكيمياويات المحرمة وقنابل ذرية وهيدروجينية وفسفورية وأسلحة دمار شامل استخدمت في الحروب العالمية الاولى والثانية وفي فيتنام والعراق، وبنتائج مروّعة. بل حتى في أدبياتهم صار الإنسان هو الخالق، كما في قصة الوحش فـرانـكـشــتـايـن Frankenstein (Novel by Mary. Shelley). وفي الجانب الإيجابي فقد أدّى تأليه وتضخم العقل الغربي لسلاسة وسهولة الحياة ووفرة الخدمات (بسبب التقنية العالية Hi-Tec) وسهولة الاتصال والمواصلات، وقيام نظام اداري فائق مع دولة مؤسـسـات رائدة.

3. انتفى مفهوم الحياة الأخرى ويوم القيامة والحساب والجنة والنار، فصارت المادة والمال والجسد أساس الحياة كلها. أمست الروح قضية لا تذكر بل اذا عُرّفت علميًّا فهي مجرد شرارة كهربائية(!)، وصارت القضايا الروحية قضايا مُهمّشة لا وزن لها. وبغياب الوازع الديني صار (تصنيع الكذب) والغاية تبرر الوسيلة ضرورة إدارية ودبلوماسية في إدارة الشركات والأعمال والمستشفيات، وفي السياسة الخارجية والداخلية. ووظِّفـت سياسة "فرق تسد" (Divide and Rule) وسياسية الفوضى المبدعة  وتصدير الديمقراطية للشرق، فـدُمّرت دول الشرق الأوسط، الواحدة تلو الأخرى للهيمنة على مقدراتها. وانتشر الخداع والسرقات المُقننة رمزًا للذكاء الإداري والتسويق التجاري Management and Marketing، وشاعت المصلحة على كل اعتبار What is in it for me فلا وجود للكرم والإيثار عند الغربيين. ولغياب الرقيب الأخلاقي عند الغربيين صار الزنا والخمر راحة نهاية الأسبوع وأُنسه. وأضحت (أنت تعيش مرة واحدة فقط) مقولة الغرب برأسمالييه وشيوعييه (You Only Live Once - YOLO)، ولا سَـنـَـدَ لها في فلسفة الشرق المتمركزة على الحياتين: (الفانية والباقية) أي حياة الدنيا في عالمنا المشهود، وحياة الآخرة في العالم غير المشهود. (أنت تعيش مرة واحدة فقط) لها آثار عميقة في سلوكيات الغربيين وفنونهم في حب الحياة والمادة والجنس، وعدم الرحمة في قتل الشعوب وسرقتهم. وحب الجسد في هذه الحياة الوحيدة مهّد السبيل لعمليات تجميل لا حصر لها، بل ولعمليات تغيير الجنس التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً قط.  وملأ الغرب فراغ الحياة الآخرة (التي لا يؤمنون بها) بكتابة وقراءة كتب الخيال العلمي وغير العلمي Fiction and Science Fiction  وأفلام الأشباحGhosts and Ghost Busters  والاهتمام بالتنجيم وأبراج الفلك وبعث الأساطير الإغريقية (كإله الإبداع الفكري Prometheus) وعودة الوثنية Paganism  وعبادة الشيطان  Satanism، للتعويض عن حاجة الإنسان الفطرية للإيمان بالغيب والله واليوم الآخر. وترى الغربيين يكبّون على قراءة كتب الخيال (التي تعجّ بها مكتباتهم) في القطارات والمطارات والطائرات والبواخر. 

4. الأُنس بمعيّة الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)  قوّضها الإلحاد بالله ومقولة "فرويد" بأن المؤمن بالله مريض، ومقولة "نيتشه" بأن الإيمان بالله دليل الضعف، أدّت لانتشار الكآبة والأمراض النفسية بالغرب مع انتشار الخمر والإدمان والمخدرات للتعمية على هذه الأمراض، والهروب من واقع الحياة Escapism from reality. حتى جاء من ينتقد فرويد، بل ويعالج المرضى بالصلاة والعودة لله مثل سكوت پيك في كتابه عام 1983بعنوان: (الطريق الأقل ارتيادًا) بيعت منه 6 ملايين نسخة لعطش الناس ومرضى الغرب له (M Scott Peck:  The Road less travelled). وكلما انتقلت عدوى الإلحاد للشرق زادت أمراضه، بل جدّت أمراض ما أنزل الله بها من قبيل؛ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)  و (ما أنزل الله من بلاء بهذه الامة إلاّ بذنب، ولا يُرفع عنها إلاّ بتوبة).

