جوزيف كيسيل في سورياالباب: مقالات الكتاب

نشر بتاريخ: 2016-11-25 08:44:53

د. سعيد بوخليط

مراكش - المغرب

جوزيف كيسيل J .Kessel ، الكاتب الفرنسي المزداد في الأرجنتين. هو الواحد المتعدد، ثم المتعدد الذي وجد ضالته في الواحد: الروائي طبعًا، الرحالة، المغامر، الصحافي، الطيار، الذي شارك إلى جانب السلاح الجوي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم المتخصص في الريبورتاجات.

أغنى التراث الإنساني، بمنجز فكري هائل، قارب سبعين رواية، إضافة إلى دراسات مختلفة تهم مجالات إبداعية متعددة. مع كل ذلك، لازال حتى الآن، فقط عنوان رئيسي أشار ويحيل باستمرار على كيسيل، مقارنة مع باقي كتاباته.

يتعلق الأمر بروايته ''الأسد ''(1958) التي دارت أحداثها في منتزه ملكي بكينيا، وتروي تفاصيل علاقة جد مدهشة تتجاوز حدود التصور، بين باتريسيا الفتاة الصغيرة ذات العشر سنوات، وأسد. إذن، كلما ذكر اسم جوزيف كيسيل، اتجه التفكير مباشرة نحو تلك الرواية.  

بين ثنايا بيبليوغرافيا زاخرة ومستفيضة، يندرج كتيب صغير، ربما لم يكن ليثير اهتمامي حقًّا، لولا انبجاس التراجيدية السورية. نص: في سوريا، الذي كتبه كيسيل سنة 1927، موثقًا من خلال فصوله العشرة وقائع ما عاشه في أثناء رحلته لسوريا. غير أنه عمل، تجاوز مستوى الانطباعات والارتسامات الشخصية، المنقادة وراء التقاط محايد لمتواليات رحلة عادية، مرتقيًا حقيقة غاية التقييم الموضوعي الحاذق لجوانب من سياق المرحلة، المعروفة تاريخيًّا بالانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان (1920-1946)، وما انطوى عليه من منزلقات سياسية وجغرافية وثقافية وإثنية وعسكرية، استمرت وامتدت تراكماتها البنيوية حتى الزمن الراهن. 

ومن ثم، يعتبر ما يحدث اليوم في سوريا مجرد نتيجة طبيعية، من نواحي كثيرة، لما أرسته صياغات المرحلة التي يؤرخ لها كتاب كيسيل.   

بالتأكيد، كما أقرت مختلف اجتهادات المؤرخين، يصعب عمومًا استيعاب الحاضر دون إحاطة بالماضي  .فالمآلات الجنائزية التي يهرول نحوها العالم العربي، سياسيًّا وثقافيًّا ومعه  سوريا، تعود بأصولها إلى جرائم المنظومة الاستعمارية في حق عقل وجسد وروح وشعور وطموح شعوب المنطقة.

غير أن ما جسّد بامتياز هذه المعادلة في التحقيق الصحفي ل كيسيل عن سوريا، الذي يعود كما قلت إلى سنة1926  ، وأضفى على خلاصاته سمة كهنوتية تخمينية جعلت فقرات عمله أقرب إلى إشراقات العرافين والمتنبئين، كونه استحضر منذئذ رؤى ألغت تقريبًا كل هذه المسافة الزمانية الممتدة إلى تسعة عقود، وبدا الراهن كالأمس تمامًا. المشهد العام نفسه، ثابت لم يتبدل، فقط تغيرت التفاصيل الصغيرة. تفسير هذه المسألة في غاية البساطة: مبدع بحجم كيسيل، يمتلك ما يكفي من الذكاء والعمق والموسوعية والبصيرة والخبرة الحياتية والحس الإنساني، لا يمكنه حتمًا سوى أن يكون صاحب حدس مبشر ونذير.

لكن خاصة دافع العشق، والتعلق الحميمي بالموضوع، يجعل الأفكار شفافة وصادقة .كيسيل عاشق لجغرافية مكان رحلته، أي الشرق. شرق، تحسس سلفًا أولى عطوره وهو طفل في سن الثامنة على ضفاف الأورال، مترقبًا بشغف عبور قوافل بخارى وفارس، يقودها القيرغيزيون: «أعشق الشرق، هو ليس بعذري الوحيد للرغبة في التكلم عنه، لأني لا أعرفه جيدًا.إننا لا نذهب إليه، وينبغي أن يأتي إليكم، مما يقتضي وقتًا. والحال، أني قضيت خلال مرتين، ما بين ثلاث إلى أربعة أسابيع، في سوريا. هذا، كل شيء.ثم، ابتغيت أن أعيش التجربة بصفتي صحافيًّا، بمعنى قضاء أغلب يومياتي مع جنرالات وموظفين كبار» (ص- 10). 

لقاءات هنا وهناك، أثمرت بورتريهات رصدها كيسيل، بدقة محترف الكتابة، القابض على زمام الحلقة المفقودة، الفالتة بين الواقع والخيال، بمعنى ثان، التأرجح بين البعد التقريري للغة الصحافة ثم الحس الفني المحلق لأفق الروائي، الأكثر تكثيفًا وزخمًا ورحابةً.   

سنقف على وجهات نظر، ونتابع بعضًا من يوميات شخصية عسكرية ومدنية، تصنع الحدث في المنطقة: الأمير عبدالمجيد، القسّ، القائد كولي الصغير، بوشيد، لابان، القائد مولير، مزود، دحّام، الدروز، الشركس. مثلما، أننا سنكتشف منذئذ، الأمكنة التي ندمن حاليًا فواجعها كل حين، حد الهستيريا: دمشق، درعة، السويداء، حلب، ديرالزور، تدمر. 

سوريا جغرافية في غاية الجمال والثراء والعطاء، منبع الحضارات. لكن أيضا بنية طائفية وإثنية معقدة، تَعكَّر صفوها زيادة، واستفحل أمرها، بسبب مساوئ إدارة الانتداب الفرنسي وتبعاته، فأضحت جحيمًا للنعرات عوض أن تكون رحمة للاختلاف، جعلها لبنة للحرب الدموية التي تدور رحاها اليوم.

يقول كيسيل :«سوريا، مهد الحضارات ومكان العبور المختار منذ الأزل، أثر ثراءها وجمالها، دون تدخل، في كثير من الشعوب. هذه الأرض، حيث تنمو بقوة ملتهبة، الاعتقادات الأولى، وكذا الهرطقة، التي تضلل وتخلط. أعترف بتواضع، أني لم أستوعب خلال أولى أيام إقامتي في بيروت، شيئًا بخصوص ما يتداول أمامي من أحاديث. العلويون، الهاشميون، الموارنة، السنة، الشيعة، اليونان الأرثوذوكسيون، الطائفة السورية-الفلسطينية، قطاع الطرق، المتمردون وكذا دروز الجبل ودروز حوران، اللبنانيون والسوريون والدمشقيون، إلخ، فكيف يعترف بعضهم ببعض؟ تحوي سوريا، سبعة وعشرين ديانة، تمثل كل واحدة منها قومية، وتلتمس هذا السديم التأثيرات الأكثر تنوعًا، روحيًّا وماديًّا. مع ذلك، بعد انقضاء أيام قليلة، بدأت أتمكن من قراءة كتاب الطلاسم هذا، الذي يبدو مستعصيًا على الفهم. تتبدى الخطوط الكبرى، بلا شك، بالتبسيط لا يمكن أن نعرض كل المشهد، لكنه الوسيلة الوحيدة لكي أفهم وأعبر عمَّا فهمت؟» (ص-14).

ذهب كيسيل إلى سوريا، مفتقدًا لأي مرشد نظري، أو مرجعية قبلية، قد ترسم له خريطة طريق: «سوريا؟ ماذا نعرف عنها؟ لنعترف بالأمر، دون كبرياء مزيف: فقط بعض الوقائع التاريخية المبهمة، حول الحروب الصليبية، ثم بعض الصفحات الشهيرة، والأسماء الجميلة لدمشق وتدمر والفرات. ذاك، كل زادي بالنسبة لبلد كبير وخصب، يعيش تحت الانتداب الفرنسي. لكن، من يبين أهمية هذا الانتداب؟ ثم بوسعه أن يرسم- اللهم إلا مختصين قليلين- المظهر السياسي لهذا البلد؟ من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتل؟. في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا» (ص-13-14).

لكنه، عندما عاين وخبِر ولامس على أرض الواقع، صحبة الجنود حيثيات المعارك وجوهر الصراعات السياسية، تحول بعمله هذا من مستوى الريبورتاج التسجيلي العادي، وكذا الرحلة العابرة، إلى التقييم النقدي لنظام الانتداب، وتحميله في الأخير ساسة فرنسا، مسؤولية الأخطاء المرتكبة التي كرسها الزمان وتماهى معها المكان.   


عدد القراء: 635

اقرأ لهذا الكاتب أيضا

اكتب تعليقك

شروط التعليق: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.
-