5. مهّدت فلسفة فرويد للثورة الجنسية بتشعـباتها العـديدة: كـزوال مفهوم الشرف، ودعم مفاهيم الدعارة إعلاميًّا وسينمائيًّا، وتهميش أهمية البكارة، والانغماس بالزنا، وانتشار البهيمية (التحيون: مضاجعة الحيوان Bestiality)، وتطبيع شذوذ المثلية الجنسية  Homosexuality: Gays and Lesbians إضافة لإنتاج جيل طويل عريض من اللقطاء.  كانت بريطانيا أكثر دول الغرب محافظة، لكن في آذار 2014 قـُنّن زواج المثليين في بريطانيا المحافظة (بالقياس للفرنسيين والإسكندنافيين في أوروبا) ولأول مرة.  وتضافر الكفر بالله الرقيب والكفر بيوم الآخر يوم الحساب ليمهد لحرية مطلقة عارمة مع اشتعال أوار الثورة الجنسية. صار الغرب بمؤسساته كلها مبنية على عدم الإيمان بالله، وجندت هوليوود مؤسساتها لإعادة كتابة تاريخ جديد بإخراج أفلام بهذا الاتجاه الإلحادي، وجندت وسائل الإعلام والموسيقى العالمية إخراج أغانٍ رائعة باتجاه الإلحاد (كما في أغنية جون لينين: تخـيّـل - imagine) وباتجاه حمى الجنس والإباحية المطلقة،  كما في أغاني إيلفيس بريسلي وتوم جونز، وجند فلاسفة الثورة الجنسية المجتمع بهذا الاتجاه، فأُقيمت المخيمات نام فيها الشباب والشابات يستمتع أحدهم بالثاني على أنغام الموسيقى الجنسية الصاخبة.

6. انحلال واضمحلال مؤسسة الأُسرة بعدم الحاجة للزواج باكتشاف حبوب منع الحمل، وبأطفال تحت الطلب عن طريق بنوك المني (Semen banks)، مع الدعم القانوني للجنس ولإجهاض النسوة غير المتزوجات. واُلقيَ الآباءُ والأمهاتُ في مصحّات العجزة، وعاش الغربيون فرادى (بعزلة قاتلة)، وانتشرعدم إرضاع الأطفال بحليب الأم (وإشكالاته المرضية) بسبب خروجها للعمل طوال سـاعات اليوم (وفي حقول عمل قد لا تناسبها).

7. أدت فلسفة مالثوس الاقتصادية لتحديد النسل الممنهج والصارم (تحت اسم تنظيم الأسرة)، وذلك بتداخل جراحي: بقص القنوات المنوية للذكور Vasectomy  وعقد أنابيب الرحم للنساءFallopian tubal ligation  ، وعـضّده كالتون بنظريته بتحسن النسل Eugenics لتصفية المعـوقـين عن طريق تنظيم الأسرة. وانتشرت هذه العمليات كالنار في الهشيم في المجتمعات الغربية والأوروبية، مُنذرةً ببداية انقراض الجنس البشري الغربي (العرق الأبيض)، وتقويض النظام الغربي، ومحاولة ردم الفجوة ورأب الصدع إداريًّا وخدميًّا باستيراد الأجانب (عن طريق جاذبية الحوافز المادية للعمل في الغرب، وعن طريق تصدير الديمقراطية لدول العالم الثالث بتدميرها وإيجاد "الفوضى المبدعة" لدفع مواطنيها للهجرة للغرب – أرض الأحلام !).

8. اختلال موازين الحياة: فصارت رُتـَبُ عناية الدولة بالحقوق حسب التسلسل التالي:

الحيوان أولاً، فقامت مؤسسات عديدة لحماية الحيوان

الطفل ثانيًا (الأولاد ملك الدولة)

المرأة ثالثًا

الرجل رابعًا

الشيوخ خامساً

الأجنبي سادسًا، خصوصًا الأجانب الزنوج السود واليوم العرب المسلمون!!! (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ).

9. تضافرت فلسفة الدارونية الاجتماعية أو العنصرية العلمية (!) لهربرت سبنسر مع فلسفة توماس مالثوس وأزمة مالثوس Malthusian crisis وتقديس القوة لمكيافيلي، لتشكل الأساس لاستعمار الغرب لدول العالمم وإبادة الجنس البشري واستعباده في العالم (في الأمريكتين فقط، تم إبادة ما لا يقل عن 3 مليون من الهنود الحمر، ولتبرير قتلهم، أشاعوا مقولة مزيفة عن الهنود الحمر أن "الهندي الميت هو هندي جيد" (A dead Indian is a good Indian).

10. كانت فكرة دارون خطيرة لإفرازها فلسفة الدارونية الاجتماعية أو العنصرية العلمية (!) لمعاصره هربرت سبنسر (Social Darwinism or Scientific Racism) وتفوق العرق الأبيض والاحتقار التام للأعراق الأخرى، فصارت العـنصـرية من المصطلحات الغربية الدارجة وأضيف لها مصطلحان جديدان: هما:

- الفزع أو الخوف من الأجنبي (Xenophobia).

- الفزع أو الخوف من الإسلام (Islamophobia).

وتتضافر الكلمتان لتنتج العنصرية من كل أجنبي مسلم في الغرب.

وسـنسلط الضوء ونغوص بتفاصيل كلٍ من هذه العواقب وتشعباتها وآثارها، كمفارقات بين الشرق والغرب.

أضف لذلك كله برودة المناخ الأوروبي المنعكس على برودة مشاعر سـاكنيه وقلة غيرتهم وشذوذ أفكارهم.

وبرغم سلبيات الشرق فهم أصح عقلاً ونفسًا ومشاعر؛ وفعلاً (البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب)!

لعل رسول الله  (صلى الله عليه وسلم) كان محقًّا حين كان يدعو الله مخلصًا بدعاء استفتاح صلواته بقوله:

"اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب"

(ولم يقل: بين المغرب والمشرق! أي أنه باعـد بين نفـسه الشريفة في المشرق -وكأن المشرق ملجأه ومثواه-  بعـيدًا جدًّا عن خطـايـاه - وكأنها في المغرب (وحاشاه من الخطايا صلى الله عليه وسلم)) !


عدد القراء: 3255

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-